الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب السابع عشر العام بعد التخصيص هل هو حقيقة
في الباقي أو يكون مجازاً
؟
أي: اللفظ العام إذا خص منه أفراد هل يكون حقيقة في الباقي،
أو يصير مجازاً فيما بقي بعد التخصيص؛ لقد اختلف العلماء في
ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أن العام إذا دخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي
بعد التخصيص مطلقا، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو غير
متصل.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، وأكثر الحنابلة،
وحكي عن الإمام أحمد، وهو الحق عندي؛ لدليلين:
الدليل الأول: قياس اللفظ العام بعد التخصيص على اللفظ قبل
التخصيص.
بيانه: أن اللفظ العام متناول للباقي بعد التخصيص كما كان
متناولاً له قبل التخصيص، واستعمال اللفظ العام في الباقي قبل
التخصيص حقيقة اتفاقاً؛ لكون اللفظ متناولاً له، فيكون استعماله
في الباقي بعد التخصيص حقيقة كذلك، لوجود المقتضي للحقيقة،
وهو اللفظ المتناول لهما.
الدليل الثاني: أن المخصص قد أثر في المخصوص والمخرج فقط،
ولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص فيبقى على ما هو عليه، بيان
ذلك: أن لفظ " السارق " - مثلاً - قد وضع لجميع السارقين،
فلما جاء المخصص صرف دلالة لفظ " السارق " عن بعض
السارقين، وبين أن هذا البعض - كالمجنون والصبي - لا تقطع
أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين، فإن
دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم
تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة.
فالمخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج،
فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.
يؤيد ذلك الاستثناء فإنه لو قال لعبده: " أكرم الرجال إلا زيداً "،
فإن الاستثناء خاص بزيد، والخطاب متعلق به، وقد أخرجه عن
الإكرام، فالاستثناء - هنا - قد صرف دلالة اللفظ عن زيد فقط،
ولم يتعرض للرجال الباقين لا من قريب ولا من بعيد، فيبقى
الخطاب موجه إليهم بالإكرام حقيقة، فتكون دلالته حقيقية عليهم.
ولا فرق بين القرينة المخصصة المتصلة والمنفصلة في ذلك، كما
لاحظت من المثالين؛ لأن الشارع لم يفرق بينهما.
المذهب الثاني: أن العام إذا دخله التخصيص، فإنه يصير مجازاً
فيما بقي بعد التخصيص مطلقاً، أي: سواء كان المخصص متصلاً أو
غيرمتصل.
وهو مذهب كثير من الحنفية، وكثير من الشافعية، وبعض الحنابلة
كأبي الخطاب، وابن تيمية، وبعض المالكية كالقرافي، وابن
الحاجب، وهو اختيار إمام الحرمين والغزالي.
دليل هذا المذهب:
أن حد المجاز هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له، ولفظ
العموم وضع أصلاً وحقيقة لاستغراق جميع الأفراد، فإذا استعمل
اللفظ العام في بعض الأفراد صار ذلك اللفظ مستعملاً في غير ما
وضع له، فصار مجازاً كما لو استعمل الحمار في الرجل البليد.
جوابه:
إنكم قستم ما نحن فيه على أسماء الحقائق إذا استعملت في غير ما
وضعت له، فذكرتم أن هذا كاستعمال الحمار في الرجل البليد،
وهذا لا يسلم لكم، فالعرب لم تضع اسم الحمار للرجل البليد
حقيقة، واستعملوا لفظ العموم في البعض حقيقة.
المذهب الثالث: أن العام إذا دخله المخصص المتصل - كالشرط،
والاستثناء، والصفة، والغاية - فإنه يكون حقيقة في الباقي.
وإن خص بمنفصل فإنه يصير مجازاً فيما بقي.
وهو اختيار أبي الحسين البصري، ونسب إلى القاضي أبي بكر
البا قلاني.
دليل هذا المذهب:
أنه يوجد فرق بين العام المخصص بالمنفصل، والعام المخصص
بالمتصل، وهو:
أن العام إذا خصص بالمنفصل - كالعقل والنص - فإنه يكون قد
أريد بذلك اللفظ العام غير ما وضع له بسبب قرينة، فمثلاً لو قال:
" أكرم العلماء "، ثم قال:" أريد الطوال "، فإنه يتناول الباقي
كما يتناول غيره، وهو ما خرج بالمخصص، فإذا استعمل في الباقي
بعد التخصيص صدق عليه أنه مستعمل في بعض ما تناوله، فكان
مجازاً.
أما العام إذا خصص بالمتصل كالاستثناء، فإنه يكون مقيداً بهذا
المخصص، والمقيد بشيء لا يتناول غير ما قيد به، فالاستثناء -
مثلاً - قد أثر في المخرج فقط - كما سبق - فيبقى اللفظ العام متناولاً
للباقي حقيقة؛ لأنه يصدق عليه: أنه لفظ استعمل فيما تناوله لا في
غير ما تناوله.
جوابه:
أنا لا نسلِّم التفريق بين التخصيص بالمنفصل والمتصل، فهما
سواء، فقول القائل:" أكرم العلماء "، ثم قوله:" أريد الطوال "
هو نفسه: "أكرم العلماء إلا القصار".
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول قصدوا: أن الأفراد
الذين بقوا بعد التخصيص قد دلَّ عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة،
أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة.
أما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم قصدوا أن الأفراد الذين بقوا
بعد التخصيص لا يدل عليهم اللفظ العام ولا يتناولهم إلا بقرينة.
وكون اللفظ يدل على ما بقي بدون قرينة أقوى من كونه لا يدل
عليهم إلا بقرينة.