الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب السادس عشر الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول النساء
؟
ولبيان محل النزاع لا بد مما يلي:
أولاً: إن كان الجمع خاصا بالذكور كلفظ " الرجال "، فإن
النساء لا يدخلن اتفاقا.
ثانياً: إن كان الجمع خاصا بالإناث كالنساء، والبنات، فإن
الرجال لا يدخلون بالاتفاق.
ثالثا: إن كان لفظ الجمع متناولاً للذكور والإناث لغة ووضعا
كلفظ " الناس "، فهو يتناول الذكور والإناث بالاتفاق.
رابعا: إن كان لفظ الجمع قد جاء بلفظ لا يتبين فيه التذكير، ولا
التأنيث مثل: أدوات الشرط والاستفهام، فإن هذا يتناول الذكور
والإناث اتفاقا.
خامسا: إن كان الجمع قد ورد بلفظ قد تبين فيه علامة التذكير
بشكل واضح كالجمع بالواو والنون مثل: " المسلمين "، أو
" المؤمنين "، أو " الصابرين "، أو " الشاكرين "، أو جمع بضمير
الجمع مثل قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) ، و "قاموا"،
و" قعدوا ".
فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف هل تدخل النساء فيه أو لا؟
على مذهبين:
المذهب الأول: أن النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة
التذكير كالمسلمين، والمؤمنين، واشربوا، وكلوا، وقاموا، ولا
يخرجن إلا بدليل.
وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وأكثر الحنابلة، وكثير
من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الظاهرية
كمحمد بن داود.
وهو الحق عندي لدليلين:
الدليل الأول: أن المألوف والمعتاد عند العرب أنه إذا اجتمع
الذكور والإناث غلَّبوا جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو
كان الذكر واحداً.
فمثلاً: إذا كان أمامك عدد من النساء، فإن اللغة تقتضي أن
تقول: " قمن "، و " اخرجن " اتفاقاً.
وإذا كان أمامك عدد من الرجال، فإن اللغة تقتضي أن تقول:
" قوموا "، و " اخرجوا " اتفاقاً.
وإذا كان أمامك عدد من الرجال وعدد من النساء - وهم
مجتمعون - فإن الصحيح عند أهل اللغة أن تقول: " قوموا "،
و"اخرجوا " بدليل: أنك لو قلت للرجال: " قوموا "،
و"اخرجوا"، وللنساء " قمن "، و " اخرجن " لعده أهل اللغة،
لكنة وعياً، وغير موافق للقواعد اللغوية.
فعلم من ذلك: أن الخطاب يصلح لهما، ويشتمل عليهما.
وقد وقع تغليب المذكر على المؤنث في قوله تعالى: (قلنا اهبطوا
منها جميعاً) ، والخاطبون ثلاثة:" آدم "، و " حواء "،
و"إبليس "، فلو كانت النساء لا يدخلن لقيل لآدم وإبليس:" اهبطا"
ولحواء: " اهبطي "، ولكنه لم يقل ذلك، مما يدل على أن النساء
يدخلن ضمن الخطاب الذي ظهرت فيه علامة جمع المذكر.
وقاعدة التغليب معمول بها عند العرب، معمول بها في كلامهم،
والقرآن جاء بلغة العرب، والأمثلة على ذلك كفيرة:
فمنها: تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل كقوله
تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) .
ومنها: تغليب أحد الاسمين على الآخر؛ لأسباب هي:
إما لشرف التذكير كقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ،
فإنه غلب هنا الأب على الأم، ومنه قول الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم
…
لنا قمراها والنجوم الطوالع
فقوله: " قمراها " تغليب للفظ " القمر " على لفظ " الشمس "
لكون القمر مذكراَّ، والشمس مؤنثا.
وإما أن يغلب أحد الاسمين على الآخر لخفته كقولهم: " دولة
العمرين " يريدون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
وأما أن يغلب أحد الاسمين لكراهة النطق بالاسم الآخر كقول
عائشة رضي الله عنها: " وما لنا عيش إلا الأسودان "
تريد: التمر والماء، والتمر أسود، والماء أبيض،
فغلبت التمر الأسود مع أن كلاهما مذكر، ولكن العرب شأنها كراهة ذكر البياض، لإيهامه البرص، ولذلك تجدهم يسمون الأبيض أحمراً،
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:
" بعثت إلى الأسود والأحمر ".
الخلاصة: أن العرب ألف منهم تغليب شيء على شيء، وإذا
ألف ذلك كان كالقاعدة اللغوية، فمن تكلم بغير ذلك، فإنه لم
يتكلم بلغتهم.
الدليل الثاني: أن أكثر أوامر الشرع ونواهيه، وخطاباته العامة
وردت بلفظ التذكير كقوله تعالى - في كثير من الآيات -: (يا أيها
الذين آمنوا) ، وقوله:(هدى للمتقين) ،
وقوله: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) ،
وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وآتوا الزكاة) ،
وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا)، وقوله:(ولا تقتلوا النفس) ،
وقوله: (وذروا ما بقي من الربا) ، وانعقد الإجماع على أن النساء
يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي، وجميع الخطابات
فلو كانت الصيغة خاصة بالذكور لكانت تلك التكاليف خاصة بهم
فلا تتعداهم إلى النساء، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأُمَّة.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إن النساء لم يدخلن في ذلك اللفظ،
وإنما شاركن الرجال في الحكم بدليل غير اللفظ.
جوابه:
أنه لو كان هناك دليل خارجي لعلمناه، وما دمنا لم نعلمه فلا
يثبت، ومدعيه يحتاج إلى إظهاره.
المذهب الثاني: أن النساء لا يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه
علامة التذكير كالمسلمين ونحوها إلا بدليل خارجي.
وهو مذهب كثير من الحنفية، وبعض المالكية كالباقلاني، وأكثر
الشافعية، والأشاعرة، وبعض الحنابلة كالطوفي، وهو رواية عن
الإمام أحمد.
أدلة أصحاب هذا المذهب:
الدليل الأول: أن اللَّه ميز النساء بألفاظ خاصة كالمسلمات،
والمؤمنات، ونون النسوة، فقال تعالى: (إن المسلمين والمسلمات
…
) ، فلو كن يدخلن ضمن الخطاب الذي ظهر فيه
علامة التذكير: لما حرص على تخصيصهن وتمييزهن بألفاظ خاصة،
ولاكتفى بخطاب التذكير، ولكنه لم يفعل ذلك، بل خص الذكور
بخطاب والإناث بخطاب آخر مما يدل على أنهن لا يدخلن ضمن
الخطابات التي ظهرت علامة التذكير فيها إلا بقرينة.
جوابه:
أن الشارع قد خص النساء بألفاظ كالمسلمات ونون النسوة للبيان،
والإيضاح، والتأكيد عليهن، وكونه يفعل ذلك لا يمنع من دخولهن
في اللفظ العام الصالح لهن، فقد ورد أنه يذكر لفظ عام لجميع
الأفراد، ثم يخص بعض الأفراد بالذكر، ويعطف الخاص على العام
للتأكيد عليه والاهتمام به مثل قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) ، فلفظ " الملائكة " عام لجميع
الملائكة، ويدخل جبريل وميكائيل، ومع ذلك فقد خصهما بالذكر،
ومثله قوله تعالى: (فاكهة ونخل ورمان) ، فإن لفظ " الفاكهة "
عام وشامل لجميع أنواع الفاكهة، ومنها الرمان، ومع ذلك فقد
خصه بالذكر.
فإذا جاز ذلك فإنه يكون جائزاً في قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات) ، فيكون لفظ " المسلمين " عام للذكور والإناث،
وعطف عليه " المسلمات " زيادة في التأكيد وتخصيصا للشيء بالذكر.
الدليل الثاني: قياس الجمع على المفرد، بيان ذلك:
أن الجمع هو ذكر الواحد ثلاث مرات.
فقولنا: " مسلمون " هو تكرير لقولنا: " مسلم ومسلم ومسلم "
والمفرد وهو: " المسلم " لا يشمل المؤنث اتفاقاً، فكذلك الجمع لا
يتناول المؤنث.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن كلامنا في
الجمع الذي فيه علامة التذكير، وليس كلامنا في المفرد، فالمفرد لا
شك أنه لا تدخل النساء فيه، أما الجمع فيدخلن، ولا يمتنع أن
يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع، ولا يدخل في حال الإفراد.
يؤيد هذا: أن من لا يعقل يدخل في جمع من يعقل، ولكنه لا
يدخل من لا يعقل فيمن يعقل في حال الإفراد.
الدليل الثالث: قياس الرجال على النساء، بيانه:
كما أن الرجال لا يدخلون في جمع النساء، فكذلك النساء يجب
أن لا يدخلن في جمع الرجال.
جوابه:
إن هذا القياس فاسد - أيضا -؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنا
قلنا: إن النساء يدخلن ضمن الخطابات التي فيها علامة التذكير؛
لأن اللغة وردت بذلك، ولم ترد بدخول الرجال في جمع التأنيث
- كما سبق بيانه - وذلك لكون التذكير أقوى؛ حيث إن العرب
غلبوا لفظ التذكير، ولم يغلبوا لفظ التأنيث لأسباب ذكرناها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الأول قصدوا:
أن النساء دخلن في دلالة اللفظ الذي فيه علامة التذكير، ولا
يخرجن إلا بدليل. أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم قصدوا: أن
النساء لم يدخلن في دلالة ذلك اللفظ ولا يعمهن، ولا يدخلن تحته
وضمنه إلا بدليل كالقياس عليهم.
وبناء على ذلك فقد اختلفوا في بعض الفروع، ومنها:
1 -
إذا قال لمن أمامه من الرجال والنساء: "ملكتكم هذه الدار".
فإنه بناء على المذهب الأول: فإن النساء يشاركن الرجال في
ملكية هذه الدار، أما على المذهب الثاني: فإن النساء لا حق لهن
في هذه الدار.
2 -
إذا صلَّت المرأة ودعت بدعاء فهل يكفيها أن تقول: " وما أنا
من المشركين، وأنا من المسلمين "، أو لا بد من ذكر جمع المؤنث؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: إنه يكفيها أن تقول ذلك؛ بناء على المذهب الأول.
القول الثاني: أنه لا بد أن تقول: " وما أنا من المشركات، وأنا
من المسلمات "، وإلا لما قبل دعاؤها، وهذا بناء على المذهب الثاني.
3 -
إذا قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو
يعلم بوجودها -: " طلقتكم "، فهل تطلق زوجته؟
اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: أنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال، هذا
بناء على المذهب الأول.
القول الثاني: أنها لا تطلق؛ لأنها لا تدخل في خطاب الرجال
إلا بدليل، وقوله:" طلقتكم " خطاب رجال فلا تدخل فيه،
فينبغي لأجل ذلك: ألا تطلق.