الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثامن القياس في العقليات
لقد اختلف في جريان القياس في الأمور العقلية على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز جريان القياس في العقليات، وهو:
إلحاق الغائب بالشاهد، وله جامع عقلي يكون في أربعة أشياء هي:
العِلَّة، والحد، والشرط، والدليل.
فمثال الجمع بالعلَّة: كون الشيء يصح أن يرى معللاً بالوجود
شاهداً، فكذا في الغائب بقصد قياس الباري سبحانه وتعالى على
خلقه في أنه يرى بجامع الوجود؛ حيث إنه عِلَّة الرؤية.
ومثال الجمع بالحد: قولك: حقيقة العالم شاهداً من له العلم،
فيجب طرد ذلك الحد غائبا بقصد إثبات العلم لله تعالى بالقياس على
ثبوت ذلك لخلقه مع الجزم باختلاف العلمين في الحقيقة والكيفية؛ إذ
ليس كمثله شيء.
ومثال الجمع بالشرط: قولك: العلم مشروط بالحياة شاهداً،
فكذلك غائبا، قالأصل هو الشاهد، والفرع هو: الغائب،
والجامع: كون كل منهما حيا، والحكم اتصاف كل منهما بالعلم
والإرادة، مع الاختلاف في الحقيقة.
ومثال الجمع بالدليل: قولك: الإحكام يدل على العلم والإرادة
شاهداً، فكذا غائباً.
وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، وليس المقصود من
القياس هنا: استنباط كون اللَّه موجوداً أو عالما، فهذا قد ثبت بالنقل
لمن آمن بالله وكتبه ورسله، ولكن المقصود هو: تقريب ذلك إلى
الأذهان وتصوير هذه الأمور للسامع، ولا مانع من ضم دليل إلى
دليل آخر ليحصل بذلك الترجيح، فيما لو وجد تعارض.
المذهب الثاني: لا يجوز جريان القياس في العقليات.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن القياس لا يفيد اليقين، والمطالب العقلية يقينية.
جوابه:
إن هذا الدليل يدل على عدم الحاجة إلى القياس، ولا يدل على
امتناع القياس في الأمور العقلية، ثم إن ما أفاد القطع أو الظن سواء
في الشريعة.
ثم إننا أردنا في القياس التصوير والتقريب إلى الأذهان فقط - لا
أخذ الحكم.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف لفظي؛ إذ أن تلك الأحكام العقلية والعقائدية ثابتة،
سواء استعمل القياس أو لا، ولكن أصحاب المذهب الأول قالوا
بجواز استعماله في العقليات من باب كثرة الاستدلال والاستئناس،
وأما أصحاب المذهب الثاني: فإنهم بيَّنوا أن تلك الأحكام ثابتة بدون
قياس، فلا داعي له، فيكون استعماله عبثا، والعقل يمنع من
العبث.