الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثامن هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه
؟
فمثلاً إذا قلنا: " لا يستوي زيد وعمر "، فهل هذا يقتضي نفي
المساواة في جميع الوجوه: في الكرم والعلم، والخلق، وغير ذلك
أو هو: يقتضي نفي المساواة من بعض الوجوه - فقط - كالكرم،
أو نحو ذلك؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه التي يمكن نفيها عنهما.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الحق عندي؛ لأن هذا من قبيل النكرة في سياق النفي،
والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم - كما سبق - وهي تفيد
العموم من جميع الوجوه.
المذهب الثاني: أن نفي المساواة بين الشيئين لا يقتضي نفي المساواة
بينهما من كل الوجوه، بل من بعضها - فقط -.
وهو مذهب بعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والبيضاوي،
وكثير من الحنفية.
دليل هذا انذهب:
أن نفي المساواة بين الشيئين يحتمل احتمالين هما:
الاحتمال الأول: نفي المساواة بينهما من كل الوجوه.
الاحتمال الثاني: نفي المساواة بينهما من بعض الوجوه.
ومعلوم أن المقسم - وهو نفي المساواة - أعم من القسمين،
وبذلك يكون نفي المساواة أعم، وكل واحد من القسمين أخص،
والأعم لا يدل على الأخص من حيث خصوصه، فلا يكون نفي
المساواة عاماً في نفيها من كل الوجوه.
جوابه:
نسلم أن الأعم لا يدل على الأخص في جانب الإثبات؛ لأن
ثبوت الأعم لا يعتبر ثبوتاً للأخص، فمثلاً: لو قال شخص:
"رأيت حيواناً " لا يدل على أنه رأى إنسانا.
أما في جانب النفي فلا نسلم ما ذكرتموه، فإن الأعم يدل على
الأخص، لأن المراد بالنفي هو: نفي الماهية، والماهية لا تنتفي إلا
بانتفاء جميع أفرادها، فلو بقي فرد من أفرادها لتحققت الماهية فيه،
وحينئذٍ لايتحقق ما قصد من اللفظ.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها:
إذا قتل المسلمُ الكافر الذمي فهل يقتل المسلم به؟
اختلف في ذلك على قولين -:
القول الأول: إن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي؛ لقوله تعالى:
(لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) ، ونفي الاستواء
يقتضي نفيه من جميع الوجوه، فلو قتل المسلم بالكافر: لحصل
بينهما استواء في القصاص، والذمي غير مساو للمسلم، بل هو أقل
منه في العصمة.
القول الثاني: أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، واستدلوا بآثار،
منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بذمي وقال:
" أنا أحق من وفى بذمته ".
ولما قيل لهم: إن هذا ينافي نص الآية التي نفت المساواة بينهما،
وهذا النفي عام للدنيا والآخرة.
قالوا: إن المراد بنفي المساواة في الآية، هو: نفي المساواة من
وجه واحد وهو: نفيها في الفوز بالجنة بدليل قوله:
(أصحاب الجنة هم الفائزون) .
فعند أصحاب القول الثاني: إن المساواة متحققة بين المسلم
والكافر الذمي في الدنيا، فالذمي دمه معصوم كالمسلم، فمن قتله
قتل به، ولو كان مسلما.