الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب التاسع عشر هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد
؟
لقد اختلف في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنه يجوز أن يُخصَّص العام إلى أن يبقى واحد
مطلقاً، أي: سواء كان العام جمعاً كالرجال، أو غير جمع مثل:
"من "، و "ما".
وهو مذهب الإمام مالك، وأكثر الحنفية، وبعض الشافعية،
واكثر الحنابلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أنه واقع في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، ومنزل الذكر هو الله
الواحد الأحد.
ومنه قوله تعالى: (أولئك مبرءون مما يقولون) ، وأراد بذلك
عائشة رضي الله عنها، ومنه قوله تعالى:(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، فقد عبر بلفظ العموم وهو:
"الناس "، والمراد به واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي، كما
ذكره المفسِّرون.
الدليل الثاني: أنه واقع عند أهل اللغة: فقد كتب عمر إلى سعد
ابن أبي وقاص رضي الله عنهما قائلاً: " قد أنفذت إليك ألفي
رجل "، وكان قد أرسل إليه ألفاً من الرجال والقعقاع بن عمرو،
فهنا قد أطلق اسم الألف الأخرى وأراد بها واحداً وهو القعقاع،
ولم ينكر عليه أحد.
الدليل الثالث: أنه لفظ من ألفاظ العموم يجوز تخصيصه إلى
الثلاثة، فجاز إلى ما دونها ولا فرق، قياساً على " من "، فإنه
يجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد، فتقول: " من دخل داري من
الطلاب فأكرمه إلا فلاناً وفلانا "، حتى يبقى واحد، فكذلك غيرها
ولا فرق.
المذهب الثاني: التفصيل، بيانه:
إن كانت الصيغة غير الجمع، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد.
وإن كانت الصيغة جمعاً، فإنه يجوز تخصيصها إلى أن يبقى
ثلاثة، ولا يجوز ما دون ذلك.
وهو مذهب القفال، وأبي بكر الرازي.
دليل هذا المذهب:
أن هناك فرقاً بين الجمع وغيره، وهو: أن اسم الجمع حقيقة في
الثلاثة فصاعداً، لأنها أقل مراتب الجمع على الصحيح، واستعماله
فيما دون الثلاث إخراج له عن موضوعه، فلا يجوز.
أما في غير الجمع من صيغ العموم كأدوات الشرط والاستفهام،
واللفظ المفرد، فيجوز تخصيصها إلى أن يبقى واحد " لأنه أقل
مراتبه نحو قوله: " من نجح فله جائزة "، وهو يريد شخصا واحداً:
جوابه:
إنه لا فرق بين الصيغ عندنا؛ لما ذكرناه من الآيات والخبر، وهذا
أثبت عندنا مما ذكرتموه من إنشاءكم.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز أن يخصص العام إلى أن يبقى
واحد، ولا أقل الجمع، بل الذي يجوز هو: أن يخصص العام إلى
أن صبقى عدد يوصف بالجمع الكثير مطلقا، أي: سواء كان لفظ
العموم جمعا كالرجال، أو غير جمع كأدوات الشرط والاستفهام.
إلا أن يستعمل ذلك اللفظ الواحد على سبيل التعظيم، كقوله
تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر) .
وهو مذهب أبي الحسين البصري، واختاره فخر الدين الرازي،
وبعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أنه لو جاز أن يكون الباقي بعد التخصيص ثلاثة فما دونها: لكان
قول القائل: " قتلت كل الناس " وهو لم يقتل إلا ثلاثة فأقل: غير
مستقبح عرفا؛ لكونه قد استعمل اللفظ فيما يصلح له، لكن هذا
القول مستقبح عرفاً؛ حيث إن أهل العرف يلومون هذا القائل،
ويستقبحون هذا القول منه، فدل على أن العام لا يصلح للثلاثة
ابتداء، فلا يصلح لها كذلك بعد التخصيص.
جوابه:
إنه عند وجود القرينة المخصصة، فإن أهل العرف لا يعيبونه، ولا
يلومونه، ولا يستقبحون قوله ذلك.
فيجوز أن يقول ذلك وإن قتل القليل، كما يجوز أن يقول
الشخص العليل الذي يصف أمراً للطبيب: " أكلت اللحم "، ويريد
به القليل.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه قد أثر في بعض الفروع الفقهية،
ومنها: ما إذا كان للرجل أربع نسوة، وقال:" نسائي طوالق "،
ثم قال؛ " كنت أخرجت ثلاثا "، فإنه يقبل بناء على المذهب
الأول، حيث إن الباقية واحدة، ويجوز تخصيص العام إلى أن يبقى
واحد.
ولا يقبل بناء على المذهب الثاني؛ لأن الصيغة جمع، والجمع لا
يخصص إلى واحد.
ولا يقبل هذا؛ بناء على المذهب الثالث، لأن اسم النساء لا يقع
على الواحدة.