الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع في القياس في الرخص
هل يجوز القياس في الرخص كقياس الثلج على المطر في جواز
الجمع بين الصلاتين بجامع أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم؟
اختلف في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز إثبات الرخص بالقياس، ولا مانع من
ذلك إذا عرفنا العِلَّة وتحققنا منها.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم الأدلة المثبتة لحجية القياس من الإجماع
والكتاب والسُّنَّة والمعقول - كما سبق بيانه -؛ حيث إنها دلَّت على
أن القياس يجري في جميع الأحكام الشرعية إذا عرفت العلَّة وتحققت
في الفرع ووجدت جميع شروط القياس، فإن تلك الأدلة لم تفرق
بين حكم وحكم، وبما أن الرخصة حكم من الأحكام الشرعية،
فإنها تدخل في هذا العموم.
الدليل الثاني: أن الرخص تثبت بخبر الواحد، فكذلك تثبت
بالقياس، ولا فرق بجامع: أن كلًّا منهما يفيد الظن، ويجوز الخطأ
والسهو في كل منهما.
المذهب الثاني: لا يجوز إجراء القياس في الرخص.
وهو مذهب الحنفية، وقول للإمام مالك، وقول للإمام الشافعي.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بجواز القياس
عليها يؤدي ويفضي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب أن لا يجوز.
جوابه:
إن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة
ذلك الدليل؛ عملاً بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب
الشرع، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في
صورة أخرى وجب أن يخالف الدليل بها - أيضاً - عملاً برجحانها -
فنحن حينئذٍ قد اكثرنا موافقة الدليل لا مخالفته.
الدليل الثاني: أن الرخص منح من اللَّه - تعالى - وعطايا فلا
يتعدى بها عن مواضعها؛ حيث إن في قياس غير المنصوص على
المنصوص في الأحكام الاحتكام على المعطي في غير محل إرادته،
وهذا لا يجوز، فينتج من ذلك: عدم جواز إثبات الرخص بالقياس.
جوابه:
إن مدار إجراء القياس على إدراك العلَّة والمعنى من شرع الحكم،
وكون الرخص تتصف باليسر والتخفيف لا يمنع من إجراء القياس
فيها، فمتى أدركنا العلَّة التي من أجلها شرعت تلك الرخصة،
ووجدنا تلك العلَّة في شَيء آخر، فإننا نعدي تلك الرخصة إلى ذلك
الشيء؛ تكثير لمنح اللَّه، وحفظا لحكمة الوصف من الضياع.
وقال إمام الحرمين - في الجواب عن ذلك الدليل -: هذا هذيان،
فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من اللَّه تعالى، ولا
يختص بها.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:
1 -
أن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياسا على المطر بجامع:
أن كلًّا منهما يتأذى منه المسلم، هذا على المذهب الأول.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجمع بين الصلاتين من أجل
الثلج، لأن الرخصة تخص المطر - فقط - ولا قياس في الرخص،
ولا يدخل الثلج في لفظ " المطر "، وهو رأي أصحاب المذهب
الثاني.
2 -
أن الإنسان إذا ركب دابة مسافة ميل، وخاف الغرق إن نزل
أو خاف غيره من أسباب القتال، فإنه يصلي صلاة القتال، ولا
يعيد؛ قياساً على الصلاة في القتال بجامع: الخوف في كل، أي:
كما رخص للمقاتل كذلك يرخص للراكب الخائف، هذا قول
أصحاب المذهب الأول.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يصلي صلاة القتال، بل يؤدي
الصلاة المعتادة؛ لأن الرخصة تخص المقاتل - فقط - ولا تتعدى إلى
غيره؛ حيث إنه لا قياس في الرخص، وهو قول أصحاب المذهب
الثاني.
تنبيه: لقد تكلمت عن هذه المسألة في مصنف مستقل وسميته
"الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس " فارجع إن شئت، فهو مطبوع
متداول.