الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول في القياس في العقوبات
والمراد من ذلك: الحدود والكفارات، فاختلف العلماء في جواز
القياس في الحدود والكفارات كقياس النباش على السارق، واللائط
على الزاني، وقياس من أفطر في نهار رمضان بشرب على المجامع
في نهار رمضان في وجوب الكفارة، على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إجراء القياس في هذه الأمور.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول. عموم أدلة حجية القياس التي ذكرناها فيما سبق،
ومنها: قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، والآيات
الأخرى، وحديث معاذ والأحاديث التي ذكرناها معه، وإجماع
الصحابة السكوتي، وغير ذلك، فإنها تدل دلالة واضحة على أن
القياس يجري في جميع الأحكام إذا استكملت جميع شروط القياس،
فلم تفرق بين حكم وحكم، فالقول بأنه حُجَّة في بعض الأحكام
دون بعض إما تخصيص للعام أو تقييد للمطلق، وقد اتفق العلماء
على أنه لا يجوز تخصيص العام ولا تقييد المطلق إلا بدليل، وحيث
إنه لا دليل لكل منهما، فتبقى أدلة القياس على عمومها وعلى
إطلاقها، فيكون القياس يجري في جميع الأحكام المستكملة لشروط
القياس، فينتج من ذلك جريان القياس في الحدود والكفارات،
وجميع المقدرات؛ لأنها من ضمن الأحكام.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا -: إن أردتم أن أدلة القياس تدل على جريانه
في الأحكام الشرعية عند استكماله لشروطه، فهذا مسلم، ولكن لا
نسلم إمكان حصولها في الحدود والكفارات لعدم إدراك العقل المعنى
الذي من أجله شرع هذا الحد أو تلك الكفارة.
جوابه:
إن العقل يحكم بأنه لا يمتنع عقلاً أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة
لمعنى معين مناسب للحكم، ثم يوجد ذلك المعنى في صورة أخرى.
الدليل الثاني: أن خبر الواحد تثبت به الحدود والكفارات وإن كان
طريقه غلبة الظن، ويجوز فيه الخطأ والسهو، فكذلك يجوز أن
تثبت الحدود والكفارات بالقياس ولا فرق، والجامع: أن كلًّا منهما
يفيد الظن، ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما.
الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار
في الخمر يشربها الرجل، فقال له عليّ: " نرى أن نجلده ثمانين،
فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى "، فجلد
عمر شارب الخمر ثمانين جلدة، فهذا إلحاق شارب الخمر بالقاذف
في الحد قياسا؛ إذ ليس من قبيل الاجتهاد بالنص، ولا الإجماع،
ولا البراءة الأصلية، ولا غيرها من الأدلة سوى القياس، وشاع
وذاع، ولم ينكره أحد فكان إجماعا، فينتج من ذلك: أن القياس
يجوز في الحدود، وإذا جاز في الحدود فإنه يجوز - أيضاً - في
الكفارات؛ لأنها أحكام مقدرة من قِبَل الشارع.
الدليل الرابع: أن العمل بالقياس عمل بالظن الغالب، ونحن
مأمورون بأن نعمل به، وبذلك يكون إثبات الحدود والكفارات
بالقياس عملاً بما أمرنا به من الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
المذهب الثاني: لا يجوز القياس في الحدود والكفارات.
وهو مذهب الحنفية.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الحد شرع للردع والزجر عن المعاصي،
والكفارات وضعت لتكفير المأثم، وما يقع به الردع عن المعاصي،
وما يتعلق به التكفير عن المأثم لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، فلا يجوز
إثبات شيء من ذلك بالقياس، لأننا لا نعلم المصلحة التي من أجلها
شرعت هذه الأمور.
جوابه:
إن هذا لو كان طريقاً في نفي القياس في الحدود والكفارات:
لوجب أن يجعل مثل هذا طريقاً في نفي القياس في جميع الأحكام،
كما فعله نفاة القياس حيث قالوا: " إن الأحكام شرعت لمصلحة
المكلفين، والمصلحة لا يعلمها إلا اللَّه تعالى، فيجب أن لا يعمل
فيها بالقياس ".
ولما بطل هذا في نفي القياس في جميع الأحكام: بطل في نفي
القياس في الحدود والكفارات، فينتج جواز القياس فيها.
الدليل الثاني: أن الحدود والكفارات تشتمل على تقديرات لا
تعقل معناها بالرأي كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف،
والقياس لا يصح إلا إذا عقل المعنى الذي من أجله شرع الحكم،
فلما لم نعقل ولم ندرك المعنى والعِلَّة في الحدود والكفارات
فلا يجوز جريانها بالقياس كأعداد الصلوات، وركعات كل صلاة،
وأنصبة الزكوات.
جوابه:
إن الأحكام التي أدركنا العِلَّة التي من أجلها شرع الحكم يجري
فيها القياس: فمن الممكن أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة لمعنى
مناسب، ثم يوجد ذلك المعنى المناسب في شيء آخر، فتكون
معقولية التقدير غير ممتنعة، من أمثلة ذلك: قياس النباش على
السارق في القطع بجامع: أخذ مال غيره خفية من حرز مثله،
وقياس القاتل عمداً عدواناً على القاتل خطأ في وجوب الكفارة
بجامع: القتل بغير حق.
وأما ما لا يدرك فيه المعنى المناسب، فلا خلاف في أنه لا يجوز
القياس فيه؛ لفقدانه ركناً من أهم أركان القياس، وهي العِلَّة.
الدليل الثالث: أن القياس يفيد الظن، والظن يدخله احتمال
الخطأ فيكون شبهة، فلا يصح أن يثبت به الحد؛ لأن الحدود تدفع
بالشبهات بقوله صلى الله عليه وسلم:
" ادرؤا الحدود بالشبهات ".
وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، وقد يدخلها احتمال الخطأ،
فتدفع بالشبهات، فينتج: أنه لا قياس في الحدود والكفارات.
جوابه:
لا نسلم أن مجرد الظن يكون شبهة يمنع من إجراء القياس في
الحدود والكفارات مع ظهور الظن الغالب؛ لأنه لو كان مطلق الظن
مانعا من إقامة الحد: لما وجب هذا الحد بالأدلة الظنية كاخبار
الآحاد، وظواهر النصوص، والشهادات، وما شابه ذلك: فخبر
الواحد يجوز عليه الخطأ، ومع ذلك يثبت به الحد، والشهود يجوز
عليهم الكذب والخطأ، ومع ذلك تقبل شهادتهم في الحدود،
وكذلك يقبل تقويم المقوم في نصاب السرقة مع جواز الخطأ عليه،
فإذا لم يكن الظن في هذه الأدلة مثيرة للشبهة، فكذلك القياس
الظني لا يثير الشبهة، فيقبل القياس في الحدود والكفارات.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 -
أن من أفطر متعمداً من غير عذر بأكل أو شرب، فعليه
كفارة من جامع في نهار رمضان، وهو قول أصحاب المذهب
الأول، ودليلهم: قياس الآكل والشارب عمداً على المجامع في نهار
رمضان بجامع: أن كلًّا منهما قد انتهك حرمة رمضان بقصد منه.
وذهب بعض العلماء - وهو المذهب الثاني - إلى أنه لا كفارة
عليه، ودليلهم على ذلك: حديث الأعرابي الذي قال للنبي
صلى الله عليه وسلم:
إني واقعت أهلي في نهار رمضان، قال:" اعتق رقبة "، فإنه ورد
في الجماع في نهار رمضان، ولا يُعدَّى الحكم إلى كل إفطار، وهو
ما عليه كثير من العلماء.
2 -
النباش - وهو من ينبش القبر فيأخذ ما في الأكفان - تقطع
يده؛ قياساً على السارق بجامع أخذ مال غيره من حرزه، وهو قول
أصحاب المذهب الأول.
وذهب أصحاب المذهب الثاني إلى أنه لا تقطع يد النباش؛ لعدم
وجود دليل على ذلك، ولا يصح القياس في الحدود عند أصحاب
هذا المذهب.
تنبيه: لقد بحثت إثبات العقوبات بالقياس في مصنف مستقلِ
فراجعه - إن شئت - فهو مطبوع متداول.