الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني عشر هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب
؟
إذا ورد لفظ عام على سبب خاص - واللفظ مستقل بنفسه دون
سببه - فهل يسقط السبب عموم اللفظ أو لا؟
فمثلاً إذا حدثت حادثة فوردت في حكمها آية أو حديث بلفظ عام
من الألفاظ، والصيغ السابقة الذكر، فهل يكون هذا الحكم خاصا،
نظراً إلى سببه، أو عاماً نظراً إلى لفظه؛ أي: إن كان الجواب عاما
والسؤال خاصا، فهل خصوص السبب يخصص العام، أو لا؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
أي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل
يكون عاماً لمن تسبَّب في نزول الحكم ولغيره.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق عندي؛ لما يلي من
الأدلة:
الدليل الأول: أن الحجة في لفظ الشارع:
فإن أورد الشارع الحكم وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم
- السابقة الذكر -: جعلنا الحكم عاماً سواء نزل ذلك الحكم
بسبب، أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص:
خصصنا ذلك الحكم.
فالمعتبر هو اللفظ، وقد أجمع العلماء على ذلك في بعض الصور.
فمثلاً لو كان لرجل أربع نساء فقلن له: " طلفنا جميعاً "، فقال
هو: فلانة طالق، فإنه لا تطلق إلا واحدة، وهي المعينة، فلم
ينظر إلى السؤال العام، بل نظرنا إلى لفظ الزوج.
كذلك لو قالت واحدة منهن: " طلقني "، فقال: " كل نسائي
طوالق "، فهنا: جميع نسائه يطلقن؛ حيث نظرنا إلى لفظ الزوج،
ولم ينظر إلى سبب هذا القول.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تعميم
الأحكام الواردة على أسباب خاصة، بيان ذلك:
أن أكثر العمومات - قد وردت على أسباب خاصة، فمثلاً:
آيات الظهار نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات
اللعان نزلت في شأن عويمر العجلاني وزوجته، وقيل: إنها نزلت
في هلال بن أمية وزوجته، وآية السرقة قد نزلت في سرقة رداء
صفوان بن أمية، وآية القذف نزلت في شأن عائشة - رضي اللَّه عن
الجميع - والأمثلة كثيرة.
والصحابة رضي الله عنهم قد عمموا أحكام هذه الآيات من
غير نكير، فدل على أن الأحكام لا تخصص بأسبابها، ولو كانت
مخصصة بأسبابها: لكان إجماع الصحابة على التعميم خلاف
الدليل، وهذا لم يقل به أحد.
الدليل الثالث: أن المقتضي للعمل بالعموم موجود، وهو اللفظ
العام الذي يشمل السبب وغيره وضعا، والمانع له غير موجود؛
حيث لا يوجد بين السبب والعام تنافي؛ نظراً لإمكان العمل بالعام
في السبب وفي غيره، ومتى وجد المقتضي وانتفى المانع وجب العمل
بالعام على عمومه؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض.
المذهب الثاني: أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ.
أي: أن اللفظ العام الوارد على سبب خاص يختص به.
أي: أن خصوص السبب يخصص العام، ويجعله مراداً به هذا
السبب بخصوصه، فلا يعمل بالعام على عمومه.
وهو مذهب الإمام مالك في رواية عنه، واختاره بعض الشافعية
كالمزني، والدقاق، والقفال، وحكي عن الإمام الشافعي، وحكي
عن أبي ثور.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو كان الخطاب الوارد على سبب عاما: لجاز
إخراج السبب عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصور
الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة العموم إلى الكل، وهو
خلاف الإجماع.
فمثلاً: نزلت آية اللعان بسبب قصة عويمر العجلاني، وهي بلفظ
عام، فإن حكم اللعان يختص بعويمر؛ لأنه لو لم يختص حكم
اللعان به - وهو سبب نزوله - لجاز إخراج السبب - أي: إخراج
عويمر - بالتخصيص كأي فرد من أفراد العموم، ولكنه لا يجوز
إخراجه؛ لأن الآيات نزلت بشأنه أصلاً، وما دام أنه لا يخرج بأي
حال، بينما غيره من الأفراد يجوز إخراجه، فثبت أن اللفظ مختص
بسببه وهو عويمر.
جوابه:
إنا لما قلنا: إن الحكم الوارد بلفظ عام على سبب خاص يجب
تعميمه لما ورد بشأنه ولغيره، فإن هذا لا يلزم منه: جواز إخراج
السبب - وهو ما ورد الحكم بشأنه كعويمر في آيات اللعان - وذلك
لأنه لا خلاف في أن كلام الشارع في آيات اللعان - مثلاً - هو بيان
لحكم ما وقع لعويمر، ولكن هل هذه الآيات الواردة في اللعان بيان
لعويمر خاصة، أو بيان له ولغيره مما شابه ذلك؛ هذا هو محل
النزاع.
فعندنا: أن اللفظ الوارد في حكم اللعان يعم عويمر ويعم غيره،
لكن الفرق بينه وبين غيره: أن اللفظ تناوله تناولاً قطعيا، وتناول
غيره تناولاً ظنيا، لذلك قلنا - هناك -: إن دلالة العام ظنية، وما
دام أن الخطاب في حق عويمر قطعي، فلا يمكن أن يخصص أو
يخرج بحال، أما غيره فيجوز خصيصه بدليل معتبر.
الدليل الثاني: أن الراوي حرص على نقل سبب نزول الحكم ولا
فائدة من حرصه على نقل السبب إلا لأن الحكم مختص به، فلو كان
الحكم عاما: لكان نقل السبب وعدم نقله سواء في عدم الفائدة.
جوابه:
لا نسلم ما قلتموه، بل إن لنقل الراوي للسبب فائدتان هما:
الفائدة الأولى: امتناع إخراج السبب - وهو عويمر مثلاً - من
آيات اللعان بحكم التخصيص بالاجتهاد، وذلك لأنه تناوله قطعا
- فذكره للسبب ينبه على ذلك - وقد سبق بيان ذلك.
الفائدة الثانية: معرفة أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث،
وهذا يتضمن فوائد، منها:
أولاً: معرفة سير الصحابة وما جرى بينهم، لنقتدي بالحسن من
الوقائع التي وقعت في عصرهم، والتأسي بصبرهم على ما ألم بهم
من مصائب.
ثانياً: معرفة معاني النصوص الشرعية من الكتاب والسنَّة، فإن
العارف بسبب نزول هذه الآية أعلم بمراد الشارع من غير العارف.
ثالثا: معرفة مقاصد الشارع في كل آية أو حديث.
رابعا: التوسع في علم الشريعة؛ حيث إن العالم بأسباب نزول
الآيات أقدر على استنباط الأحكام منها من غيره.
الدليل الثالث: أنه لو لم يكن للسبب تأثير في الحكم لما أخر
الشارع بيان الحكم إلى حالة وقوع تلك الواقعة.
أي: أن الشارع قد أنزل حكم الظهار - مثلاً - بعد وقوع حادثة
أوس بن الصامت وزوجته مباشرة، وهذا يدل على أن حكم الظهار
مختص بأوس وامرأته؛ إذ لو كان الحكم عاماً لأوس وزوجته
وغيرهما لأنزل حكم الظهار قبل وقوع تلك الواقعة، أو أخره عن
وقوع الحادثة، ولكن لم يفعل ذلك، فثبت أن نزول الحكم بهذا
الوقت بالذات يدل على اختصاصه بالحادثة التي وقعت فيه.
جوابه:
يجاب عنه بأجوبة:
الجواب الأول: أن قولكم - في هذا الدليل - تحكم على الله
تعالى، وليس لنا التحكم عليه، وسؤاله: لمَ فعل كذا؛ ولِمَ لم
يفعل كذا؛ وما فائدة نزول هذا في هذا الوقتَ؛ إلى آخر الأسئلة
التي لو سمح بمثلها لأدى إلى الكفر والظلال، فلا يجوز طلب
الفائدة لأفعال اللَّه تعالى، فهو معلوم أنه لا يفعل شيئاً إلا وفيه فوائد
ومصالح: فقد يدركها بعض العلماء، أو يدرك بعضها، وقد لا
يدركها فتكون تعبدية، فله سبحانه أن ينشئ التكليف في أي وقت
شاء؛ لعلمه سبحانه أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي ذلك، قال
تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) .
الجواب الثاني: أن قولكم: " إنه ما أخر بيان الحكم إلى وقوع
الواقعة إلا لأن الحكم مختص بهذه الواقعة " يلزم منه: أن يختص
الرجم بماعز، واللعان بعويمر وزوجته، أو هلال وزوجته، والسرقة
بمن نزلت فيهم؛ لأن اللَّه أخر بيان تلك الأحكام إلى وقوع وقائعهم،
وذلك كله خلاف إجماع الصحابة، فيكون ظاهر البطلان.
الجواب الثالث: على فرض أن سؤالكم صحيح: فإنا نقول - في
الجواب عن ذلك -: إن اللَّه علم أن مصلحة العباد والبلاد تقتضي نزول
اَيات اللعان - مثلاً - في هذا الوقت، فأراد إيقاع واقعة لينزل الحكم
بشأنها، فأحدث واقعة عويمر مع زوجته، فأنزل آيات اللعان،
لتكون حكما له ولغيره ممن شابهه.
اعتراض على ذلك:
قال قائل - معترضا - لِمَ أحدث حادثة لأجل إنزال حكم اللعان،
ولِمَ لم ينزله ابتداء كغيره؟
جوابه:
إن اللَّه أحدث بعض الحوادث، وأنزل بشأنها أحكاما شرعية،
لأمرين:
أولهما: أن إنزال الحكم والجواب بعد حدوث الحادثة أوقع في
النفوس من إنزال الحكم ابتداء.
ثانيهما: ليعلم الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بشيء من عنده، بل إن كل ما جاء به من القرآن والسُّنَّة هو من عند اللَّه وحده، قال
تعالى: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ، ولذلك
كان يتوقف عن جواب بعض الأسئلة حتى ينزل به وحي.
الدليل الرأبع: أن الحكم جواب، والواقعة والحادثة سؤال، ومن
شرط الجواب: أن يكون مطابقا للسؤال لا يزيد عنه ولا ينقص، فلو
كان الجواب عاماً والسؤال خاصا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال،
والأصل المطابقة؛ لكون الزيادة عديمة التأثير فيما يتعلق به غرض
السائل.
جوابه:
إن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: الكشف عنه، وبيان حكمه،
وأن يكون متناولاً له: فهذا نسلمه لكم، وقد وجد وحصل.
أما إن أردتم بمطابقة الجواب للسؤال: أن يكون مطابقا له تمام
المطابة: بدون زيادة بعض البيانات لغير ما سئل عنه: فلا نسلم؛
وذلك لأنه قد ثبت في الشريعة أن الشارع يسأل عن شيء فيجيب عنه
وعن غيره، كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الوضوء بماء البحر قال:
" هو الطهور ماؤه الحل ميتته "،
فهنا قد تعرض لحل الميتة، ولم يكن مسؤولاً عنها.
بيان نوع الخلاف:
قد يبدو أن الخلاف - هنا - لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين
على أن أحكام اللعان، والظهار، والسرقة، والرجم، وغيرها مما
نزلت بسبب حوادث خاصة: هي عامة لمن نزلت بسببهم،
ولغيرهم، لكن أصحاب المذهب الأول - وهم الجمهور - قالوا:
أخذنا هذا العموم عن طريق اللفظ العام: ولم يلتفتوا إلى كونه نزل
بسبب أو بغير سبب، أما أصحاب المذهب الثاني فقد قالوا: إن
تلك الأحكام لا شك أنها عامة، لكن لم نأخذ عمومها عن طريق
اللفظ العام الوارد في النص؛ لأن هذا اللفظ العام مختص بسببه،
ولكن أخذنا ذلك العموم عن طريق القياس، أي: قياس الحوادث
المشابهة على ما حدث لعويمر، وهلال، وأوس.
كذلك لو نظرنا إلى الدلالة، فقد اتفق أصحاب المذهبين على أنها
ظنية؛ لأن دلالة العام ظنية، ودلالة القياس ظنية.
ولكن الحق: أن الخلاف معنوي؛ لأن أصحاب المذهب الأول
قصدوا أن تلك الأحكام قد ثبتت للحوادث المشابهة لما حدث لعويمر
وأوس، وهلال عن طريق النص واللفظ.
أما أصحاب المذهب الثاني فقد قصدوا: أن تلك الأحكام قد
ثبتت للحوادث المشابهة لعويمر وأوس عن طريق القياس.
والفرق بين ما ثبت عن طريق النص، وما ثبت عن طريق القياس
من وجهين هما:
أولهما: أن الحكم الثابت عن طريق عموم النص أقوى من الحكم
الثابت عن طريق القياس.
ثانيهما: أن الحكم الثابت عن طريق النص ينسخ، ويُنسخ به،
أما الحكم الثابت عن طريق القياس فلا ينسخ، ولا ينسخ به - كما
سبق بيانه -.