الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس إذا اجتمع مطلق ومقيد فهل يحمل
المطلق على المقيد أو لا
؟
هذا يختلف باختلاف أحوال ورودهما، ففي بعض الحالات لا
يحمل المطلق على المقيد إذا وردا، وفي بعض الحالات يحمل،
وإليك بيان ذلك:
الحالة الأولى: أن لا يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلِّق
حكم المقيد مثل أن يقول: " أدوا الصلاة "، ويقول: " اعتقوا رقبة
مؤمنة إذا حنثتم " فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقا؛ لأنه لا
يوجد مناسبة بينهما، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلاً.
الحالة الثانية: أن يكون متعلِّق حكم المطلق هو عين متعلّق حكم
المقيد.
وهذه الحالة لها ست صور:
الصورة الأولى: أن يكون متعلقهما واحداً والسبب واحداً، وكل
واحد منهما أمراً كقوله: اعتقوا رقبة إذا حنثتم، ثم يقول: اعتقوا
رقبة مؤمنة إذا حنثتم، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وكذا لو قال:
اعتقوا رقبة مؤمنة، ثم قال: اعتقوا رقبة، وكذا لو لم نعلم تقدم
أحدهما، ففي هذا كله يحمل الطلق على المقيد.
دليل ذلك. أن الجمع بين الدليلين أَوْلى من إعمال أحدهما وترك
الآخر: فالعمل بالمقيد عمل بالمطلق ضرورة أن المطلق جزء من
المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء، فيكون العمل بالمقيد عملاً
بالدليلين، وأما العمل بالمطلق فليس عملاً بالمقيد؛ لأن الآتي بالجزء
لا يكون آتيا بالكل، بل يكون تاركا للمقيد، فيكون العمل بالمطلق
يستلزم ترك المقيد بالكلية.
الصورة الثانية: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحداً والسبب
واحداً، وكل واحد منهما نهيا مثل أن يقول:" لا تعتق رقبة "، ثم
يقول مرة أخرى: " لا تعتق رقبة كافرة في كفارة اليمين "، فهنا فيه
تفصيل:
أن من يقول بأن المفهوم حُجَّة، وأنه يخصص به العموم فإنه
يخصص النهي العام؛ لأن النهي في قوله: " لا تعتق رقبة كافرة "
يدل على إجزاء المسلمة؛ لأنه مختص بالنهي عن الكافرة، وهو
بمفهومه يدل على إجزاء المسلمة، وهذا بناء على جواز التخصيص
بالمفهوم كما سبق بيانه.
أما من لم يحتج بالمفهوم، فإنه لا يخصص النهي العام؛ لأنه لا
موجب لذلك.
الصورة الثالثة: أن يكون متعلق المطلق والمقيد واحداً، والسبب
واحداً، ويكون أحدهما أمراً والآخر نهيا، فإن المقيد يوجب تقييد
المطلق بضده، سواء كان المطلق أمراً والمقيد نهيا كقوله: " اعتق
رقبة"، ثم يقول: " لا تعتق رقبة كافرة "، أو كان المطلق نهيا،
والمقيد أمراً كقوله: " لا تعتق رقبة "، ثم يقول: " اعتق رقبة
مؤمنة".
الصورة الرابعة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، وسبب
المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما أمراً كقوله تعالى
في كفارة الظهار: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، وقوله في كفارة القتل:
(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) ، فهنا الحكم واحد، وهو في
وجوب إعتاق رقبة، وهو في المطلق والمقيد أمر، والسبب مختلف،
حيث إن سبب عتق الرقبة في المطلق هو: الظهار، وسبب عتق
- الرقبة في المقيد هو: القتل الخطأ، فهل يحمل المطلق على المقيد،
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: إن قام دليل نحو القياس على المقيد أو غيره حمل
المطلق على المقيد، وإن لم يقم دليل، فإن المطلق يبقى على
إطلاقه، وهو مذهب جمهور الشافعية، ومنهم الإمام الشافعي،
والآمدي، وفخر الدين الرازي، وبعض المالكية كالقاضي أبي بكر
الباقلاني، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب، وبعض المعتزلة كأبي
الحسين البصري، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أن القياس دليل شرعي عام في كل صورة إلا إذا
فقد فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه، وذلك لأن الأدلة
على حجيته لم تفرق بين صورة وصورة، فإذا دلَّ القياس على حمل
المطلق على المقيد، فإنه يجب العمل على في لك عملاً بحجية القياس.
الدليل الثاني: قياس تقييد المطلق على تخصيص العام بالقياس،
بيانه:
أنه كما أن العام يجوز تخصيصه بالقياس، فكذلك يجوز تقييد
المطلق بالقياس، والجامع: صيانة القياس عن الإلغاء، بل هذا
أَوْلى " لأن دلالة العام على كل الأفراد دلالة لفظية، ودلالة المطلق
على ذلك ليست لفظية، بل معنوية، ومعروف: أن الدلالة اللفظية
أقوى من الدلالة المعنوية، فإذا كان القياس يخصص العام مع أن
دلالته على الأفراد لفظية وهي قوية، فمن باب أوْلى جواز تقييد
المطلق بالقياس.
المذهب الثاني: أن المطلق يحمل على المقيد عن طريق اللغة
واللفظ من غير حاجة إلى دليل آخر.
وهو مذهب بعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن المطلق في باب الشهادة، كقوله تعالى:
(واستشهدوا شهيدين من رجالكم) ، قد حمل على المقيد الوارد
في قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ، ولذلك أجمع
العلماء على اعتبار العدالة في جميع الشهود، ومنها شهود المداينة
مع أنه أطلق فيها هاهنا.
والجامع: تقديم المقيد الذي هو كالخاص على المطلق الذي هو
كالعام.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ أن ذلك التقييد بحسب اللفظ، من غير
دليل، بل هو بدليل وهو الإجماع والنص، وهو قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، والقياس على
الموضع الذي نص فيه على العدالة بجامع حصول الثقة بقولهم.
الجواب الثاني: أن هذا غير منضبط في كل شيء، فقد قيد في
الوضوء بالمرافق، وأطلق بالتيمم، فلم نحمله عليه، فتقابلا.
الدليل الثاني: أن حمل المطلق على المقيد هو لغة العرب،
فالعرب تطلق الحكم في موضع، وتقيده في موضع آخر، فيحمل
المطلق على المقيد، وهذا له أمثلة كثيرة.
من ذلك: قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) ، فحمل لفظ " الحافظات "
و" الذاكرات " على " الحافظين " و " الذاكرين "، وقول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما
…
عندك راض والرأي مختلف
والتقدير: ونحن بما عندنا راضون، فحمل المطلق على المقيد لغة
وغير ذلك من الأمثلة
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن جميع ما ذكروه حمل المطلق على المقيد
بدليل، والدليل في تلك الأمثلة هو: العطف؛ لأن حكم المعطوف
هو حكم المعطوف عليه.
وهو واضح في الآيتين وبيت الشعر.
الجواب الثاني: أن المطلق حمل على المقيد في تلك الأمثلة السابقة
لدليل، وهو: أن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه، ولا يفيد فائدة
فحمل على الآخر لموضع الحاجة على حمل الكلام على فائدة.
المذهب الثالث: أنه لا يحمل المطلق على المقيد مطلقا، وهو قول
أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وكثير من الحنابلة.
دليل هذا المذهب:
أن حمل المطلق على القيد رفع لحكم المطلق، وذلك نسخ له،
والنسخ لا يثبت بالقياس.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ أن زوال الحكم كان بطريق النسخ، بل هو عندنا
بطريق التقييد، ولهذا يكون الحكم كذلك لو كان المطلق والمقيد
مقترنين في الورود، أو كان القيد متقدماً، ولو كان بطريق النسخ لما
كان كذلك؛ لأن من شروط النسخ أن يكون الناسخ متأخراً عن
المنسوخ - كما سبق -.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لأن بعض الفروع الفقهية قد تأثرت بهذا الخلاف،
ومنها:
أنه قال تعالى في الظهار: (فتحرير رقبة) ، وقال في آية قتل
الخطأ: (فتحرير رقبة مؤمنة)، فعلى المذهب الأول والثاني:
يحمل المطلق على القيد في هذه الصورة، فلا يجزي عند أصحاب
هذين المذهبين في الكفارتين إلا الرقبة المؤمنة، وهو مذهب جمهور
العلماء.
أما عند أصحاب المذهب الثالث - وهم الذين منعوا حمل المطلق
على المقيد في هذه الصورة - فقد أعملوا المطلق على إطلاقه،
وأعملوا المقيد على تقييده، ففي كفارة الظهار تجزئ عندهم الرقبة
الكافرة عملاً بالإطلاق، وفي كفارة القتل الخطأ لا تجزئ إلا الرقبة
المؤمنة عملاً بالتقييد.
الصورة الخامسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، وكل
واحد منهما نهياً، والسبب مختلف مثل أن يقول:" لا تعتق رقبة "
في كفارة الظهار، ثم يقول:" لا تعتق رقبة كافرة " في كفارة
القتل، في هذه الصورة تفصيل:
فمن يحتج بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد إن وجد دليل، فإنه
يخصص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل، وإن لم يوجد فلا
يخصص، فمفهوم قوله:" لا يعتق رقبة كافرة " هو: اعتق رقبة
مؤمنة، فالمفهوم هذا يخصص ويقيد قوله:" لا تعتق رقبة " أي:
لا تعتق رقبة كافرة، فيكون المراد: اعتق رقبة مؤمنة.
أما من لم يحتج بالمفهوم فلا يخصص النهي العام.
الصورة السادسة: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً، ويكون
أحدهما أمراً، والآخر نهياً، والسبب مختلف، فالمقيد يوجب تقييد
المطلق، سواء كان المطلق أمراً مثل أن يقول: " اعتق رقبة في كفارة
الظهار "، والمقيد نهياً مثل قوله: " لا تعتق رقبة كافرة في كفارة
القتل "، أو بالعكس: أي يكون نهيا في المطلق كقوله: " لا تعتق
رقبة في كفارة الظهار "، ويكون المقيد أمراً كقوله: " اعتق رقبة
مؤمنة في كفارة القتل ".