المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الرابع في المخصصات المتصلة - المهذب في علم أصول الفقه المقارن - جـ ٤

[عبد الكريم النملة]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثاني عشر في العموم والخصوص

- ‌المبحث الأول في العموم

- ‌المطلب الأول تعريف العام

- ‌المطلب الثاني بيان أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة

- ‌المطلب الثالث هل العموم من عوارض المعاني حقيقة أو لا

- ‌المطلب الرابع أقسام العام

- ‌المطلب الخامس هل للعموم صيغة في اللغة موضوعة له

- ‌المطلب السادس في صيغ العموم

- ‌المطلب السابع الجمع المنكر هل يفيد العموم إذا لم يقع في سياق النفي

- ‌المطلب الثامن هل نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواةبينهما من كل الوجوه

- ‌المطلب التاسع الفعل المتعدي إلى مفعول هل له عمومبالنسبة إلى مفعولاته أو لا

- ‌المطلب العاشر دلالة العام هل هي ظثية أو قطعية

- ‌المطلب الحادي عشر أقل الجمع ما هو

- ‌المطلب الثاني عشر هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب

- ‌المطلب الثالث عشر حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم

- ‌المطلب الرابع عشر حكاية الراوي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ "كان " هل يفيد العموم؛ وأن هذا الفعل يتكرر منه صلى الله عليه وسلم، أو لا

- ‌المطلب الخامس عشر هل يدخل العبد في الخطاب المضاف إلى الناسوالمؤمنين، والأمة، والمسلمين

- ‌المطلب السادس عشر الجمع الذي فيه علامة التذكير هل يتناول النساء

- ‌المطلب السابع عشر العام بعد التخصيص هل هو حقيقةفي الباقي أو يكون مجازاً

- ‌المطلب الثامن عشر هل العام المخصوص حُجَّة في الباقي

- ‌المطلب التاسع عشر هل يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى واحد

- ‌المطلب العشرون المخاطِب - بكسر الطاء - هل يدخل في عموم خطابه

- ‌المطلب الواحد والعشرون هل يجب اعتقاد عموم اللفظقبل البحث عن المخصص

- ‌المطلب الثاني والعشرون الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع هل يقتضيالعموم في كل من المضاف والمضاف إليه

- ‌المطلب الثالث والعشرون هل المفهوم له عموم

- ‌المطلب الرابع والعشرون ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال هل ينزل منزلة العموم في المقال

- ‌المبحث الثاني في الخصوص

- ‌المطلب الأول تعريف التخصيص

- ‌المطلب الثاني هل يجوز تخصيص العموم

- ‌المطلب الثالث في مخصِّصات العموم المنفصلة

- ‌المطلب الرابع في المخصصات المتصلة

- ‌الفصل الثالث عشر المطلق والمقيد

- ‌المبحث الأول تعريف المطلق

- ‌المبحث الثاني في أي شيء يكون المطلق؛ والأمثلة على ذلك

- ‌المبحث الثالث تعريف المقيد

- ‌المبحث الرابع على أي شيء يطلق المقيد

- ‌المبحث الخامس مقيدات المطلق

- ‌المبحث السادس إذا اجتمع مطلق ومقيد فهل يحملالمطلق على المقيد أو لا

- ‌المبحث السابع إذا ورد لفظ مطلق، ثم قيده مرة، ثم قيده مرة ثانيةبخلاف التقييد الأول، فما الحكم

- ‌الفصل الرابع عشر في المنطوق والمفهوم

- ‌المبحث الأول في المنطوق

- ‌المطلب الأول تعريف المنطوق

- ‌المطلب الثاني أقسام المنطوق

- ‌المطلب الثالثأقسام المنطوق غير الصريح

- ‌المبحث الثاني في المفهوم

- ‌المطلب الأول تعريف المفهوم، وبيان قسميه

- ‌المطلب الثاني في مفهوم الموافقة

- ‌المطلب الثالث في مفهوم المخالفة

- ‌الباب الخامس في القياس

- ‌الفصل الأول في تعريف القياس

- ‌المبحث الأول في تعريف القياس لغة

- ‌المطلب الأول فيما يطلق عليه لفظ " القياس " لغة

- ‌المطلب الثاني في خلاف العلماء في لفظ " القياس " هل هو حقيقةفي هذين المعنيين، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر

- ‌المبحث الثاني في تعريف القياس اصطلاحا

- ‌المطلب الأول هل يمكن تحديد القياس بحد حقيقي

- ‌المطلب الثاني هل القياس دليل مستقل أو هو من فعل المجتهد

- ‌المطلب الثالث تعريف القياس المختار، وبيانه بالشرح والأمثلة

- ‌الفصل الثاني في حجية القياس، أو التعبد بالقياس

- ‌المبحث الأول في بيان معنى الحجية، والتعبد

- ‌المبحث الثاني تحرير محل النزع

- ‌المبحث الثالث هل القياس حُجَّة؛ أي: هل يجوز التعبد بالقياسويكون دليلاً من الأدلة على إثبات الأحكام أو لا

- ‌المبحث الرابع النص على عِلَّة الحكم هل هو أمر بالقياس أو لا

- ‌المبحث الخامس هل التنصيص على العلَّة يوجب الإلحاق عن طريقالقياس، أو عن طَريق اللفظ والعموم

- ‌المبحث السابع في ما يجري فيه القياس وما لا يجري فيه

- ‌المطلب الأول في القياس في العقوبات

- ‌المطلب الثاني القياس في المقدرات

- ‌المطلب الثالث القياس في الأبدال

- ‌المطلب الرابع في القياس في الرخص

- ‌المطلب الخامس القياس في الأسباب والشروط والموانع

- ‌المطلب السادس القياس في العبادات وما يتعلَّق بها

- ‌المطلب السابع القياس في العاديات

- ‌المطلب الثامن القياس في العقليات

- ‌المطلب التاسع في القياس في كل الأحكام

- ‌المطلب العاشر في القياس في الأمور التي لا يراد بها العمل

- ‌المبحث الثامن هل القياس من الدين

الفصل: ‌المطلب الرابع في المخصصات المتصلة

‌المطلب الرابع في المخصصات المتصلة

وهي أنواع:

النوع الأول: الشرط.

النوع الثاني: الصفة.

النوع الثالث: الغاية.

النوع الرابع: الاستثناء.

ص: 1647

النوع الأول من المخصصات المتصلة الشرط

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثانية: أقسامه.

المسألة الثالثة: صيغه.

المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط.

ص: 1649

المسألة الأولى: تعريفه:

أولاً: الشرط لغة هو: العلامة - وهذا إذا كان بفتح الراء.

ولكن المراد به هنا: الشرط بتسكين الراء، وهو: الإلزام.

ثانيا: الشرط في الاصطلاح هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا

يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.

وقد سبق بيان ذلك في أقسام الحكم الوضعي في الباب الثاني.

***

المسألة الثانية: أقسام الشرط:

ينقسم الشرط باعتبار وصفه إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: الشرط العقلي، وهو: ما لا يوجد المشروط،

ولا يمكن عقلاً بدونه مثل: اشتراط الحياة للعلم؛ حيث إن العقل

يحكم بأنه لا علم بلا حياة.

القسم الثاني: الشرط العادي، وهو ما يكون شرطاً عادة مثل:

نصب السلم لصعود السطح، فإن العادة تقتضي: أنه لا يمكن لأي

إنسان أن يصعد السطح إلا بوجود سلم يصعد عليه.

القسم الثالث: الشرط الشرعي، وهو ما جعله الشارع شرطا

لبعض الأحكام كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة.

القسم الرابع: الشرط اللغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق

وهي: " إن "، أو إحدى أخواتها كقولك لزوجتك: " إن دخلت

الدار فأنتِ طالق "، فإن الطلاق - هنا - يقع عند دخولها..

ص: 1651

ومثل قولك: " إن جئتني أكرمتك "، فإنه علق الإكرام بالمجيء،

فهنا قد خصص الإكرام بالمجيء فقط، فلا فرق بين ذلك وبين أيِّ

مخصص، فلا فرق بين تلك العبارة وبين قولك: " لن أقوم

بإكرامك إلا إذا جئتني "، وهذا استثناء، وقولك: " لن أكرمك

حتى تأتيني "، وهذه غاية، وكقولك فى الصفة: " من أتاك

فأكر مه ".

وهناك تقسيمات أخرى للشروط قد ذكرتها في الحكم الوضعي في

الباب الثاني.

***

المسألة الثالثة: صيغ الشرط اللغوي:

لما كان الشرط اللغوي هو المهم في هذا الباب، وهو التخصيص

كان لا بد من بيان - باختصار - صيغ الشرط، وأصل الباب،

فأقول:

صيغ الشرط هي: " إن " المخففة، و " إذا "، و " من "، و "ما"

و" مهما "، و " حيثما "، و " أينما "، و " إذ ما "، وأم هذه

الصيغ: " إن " وقلنا ذلك لأمرين:

أولهما: أتها حرف، وما عداها أسماء، والأصل في إفادة

المعاني إنما هي الحروف.

ثانيهما: أنها تستعمل في جميع صور الشرط، بخلاف أخواتها،

فإن كل واحد منها تختص بمعنى لا يجري في غيره كقولهم: " من "

لمن يعقل، و " ما " لغير العاقل، و " أينما " للمكان، وهكذا.

ص: 1652

المسألة الرابعة: أحكام التخصيص بالشرط:

الشرط مع المشروط له أحكام خاصة به، وهي:

الحكم الأول: أنه يجب اتصاله بالمشروط اتصالا عاديا، بحيث

لا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلاً تحكم العادة فيه بأن الشرط غير

تابع للمشروط.

الحكم الثاني: يجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه

الطبيعي هو صدر الكلام، والتقدم على المشروط لفظا لكونه متقدما

عليه في الوجود طبعا.

الحكم الثالث: أن الشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى

جميع الجمل مثل قولك: " أكرم الرجال، وتصدق على المساكين إن

دخلوا الدار "، فكأنه قال: أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدق

على المساكين إن دخلوا الدار.

الحكم الرابع: أنه إذا اتحد الشرط والمشروط أو تعددا يختلف

الحكم باختلاف آلة التعدد وهي " الواو "، و " أو "، وهذا يتبين

في حالات:

الحالة الأولى: أن يتحد الشرط والمشروط مثل: " إن دخل الدار

فكرمه "، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجوداً وعدماً.

الحالة الثانية: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بالواو كقوله: "إن

نجحت تصدقت بدرهم وصمت يوما "، فيقتضي الشرط الجمع بين

التصدق والصيام معا.

الحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بلفظ " أو "

كقولك: " إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يوما لا، فيقتضي

الشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.

ص: 1653

الحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتحد

المشروط كقولك: " إن نجحت وشفى أبي تصدقت بألف ريال "

فهنا لا يمكن أن يوجد المشروط - وهو التصدق بألف ريال - إلا بعد

أن يحصل الشرطان معا وهما النجاح والشفاء.

الحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو "، ويتعدد

المشروط بحرف " الواو " أيضاً كقولك: " إن نجحت وشفي أبي

تصدقت بألف ريال وصمت يوما " فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود

المشروطين وهما التصدق والصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما:

النجاح والشفاء معاً.

الحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف الواو، ويتعدد المشروط

بحرف " أو " كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت بألف ريال

أو صمت يوماً "، فهنا يكون حصول الشرطين وهما: النجاح

والشفاء مقتضيا حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق

أو الصيام.

الحالة. السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتحد المشروط

كقولك: " إن بني زيد الجدار أو نجح فأعطه درهماً "، فهنا لا بد من

حصول أحد الشرطين حتى يحصل على الدرهم.

الحالة الثامنة: أن يتعدد الشرط بلفظ " أو "، ويتعدد المشروط

بحرف " الواو " كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا

ودرهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو

النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق المشروطين معا وهما:

الكتاب والدرهم.

الحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو "، ويتعدد المشروط

ص: 1654

بحرف " أو " أيضاً كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتابا

أو درهما "، فهنا لا بد من حصول أحد الشرطين - وهما البناء أو

النجاح، فإذا حصل أحدهما فإنه يستحق أحد الشروطين وهما:

الكتاب، أو الدرهم.

ص: 1655

النوع الثاني من المخصصات المتصلة الصفة

ويشتمل على مسألتين:

المسألة الأولى: تعريفها.

المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة.

ص: 1657

المسألة الأولى: تعريف الصفة:

الصفة هي: التابع المشتق الذي يقع نعتا للموصوف مثل:

"طالب ناجح "، فلفظ " ناجح " قيد به اللفظ المطلق وهو:

"طالب ".

وقيل: هو ما أشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام كقولك:

"أكرِم الطلاب الناجحين "، فلفظ " الطلاب " عام يشمل الناجحين

والراسبين.

ولما وصف الطلاب بالناجحين أخرج الطلاب الراسبين، فيكون

الإكرام مقتصراً على الناجحين فقط.

***

المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالصفة:

الحكم الأول: يشترط في الصفة اتصالها بالموصوف، فلا يصح

الفصل بينهما في الزمن.

الحكم الثاني: أن الصفة إن وقعت بعد جملة كقولك: " أكرم

الطلاب الناجحين "، فإن هذا الوصف يقتضي اختصاص الإكرام

بالناجحين من الطلاب - فقط -، ولولا ذلك الوصف لعم الإكرام

الناجحين وغير الناجحين من الطلاب، فالصفة أخرجت بعض ما

كان داخلاً تحت اللفظ لولا الصفة.

الحكم الثالث: أن الصفة إن وقعت بعد جمل كقولك: " أكرم

العلماء، والتجار، والطلاب الطوال "، فإن الصفة تعود إلى

الجمل كلها، أي: أكرم الطوال من العلماء، والطوال من التجار،

والطوال من الطلاب.

ص: 1659

وقيل: بل الصفة ترجع إلى أقرب مذكور - وهي الجملة الأخيرة -

فيكون المراد: أكرم جميع العلماء والتجار والطوال من الطلاب،

والخلاف فيه كالخلاف في الاستثناء هل يرجع إلى الجملة الأخيرة،

أو جميع الجمل فيما لو قال: " أكرم العلماء والتجار والطلاب إلا

الطوال "، وسيأتي بالتفصيل إن شاء اللَّه.

الحكم الرابع: أن الصفة إن وقعت قبل جمل كقولك: " أكرم

الطوال من العلماء والتجار "، فإنها ترجع إلى الجميع، فيكون

المراد: أكرم الطوال من العلماء والطوال من التجار فقط، وهذا

على الصحيح من أقوال العلماء.

الحكم الخامس: أن الصفة إن وقعت وسطا بين جملتين مثل:

"أكرم العلماء الطوال والتجار "، فإن الصفة ترجع إلى ما قبلها

فقط، أما ما بعدها فلا ترجع إليه، والتقدير: اكرم العلماء الطوال،

أما التجار فأكرمهم جميعاً طوالهم وقصارهم هذا على القول

الراجح.

وقال بعضهم: إن الصفة ترجع إلى الجملتين: إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

ص: 1660

النوع الثالث من المخصصات المتصلة الغاية

ويشتمل على مسألتين:

المسألة الأولى: تعريفها وألفاظها.

المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية.

ص: 1661

المسألة الأولى: تعريفها، وألفاظها:

الغاية في اللغة هي: طرف الشيء، ومنتهاه، وأقصاه.

والغاية في الاصطلاح هي: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من

أحرف الغاية مثل " اللام "، و " حتى "، و " إلى ".

و" حتى " تكون من ألفاظ الغاية إذا كانت جارة.

أما إن كانت عاطفة فإنها لا تكون دالة على الغاية.

***

المسألة الثانية: أحكام التخصيص بالغاية:

الحكم الأول: أن الغاية إذا ذكرت بعد جملة واحدة فلها صورتان:

الصورة الأولى: أن تكون الغاية واحدة كقولنا: " أكرِم العلماء

إلى أن يدخلوا الدار "، فإن دخول الدار يقتضي اختصاص الإكرام

بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول من عموم اللفظ، ولولا

ذلك لعم الإكرام حالة ما بعد الدخول وما قبل الدخول.

الصورة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وهذه لها حالتان:

الحالة الأولى: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على الجمع

بحرف " الواو " كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار

ويأكلوا الطعام "، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام الغايتين

معاً، وهما: دخول الدار، وأكل الطعام دون ما بعدهما.

الحالة الثانية: أن تكون الغاية متعددة، وكانت على التخيير

بحرف " أو " كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار أو

ص: 1663

السوق "، فإن ذلك يقتضي استمرار الإكرام إلى تمام إحدى الغايتين

- أيهما كانت - دون ما بعدها.

الحكم الثاني: أن الغاية إذا ذكرت بعد جمل متعددة كقولك:

"أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار "، فإن الغاية ترجع إلى

الجملتين معاً، فإكرام العلماء يستمر إلى غاية دخولهم الدار،

وإكرام التجار يستمر إلى غاية دخولهم الدار، هذا على الصحيح من

أقوال العلماء.

وقيل: إن الغاية - هنا - ترجع إلى أقرب مذكور، أى: إلى

الجملة الأخيرة، فيكون التقدير على هذا: " أكرم جميع العلماء

مطلقاً: دخلوا أو لم يدخلوا، وأكرم التجار إلى أن يدخلوا الدار.

وهذا الحكم يكون مطلقا، أي: سواء كانت الغاية واحدة كما

مثلنا أو متعددة على الجمع كقولنا: " أكرم العلماء والتجار إلى أن

يدخلوا الدار أو السوق "، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في

وقتها كقولنا: " أكرم العلماء إلى أن تطلع الشمس "، أو غير

معلومة الوقت كقولنا: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار ".

ص: 1664

النوع الرابع من المخصصات المتصلة الاستثناء

ويشتمل على مسائل:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته.

المسألة الثالثة: الفرق بينه وبين التخصيص بالمنفصل.

المسألة الرابعة: الفرق بينه وبين النسخ.

المسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء اتصاله؟

المسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه؟

المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء حقيقة أو

مجازاً؟

المسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه.

المسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر؟

المسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف؟

المسألة الحادية عشرة: الاشتثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو هل

يرجع إليها جميعاً، أو إلى الأخيرة فقط؟

المسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعددة.

ص: 1665

المسألة الأولى: تعريف الاستثناء:

أولاً: الاستثناء لغة: مأخوذ من الثني، وهو: العطف من

قوله: ثنيت الحبل أثنيه: إذا عطفت بعضه على بعض.

وقيل: إن الثني هو: الصرف، يقال:" ثنيته عن الشيء " إذا

صرفته عنه.

ثانياً: الاستثناء اصطلاحا هو: قول متصل يدل بحرف إلا أو

إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول.

شرح التعريف، وبيان محترزاته:

قوله: " قول " أخرج المخصصات العقلية والحسية.

وقوله: " متصل " أخرج بقية المخصصات المنفصلة السابقة الذكر.

والمراد: أن يكون الاستثناء متصلاً بالجملة غير منفصل عنها.

وقوله: " يدل " أخرج الصيغ والألفاظ المهملة التي لا تدل على

شيء.

وقوله: " بحرف إلا أو إحدى أخواتها " أخرج أمرين:

أولهما: المخصصات المتصلة الأخرى كالتخصيص بالشرط،

والصفة، والغاية السابقة الذكر، فإن لهذه المخصصات أدوات وصيغ

تختلف عن أدوات الاستثناء.

ثانيهما: أخرج مثل قولهم: " أكرم القوم دون زيد " فإن هذا

ليس باستثناء لغة.

وقوله: " على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول " معناه: أن

المذكور بعد أداة الاستثناء مخرج من القول الأول ولا يدخل تحته.

ص: 1667

مثاله: قوله: " نجح الطلاب إلا زيداً "، فقوله:" إلا زيداً "

قول متصل بما قبله من الكلام - وهو: " نجح، الطلاب "، ولكن

هذا القول - بما فيه صيغة الاستثناء - دلَّ دلالة واضحة على أن

المذكور معه - وهو زيد - غير مراد بالقول الأول، حيث لا يشمله

حكم النجاح.

***

المسألة الثانية: صيغ الاستثناء وأدواته:

أدوات وصيغ الاستثناء إحدى عشرة صيغة وهي: " إلا "، وهي

أم الباب، و " غير "، و " سوى "، و " ما عدا "، و " ليس "،

و"لا يكون "، و " حاشا "، و " خلا "، و " سيما "، و " ما خلا "، و "عدا".

أما صيغة: " إلا " فهي حرف بالاتفاق.

وأما صيغة: " حاشا " فهي حرف عند سيبويه، وهو الصحيح،

ويقال فيها: " حاشى "، و " حشا ".

وأما صيغة: " لا يكون " فهي فعل بالاتفاق.

وأما صيغة: " ليس "، و " ما عدا "، و " ما خلا " فهي أفعال

على الأصح.

وأما صيغة: " خلا "، و " عدا " فهما مترددان بين الفعلية

والحرفية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعدهما كانتا فعلين، وإن

جر ما بعدهما كانتا حرفين.

وأما صيغة: " لا غير "، و " سوى " فهما اسمان.

ص: 1668

ويجوز في " سوى " ضم السين، وكسرها، والمد، فيقال:

"سواء".

وأما صيغة: " لا سيما " فاجتمع فيه حرف واسم.

***

المسألة الثالثة: الفرق بين الاستثناء والتخصيص بالمنفصل:

الفرق بينهما من وجهين:

الوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال فتقول: " أكرم

الطلاب إلا زيداً "، ولا يجوز أن تقول: " أكرم الطلاب "، ثم

بعد مدة تقول: " إلا زيداً "، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء اللَّه.

أما التخصيص بالمنفصل فلا يشترط فيه ذلك؟! إذ يجوز أن يأتي

متصلاً، ويأتي متراخيا ولا مانع من ذلك، وقد سبق بيان ذلك.

الوجه الثاني: أن الاستثناء يتطرق إلى ما يدل على معناه دلالة

ظاهرة، وإلى ما نص على معناه فتقول:" أكرم الطلاب إلا زيداً "

وتقول: " له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة ".

أما التخصيص بالمنفصل، فإنه لا يجوز في النص، وإنما يصح في

الظاهر - وهو العام فقط - فيجوز أن يقال: " أكرم الطلاب،،

ثم يقول: " لا تكرم زيداً "؛ لأن دخول زيد في عموم الطلاب

ظني؛ حيث قلنا: إن دلالة العام ظنية، ولكن لا يقال: " أكرم

زيداً وعمراً وبكراً "، ثم بعد ذلك يقول: " لا تكرم زيداً "، فإن

قال ذلك فإنه يكون نسخاً، لا تخصيصا.

ص: 1669

المسألة الرابعة: الفرق بين الاستثناء والنسخ:

الفرق بينهما من أوجه:

الوجه الأول: أن الاستثناء يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه؛ لأنه

لايستقل بنفسه.

أما النسخ فيشترط فيه: أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ؛

حيث قلنا في تعريف النسخ: " إنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم

بخطاب متراخ عنه "، وقلنا النسخ يشترط فيه الانفصال؛ لأن كلاً

من الناسخ والمنسوخ يستقل بنفسه.

الوجه الثاني: أن الاستثناء مانع، والنسخ رافع، أي: أن

الاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ، ولولا هذا

الاستثناء لدخل، فالاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى

منه.

أما النسخ فهو يرفع ما دخل تحت اللفظ الوارد.

الوجه الثالث: أن الاستثناء يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت

اللفظ فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، ولكن لا يجوز أن يمنع

الاستثناء جميع الأفراد من الدخول تحت اللفظ، فلا يجوز أن يقال:

" لي عليه عشرة إلا عشرة ".

أما النسخ فيجوز أن يرفع جميع الحكم أحياناً كرفع وجوب

الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويجوز أن يرفع بعض الحكم كرفع بعض عدة المتوفى عنها زوجها،

فقد كانت حولاً كاملاً، فنسخ ورفع بعضها حتى صارت أربعة أشهر

وعشراً.

ص: 1670

وقد سبق بيان الفرق بين النسخ والتخصيص في الباب الثالث

بصورة إجمالية فراجعه إن شئت.

***

المسألة الخامسة: هل يشترط في الاستثناء الاتصال:

لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أنه يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون

الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، فلا يجوز الفصل بينهما.

أي: أن يكون متصلاً بالكلام حقيقة مثل: " نجح الطلاب إلا

زيداً " بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل بأن يكون انفصاله

قبل أن يستوفى المتكلم غرضه من الكلام نحو: أن يسكت عن

الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريقه، أو سعال، أو ما أشبه ذلك.

وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:

الدليل الأول: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه، فهو جزء من

الكلام أتي به لإتمامه وإفادته، لذلك لا يفيد شيئاً إلا إذا اتصل به

مباشرة، لكن لو انفصل الاستثناء عن المستثنى منه لم يكن ذلك

الاستثناء متمما لذلك الكلام الأول، فمثلاً لو قال:"أكرم الطلاب "

ثم قال بعد شهر: " إلا زيداً "، وقال: إني أردت به الاستثناء من

الكلام الذي قلته منذ شهر: فإنه يقبح عند أهل اللغة، ويعدون ذلك

لغواً؛ لأن الكلام يورد لإفهام الغير وإفادته، وقوله:" إلا زيداً "

لا يفهم منه شيء، حيث إنه لا يرتبط بقوله:" أكرم الطلاب ".

وهذا قياساً على الخبر مع المبتدأ، فكما أن الخبر لا يفيد شيئاً بدون

المبتدأ، والمبتدأ لا يفيد شيئاً بدون الخبر، فكذلك المستثنى لا يفيد

شيئاً بدون المستثنى منه.

ص: 1671

الدليل الثاني: أنه لو جاز الفصل في الاستثناء لما علم صدق

صادق، ولا كذب كاذب؛ لأن من تكلم بكلام يحكم من خلاله أنه

يكون كاذباً قد يستثني، فلا يكون كاذبا، وهذا باطل؛ حيث يفضي

إلى عدم استقرار الأمور، فلا تتم عقود، ولا تصح مواثيق ولا

معاملات، وهذا لا يمكن أن يقصده عاقل، لذلك لم يجز الفصل

في الاستثناء طلباً للاستقرار ومعرفة حقائق الأمور.

المذهب الثاني: أنه لا يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، بل

يجوز انفصال المستثنى عن المستثنى منه.

وهو لبعض العلماء، وقد حكى عن ابن عباس، والحسن

البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وغيرهم

- وسيأتي ذكر خلافهم في مدة هذا الفصل -.

أدلة هذا المذهب:

الدليل الأول: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" والله لأغزون قريشاً مرتين أو ثلاثاً " ثم سكت، ثم قال:" إن شاءَ اللَّه "،

ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لما فعله؛ لكونه مقتدى به.

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أنه ليس المراد به الاستثناء - هنا -، وإنما المراد به

أن الأفعال المستقبلية لا بد أن تقيد بمشيئة اللَّه - تعالى - امتثالاً لقوله

تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ،

ولقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) .

الجواب الثاني: على فرض أن المراد به الاستثناء، فإن بسكوته قبل

ص: 1672

الاستثناء يحتمل احتمالاً قوياً: أنه من السكوت الذي لا يحل

بالاتصال الحكمي - كما ذكرنا فيما سبق - ويجب العمل على ذلك.

الدليل الثاني: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول فجاز

تأخيره كالنسخ، والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم.

جوابه:

إن قياسكم على النسخ، وعلى الأدلة المنفصلة المخصصة قياس

فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنا أثبتنا فرقين بين الاستثناء

والمخصص المنفصل في المسألة الثالثة السابقة، وكذلك أثبتنا ثلاثة

فروق بين الاستثناء والنسخ في المسألة الرابعة السابقة، ومع وجود

الفرق فلا قياس.

بيان نوع الخلاف:

الخلاف معنوي؛ حيث إن المتكلم لو فصل بين المستثنى منه

والمستثنى، فإن المستثنى لا يؤثر على المستثنى منه إلا إذا فصله بشيء

اضطر إليه كسعال ونحوه كما لو قال. " عليّ ألف ريال استغفر الله

إلا مائة "، فإنه لا يصح الاستثناء، وذلك لأنه فصل بشيء يستطيع

تركه، هذا بناء على المذهب الأول.

أما بناء على المذهب الثاني، فإنه يصح الاستثناء، وقالوا: إنه

فصل يسير فلم يؤثر، وقد رجحه بعض الشافعية، وإني أتعجب من

ذلك؛ حيث خالفوا في ذلك الأصل الذي قالوا به وهو: اشتراط

الاتصال.

تنبيه: المشترطون للاتصال - وهم أصحاب المذهب الأول - وهم

الجمهور اتفقوا على أن ينوي المتكلم الاستثناء في الكلام، فلو لم

يعرض له نية الاستثناء إلا بعد فراغ المستثنى منه لم يُعتد به.

ص: 1673

تنبيه ثان: اختلف أصحاب المذهب الأول في موضع نية الاستثناء

فقال أكثرهم: يُكتفى بوجود النية قبل فراغه، وهو الصحيح، وقال

بعضهم: يعتبر وجود النية في أول الكلام.

تنبيه ثالث: اتفق أصحاب المذهب الأول - وهم المشترطون

للاتصال - على أنه لا يجوز تقدوم المستثنى في أول الكلام كقولك:

" إلا زيداً قام القوم "، وكذلك لا يجوز ولو تقدمه حرف نفي

كقولك: " ما إلا زيداً في الدار أحد "، وأما قول الشاعر:

وبلدة ليس لها طوري

ولا خلا الجن بها إنسي

فهذا شاذ ولا يقاس عليه.

تنبيه رابع: اختلف أصحاب المذهب الثاني - وهم المجوزون

لانفصال المستثنى عن المستثنى منه - في وقت هذا الانفصال على

أقوال:

القول الأول: أنه يجوز الانفصال شهراً، وهو محكي عن ابن

عباس رضي الله عنهما.

القول الثاني: أنه يجوز الانفصال سنة، وهو محكي عن ابن

عباس رضي الله عنهما.

القول الثالث: أنه يجوز الانفصال وإن طال أبداً، وهو محكي

عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ولكن الصحيح: أنه يؤول ما جاء عن ابن عباس - رضي الله

عنهما - إن صح - على نسيان: " إن شاء اللَّه "، كما ورد ذلك

عن بعض العلماء، كالإمام أحمد والقرافي وابن جرير.

ص: 1674

القول الرابع: يجوز تأخير الاستثناء ما دام في المجلس، وهو

المروي عن الحسن البصري، وعطاء، وقد أومأ إليه الإمام أحمد.

القول الخامس: يجوز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه في اليمين

في زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره.

القول السادس: يجوز تأخير الاستثناء إلى أربعة أشهر.

القول السابع: يجوز تأخير الاستثناء لفظا، لكن مع إضمار

الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين

الله تعالى، ونسب إلى بعض المالكية.

القول الثامن: يجوز تأخير الاستثناء إذا ورد معه كلاماً يدل على

أن ذلك الاستثناء مما تقدم مثل: أن يقول: " جاء الناس "، ثم

يقول بعد زمان: " إلا زيداً، وهو استثناء مما كنت قلت ".

***

المسألة السادسة: هل يجوز تقديم المستثنى على المسثثنى منه؟

لقد اختلف المشترطون للاتصال على مذهبين:

المذهب الأول: أنه يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه إذا كان

متصلاً به، فيجوز أن تقول:" ما جاءني إلا أخاك من أحد "،

و"قام إلا زيداً القوم "، و " القوم إلا زيداً ذاهبون "، و " في الدار

إلا زيداً أصحابك "، و " ضربت إلا زيداً القوم "، ومنه قول

الكميت بن زيد:

فما لي إلا آل أحمد شيعة

وما لي إلا مشعب الحق مشعب

والتقدير: فما لي شيعة إلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب

الحق.

ص: 1675

ومنه: قول كعب بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم شعراً:

الناس ألب عليك فينا ليس لنا

إلا السيوف وأطراف القنا وزر

والتقدير: ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا، وهو قول

جمهور العلماء.

وهو الحق، لوروده في السماع كما سبق من الأبيات الشعرية.

ولأنه لا يخل بالفهم.

المذهب الثاني: لا يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، وهو

لبعض العلماء.

دليل هذا المذهب:

أن الأصل في المستثنى التأخير، والأصل في المستثنى منه التقديم،

وإذا جاء المستثنى متقدما، فهو خلاف الأصل، فلا يُعتد به.

جوابه:

أن تقديم المستثنى على المستثنى منه لا يخل بالفهم، ولذلك جاز.

بيان نوع الخلاف:

الخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع، ومنها أنه لو

قال: " له عليّ إلا عشرة مائة دينار "، فإنه استثناء صحيح،

ويكون المتكلم مقرًّا بتسعين، بناء على المذهب الأول.

أما عند أصحاب المذهب الثاني، فإن هذا لا يصح، ولم يقر

بشيء.

ص: 1676

المسألة السابعة: الاستثناء من غير الجنس هل يسمى استثناء

حقيقة أو مجازاً؟

لقد اتفق العلماء على أن الاستثناء من الجنس حقيقة، واختلفوا

في الاستثناء من غير الجنس هل هو استثناء حقيقة أو مجاز؛ على

مذهبين:

المذهب الأول: يشترط - لصحة الاستثناء -: أن يكون المستثنى

من جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس فلا تقول:

" رأيت الناس إلا حماراً "؛ لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس،

وإذا ورد ذلك - أي: ورد استثناء من غير الجنس - فهو مجاز،

وليس بحقيقة.

وهو مذهب كثير من العلماء.

وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:

الدليل الأول: أن حقيقة الاستثناء تدل على ذلك، بيانه:

أن الاستثناء هو: استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: "ثنيت

الشيء ": إذا عطفت بعضه على بعض، وتقول: " ثنيت زيداً عن

رأيه " إذا رددته، وحقيقة الاستثناء - بالمفهوم العام - هو: إخراج

بعض ما تناوله اللفظ المستئنى منه.

أى: بعد أن كان اللفظ متناولاً لجميع الأفراد ثناه الاستثناء عن

البعض، وهذا غير متحقق في قول القائل: " رأيت الناس إلا

حماراً "؛ لأن الحمار - وهو المستثنى - غير داخل في مدلول الناس

- وهو المستثنى منه - حتى يقال بإخراجه وثنيه عنه، بل الجملة

الأولى باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالأول أصلاً؛ لأنه

ذكر لفظ " الحمار " وهو ما لا دخول له في الكلام الأول - وهو

ص: 1677

الناس - فلم تتحقق حقيقة الاستثناء؛ حيث إنه لم يصرف الكلام

ولا ثناه عن وجه استرساله، فلم يتحقق الاستثناء من اللفظ.

اعتراض على هذا:

قال قائل - معترضا -: إنه يصح الاستثناء بناء على ما وقع به

الاشتراك من المعنى بين المستثنى والمستثنى منه؛ حيث إنهما يشتركان

في الحيوانية.

جوابه:

أنه لو جاز ذلك للزم منه جواز استثناء كل شيء من كل شيء

ضرورة: أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما،

وليس كذلك.

الدليل الثاني: أن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعاً

حتى إنه إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة،

فكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس

فقد ورد على خلاف الحقيقة، فيكون مجازاً.

الدليل الثالث: أن الاستثناء من غير الجنس على غير وضع اللغة،

فلو قال: " رأيت العلماء إلا الكلاب "، أو قال: " قدم الحاج إلا

الحمير "، لكان ذلك مستهجناً وعيباً عند عقلاء أهل اللغة، وما هذا

شأنه لا يكون وضعه مضافاً إلى أهل اللغة.

المذهب الثاني: أنه لا يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى

منه، بل إن الاستثناء من غير الجنس صحيح، ويكون حقيقة.

وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وبعض الشافعية، وبعض

المتكلمين، وبعض النحويين كابن جني.

ص: 1678

دليل هذا المذهب:

أن الاستثناء من غير الجنس قد استعمل في القرآن ولغة العرب،

والاستعمال يدل على الحقيقة، ومن أمثلة ذلك:

الثال الأول: قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاما)

فقد استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه.

الثال الثاني: قوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فقد استثنى التجارة من الباطل،

وهي ليست من جنس الباطل.

الثال الثالث: قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)

فوقع استثناء الظن من العلم، وهو ليس من جنسه.

المثال الرابع: قوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) ، وإبليس لم يكن من

جنس الملائكة؛ لقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) ، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ لأنه كان مخلوقا من

نار، قال تعالى:(خلقتني من نار) ، والملائكة من نور، والنار

غير النور، فلا يكون من جنسهم.

المثال الخامس: قول جران العود - عامر بن الحارث - شعراً:

وبلدة ليس بها أنيس

إلا اليعافير وإلا العيس.

واليعافير والعيس ليست من جنس الأنيس، وذلك لأن " اليعافير "

جمع يعفور "، وهو ولد الظبية، ويطلق على ولد البقرة الوحشية -.،

و" العيس " هي إبل بيض يخالط بياضها شقرة واصفرار.

المثال السادس: قول النابغة الذبياني:

ص: 1679

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

وليس فلول السيوف عيباً لأربابها، بل فخراً لهم، وقد استثناها

من العيوب، وليست من جنسها.

المثال السابع: قول العرب: " ما جاءني زيد إلا عمرو "،

وقولهم: " ما زاد إلا ما نقص "، وقولهم: " وما بالدار من أحد

إلا الوتد "، فقد استثنوا هنا عمراً من زيد، والنقص من الزيادة،

والوتد من أحد، وليست من جنسه.

والأمثلة على الاستثناء من غير الجنس كثيرة، كلها تدل على أنه

ورد استعمال ذلك في القرآن وكلام العرب: الشعر والنثر،

والاستعمال دليل الحقيقة، فيكون الاستثناء من غير الجنس صحيحاً،

وهو حقيقة كالاستثناء من الجنس.

جوابه:

لا نسلم أن في هذه الأمثلة استثناء من غير الجنس، بل إن بعضها

استثناء من الجنس، والبعض الآخر لا يوجد فيه استثناء، فتكون

"إلأ للاستدراك، وإليك بيان ذلك:

أما المثال الأول: وهو قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) .

والمثال الثاني: وهو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) .

وقول - العرب: " ما جاءني زيد إلا عمر " من المثال السابع: فإن

" إلا " في هذه الأمثلة بمعنى: " لكن ".

ص: 1680

والتقدير في الآية الأولى: لا يسمعون فيها لغواً لكن يسمعون

كلاما وسلاما.

والتقدير في الآية الثانية: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لكن إذا

كانت تجارة عن تراض منكم فكلوا.

والتقدير في المثال: " ما جاءني زيد لكن جاءني عمرو ".

أما بقية الأمثلة، فإن الاستثناء فيها من الجنس، وإليك بيان ذلك.

أما المثال الثالث وهو قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) ،

فإن هذا عام في كل ما يسمى علما، والظن يُسمى

علما، فتقول:" هذا علم ظني "، و " هذا علم يقيني "، ودليل

ذلك قوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات)، وأراد: إن

ظننتموهن؛ لاستحالة اليقين في ذلك.

وقيل: إن " إلا " هنا بمعنى " لكن "، والتقدير: وما لهم به من

علم لكن اتبعوا الظن.

أما المثال الرابع وهو قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس) ، فهو استثناء من الجنس؛ لأن إبليس

كان من الملائكة؛ لأمور ثلاثة:

أولها: أن ذلك قول ابن عباس - وهو حبر الأمة وترجمان

القرآن -.

ثانيها: أن اللَّه تعالى قد استثناه من الملائكة، والأصل أن يكون

من جنسهم؛ للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس، والاختلاف

في غيره.

ثالثها: أنه لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان عاصيا للأمر

ص: 1681

المتوجه إلى الملائكة؛ لكونه ليس منهم، ودلل على عصيانه بقوله:

(إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) .

فقولكم: " إنه من الجن " لا نسلمه؛ لما قلناه حيث إنه كان من

الملائكة من قبيل يقال لهم: " الجن "؛ لأنهم كانوا خزان الجنان،

وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنياً لنسبته إلى الجنة، ويحتمل أن

يكون قد سمي بذلك لاجتنانه واختفائه.

أما المثال الخامس، وهو قول الشاعر: جران العود:

وبلدة ليس بها أنيس

إلا اليعافير وإلا العيس

فانه استثناء من الجنس؛ لأن اليعافير - وهي أولاد الضباء، أو

أولاد البقر الوحشية، والعيس وهي الإبل مما يؤنس بها، فهي من

جنس الأنيس، بل قد يحصل الأنس بالأبنية والأشجار فضلاً عن

الحيوانات.

أما المثال السادس وهو قول النابغة:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

فهو استثناء من الجنس؛ لأن فلول السيوف عيب في السيوف،

وإن كان يسبب فلولها فخراً ومدحة لأربابها، فهو في الجملة استثناء

من الجنس.

وأما المثال السابع، وهي: الأقوال التي رويت عن العرب، فهي

استئناء من الجنس، فقولهم:" ما زاد إلا ما نقص " تقديره: " ما

زاد إلا الذي نقص " أي: ينقص.

وقولهم: " ما بالدار من أحد إلا الوتد " استثناء من الجنس؛

لأن " أحد " يطلق على الجمادات كما يطلق على الآدمي.

ص: 1682

وقال بعضهم: إن " إلا " في هذا المثال بمعنى " لكن "

وهكذا تبين لك أيها المستدل أن الأمثلة التي زعمت أن الاستثنا من

غير الجنس قد استعمل فيها أصبحت لا تصلح لما استدللت له،

فبطل دليلك، ومن ثم يبطل مذهبك.

* * *

بيان نوع الخلاف:

الخلاف هنا معنوي؛ حيث ترتب على هذا الخلاف: أن من

قال: إن الاستثناء من غير الجنس لا يصح، ولا يسمى استثناء حقيقة

- وهم أصحاب المذهب الأول - فإنه لم يجوز التخصيص به، فلو

أقر بشيء واستثنى من غير جنسه: كان استثناؤه باطلاً..،

أما من قال: إن الاستثناء من غير الجنس يصح، ويسمى، استثناء

حقيقة - وهم أصحاب المذهب الثاني - فإنه يجوز التخصيص به،

فلو أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه صحيحا، فإذا

قال: " عليّ لزيد ألف درهم إلا ثوبا "، كان هذا صحيحا عند

هؤلاء.

أما عند أصحاب المذهب الأول فلا يصح هذا.

* * *

المسألة الثامنة: حكم استثناء كل المستثنى منه:

لقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز استثناء كل المستثنى منه،

بحيث لا يبقى منه فرد، ولو فعل متكلم ذلك: لكان استثناؤه لغواً،

وكانت العبرة بما نطق به أولا.

ودليل ذلك: أن استثناء الكل يفضي إلى العبث؛ حيث ينفي بعد

أن أثبت، وعلى هذا فلو قال:" له عليّ عشرة إلا عشرة "، فإن

ص: 1683

العشرة تلزمه، كذلك لو قال:" أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا "، فإنه

يلزمه الطلاق بالثلاث؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه.

لكن نقل ابن طلحة - أبو بكر عبد اللَّه بن طلحة البابري الإشبيلي

المالكي - في كتابه: " المدخل في الفقه " أن الرجل لو قال لامرأته:

" أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثا "، ففيه قولان:

القول الأول: أنه استثناء ينفعه.

والثاني: أنه لا ينفعه، ويلزمه الثلاب، ويعد نادما.

فعلى القول الأول: لا تطلق زوجته، وذلك يدل على صحة

استثناء الكل.

ولكن قال كثير من العلماء: إنه قول غريب وشاذ.

ولذلك لا يخرق ما أجمع العلماء عليه من أنه لا يجوز استثناء

الكل، وهو الحق - لما قلنا فيما سبق - فلو استثنى الكل لكان هذا

الاستثناء لغواً، وكانت العبرة بما نطق به أولاً، فمن قال: " له

عليّ عشرة إلا عشرة "، فإن هذا يعتبر لاغيا، فتلزمه العشرة التى

أقر بها أولاً.

وأثر هذه المسألة قد وضح من المثال السابق.

***

المسألة التاسعة: هل يجوز استثناء الأكثر أو لا؟

لقد اختلف العلماء في. ذلك على مذاهب:

المذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء الأكثر، بل الذي يصح:

استثناء الأقل، أي: لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من الباقي بعد

الاستثناء.

ص: 1684

وهو مذهب أكثر نحاة البصرة، وأكثر الحنابلة، وبعض الحنفية

كأبي يوسف، وبعض المالكية كابن الماجشون، والباقلاني.

وهو الحق؛ لدليلين:

الدليل الأول: أن الاستثناء وأحكامه قد أخذناه عن طريق أهل

اللغة، وأهل اللغة أنفسهم ذكروا أن المتكلم لو استثنى الأكثر لكان

كلامه عياً ولكنة.

قال ابن جني: " ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين - ما كان

متكلما بالعربية، وكان كلامه عيا ولكنة.

وقال القتبي - وهو ابن قتيبة -: يجوز أن يقول: " صمت

الشهر إلا يوماً "، ولا يجوز أن يقول: " صمت الشهر كله إلا

تسعة وعشرين يوما ".

وقال مثل ذلك ابن درستويه: عبد اللَّه بن جعفر النحوي.

وقال أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا

في القليل من الكثير، فإذا كان هؤلاء الأئمة قد أنكروا استثناء

الأكثر، فإنه يثبت أن استثناء الأكثر ليس من اللغة، فلا يجوز.

ولو جاز استثناء الأكثر لجاز في كل ما قبحه أهل اللغة وكرهه

لسان العرب.

الدليل الثاني: أن الاستثناء قد جرى في كلام العرب على خلاف

الأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما

كان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقر به أجيز استثناء القليل لدفع

الضرر، وأما الأكثر فلا يُعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز فيه

الاستثناء جريا على الأصل في الكلام.

ص: 1685

المذهب الثاني: أنه يجوز استثناء الأكثر.

وهو لجمهور العلماء، فيجوز أن يقول: " له علي عشرة إلا

تسعة "، فيكون مقراً بواحد.

ِأدلة هذا المذهب:

الدليل الأول: قوله تعالى: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)، وقال:(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) .

وجه الدلالة: أنه في الآيتين قد استثنى كل واحد منهما من الآخر،

ففي الآية الأولى قد استثنى العباد من الغاوين، وفي الآية

الثانية قد استثنى الغاوين من العباد، فإن استووا فقد استثنى المساوي

وإن تفاوتوا فأيهما كان أكثر فقد استثناه وأبقى الأقل، وهذا يدل على

جوازه.

على أن الغاوين أكثر من غير شك بدليل قوله تعالى:

(وقليل في عبادي الشكور)، وقوله:(ولا تجد أكثرهم شاكرين) ،

وقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) .

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أنه لو ثبت أن أحد الفريقين أكثر من الآخر، وأنه

استثناء لم يكن قد استثنى الأكثر، بل استثنى الأقل في الموضعين،

بيان ذلك:

أما الآية الأولى، فإن هناك شواهد دلَّت على أنه استثنى الأقل؛

حيث قال تعالى: (لأغوينهم أجمعين) يعني ولد آدم بدليل قوله

ص: 1686

تعالى في سورة أخرى: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)

ثم استثنى في سورة أخرى قائلاً: (إلا عبادك منهم المخلصين) ،

وهم القليل المذكور، ولهذا قيده بلفظ " منهم "، فثبت أنه استثنى الأقل وأبقى الأكثر.

أما الآية الثانية، فإن اللَّه تعالى قال فيها:

(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ، فأضاف العباد إليه مطلقا،

وذلك يقع على كل عبد له من مَلَك، وآدمي، وجني، ثم قال:

(إلا من اتبعك من الغاوين)، والغاوون من جميع العباد هم الأقل؛ لأن الملائكة كلهم غير غاوين كما قال تعالى:(بل عباد مكرمون) ، وهم أكثر

الخلق، ويضاف إليهم من آمن من الإنس والجن، فيكونون أكثر من

الغاوين، فثبت أنه استثنى الأقل، وأبقى الأكثر.

الجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أن " إلا " في الآيتين للاستثناء، بل هي

بمعنى " لكن "، والتقدير يكون في الآية الأولى: " ولكن عبادك

المخلصين لا أستطيع غوايته "، والتقدير في الآية الثانية: " ولكن

من اتبعك من الغاوين فإن جهنم موعدهم أجمعين ".

أما الآية الأولى فظاهر فيها أن المراد"بلفظ " إلا ": " لكن ".

أما الآية الثانية وهي قوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) ، فظاهرها يفيد أنه استثناء - في السلطان، تقديره:

" إلا اتبعك من الغاوين، فإن لك عليهم سلطانا "، وهذا لا يصح؛

لأن الغاوين لا سلطان له عليهم - أيضا - دلَّ على ذلك قوله تعالى:

(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) ، فأخبر أنه لا سلطان له على الغاوين - أيضا - فدل هذا على

ص: 1687

أن تقدير الكلام: " لكن من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم

أجمعين ".

الدليل الثاني: قياس الاستثناء على التخصيص بالمنفصل، بيان

ذلك:

أنه كما يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالمخصصات المنفصلة.

فكذلك يجوز إخراج أكثر ما تناوله اللفظ بالاستثناء، ولا فرق،

بجامع: أن كلاً منهما يخرج من العموم ما لولاه لدخل.

جوابه:

إن هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق بينهما من

وجهين:

الوجه الأول: أن التخصيص بالمنفصل لا يختص بعبارة، فهو

يصح بجميع أدلة العقل والنقل، ولا يقف على حرف مخصوص،

أما الاستثناء فلا يجوز إلا بحروف مخصوصة، ولهذا يجوز

تخصيص المعلوم من المجهول، والمجهول من المعلوم في المنفصل،

ولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد.

الوجه الثاني: أن من جنس التخصيص بالمنفصل ما يرفع الجملة

وهو: النسخ؛ لأن التخصيص: تخصيص الأعيان، والنسخ:

تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع الجملة؛ حيث

لا يجوز استثناء الكل كما سبق.

الدليل الثالث: قياس استثناء الأكثر على استثناء الأقل، بيانه:

أنه كما يجوز استثناء الأقل وإبقاء الأكثر باتفاق، فكذلك يجوز

ص: 1688

استثناء الأكثر وإبقاء الأقل، ولا فرق، بجامع: أن كلَاّ منهما فيه

إخراج بعض ما شمله العموم.

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق،

والفرق بينهما من وجهين:

الوجه الأول: أن استثناء الأقل هي لغة العرب، واستعمله أهل

اللسان وصرحوا بجوازه، بخلاف استثناء الأكثر فقد نفوه وقبحوه

كما سبق ذكر ذلك، فقياس ما قبحه أهل اللغة وأنكروه - وهو

استثناء الأكثر - على ما استحسنه أهل اللغة وأجازوه - وهو استثناء

الأقل - لا يمكن عقلاً.

الوجه الثاني: أن الاستثناء وضع للاختصار، أو للاستدراك،

ويحسن ذلك في الأقل، وليس في الحكمة وجود ذلك في الأكثر.

الدليل الرابع: أن استثناء الأكثر قد ورد استعماله في قول الشاعر:

أدوا التي نقصت تسعين من مائة

ثم ابعثوا حكما بالحق قواما

فهنا قد استثنى الشاعر تسعين من مائة، وهو استثناء الأكثر، فهذا

الاستعمال دليل جوازه.

جوابه:

إن هذا البيت ليمس فيه استثناء لفظي؛ لأنه لم يأت فيه بأداة

الاستثناء، وأدوات الاستثناء معروفة ومحصورة، ؤإنما ذكر نقصان

الأكثر مما دخل تحت الاسم.

ص: 1689

بيان نوع الخلاف:

الخلاف هنا قد اختلف العلماء فيه على قولين:

القول الأول: إن الخلاف معنوي، وهو الحق؛ لأنه قد أثر في

بعض الفروع الفقهية، ومنها:

1 -

أنه لو قال لزوجته: " أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين " فقد

اختلف العلماء في ذلك، والخلاف مبني على الخلاف فى هذا

الأصل.

فبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من جواز

استثناء الأكثر - فإنه يلزم الزوج جميع المستثنى منه، وهي التطليقات

الثلاث، ويكون الاستثناء لغواً.

وبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون لاستثناء

الأكثر - فإنه يلزم الزوج طلقة واحدة.

2 -

إذا قال: " له عليّ عشرة إلا تسعة " فقد اختلف في الشيء

الذي يلزم المقر - هنا -.

فبناء على قول أصحاب المذهب الأول - وهم المانعون من استثناء

الأكثر - فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً،

فتلزمه العشرة - كلها -.

وبناء على قول أصحاب المذهب الثاني - وهم المجيزون استثناء

الأكثر - فإنه يلزم المقر واحد فقط.

القول الثاني: إن الخلاف لفظي، وهو اختيار المازري، وعلل

ذلك بأن أصحاب المذهبين لم يخالفوا في الحكم، وإنما خالف أصحاب

ص: 1690

المذهب الأول؛ لأن العرب لم تستعمل استثناء الأكثر، لكن العرب

وإن لم تستعمله فلا يسقط حكم الاستثناء في الإقرار وغيره.

جوابه:

لا نسلم أن أصحاب المذهب الأول لم يخالفوا في الحكم، بل

خالفوا في مسائل الإقرار، والطلاق، وغير ذلك؛ بناء على

خلافهم في هذه القاعدة.

المسألة العاشرة: هل يجوز استثناء النصف:

لقد اختلف أصحاب المذهب الأول في المسألة السابقة - وهم

المانعون من استثناء الأكثر - في استثناء النصف على مذهبين:

المذهب الأول: أنه لا يجوز استثناء النصف، بل الذي يجوز

استثناء أقل من النصف.

وهو مذهب الباقلاني، وأكثر الحنابلة، والخليل ابن أحمد،

والنضر بن شميل، وجمهور البصريين، وهو الحق؛ لما سبق من

الدليلين المذكورين في المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء

الأكثر - وهما يدلان على عدم جواز استثناء النصف.

المذهب الثاني: يجوز استثناء النصف، وأما الأكثر منه فلا يجوز.

وهو اختيار بعض النحويين كابن درستويه النحوي، وبعض

الحنابلة.

دليل هذا المذهب:

قوله تعالى: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه) .

ص: 1691

وجه الدلالة: أنه هنا قد استثنى النصف، وليس هو بأقل من

المستثنى منه، بل هو مساوي له، وهو استدلال مبني على أن "نصفه "

بدل من " قليلاً "، فيكون في حكم المستثنى من الليل، والتقدير:

" قم الليل إلا نصفه ".

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أن لفظ " نصفه " كلام مبتدأ ليس باستثناء، وإنما

الاستثناء في قوله: " إلا قليلاً ".

الجواب الثاني: أن " نصفه " ظرف للقيام فيه، ويكون " نصفه "

بدل من الليل، والتقدير:" قم الليل نصفه إلا قليلاً "، أو تقول:

التقدير: " قم نصف الليل إلا قليلاً ".

إذن الآية لا تصلح للاستدلال بها على جواز استثناء النصف.

بيان نوع الخلاف:

الخلاف معنوي، حيث إنه أثر في بعض الفروع الفقهية، ومنها:

1 -

أنه لو قال: " له علي عشرة إلا خمسة " فقد اختلف في

الشيء الذي يلزم المقر - هنا -.

فبناء على المذهب الأول - وهو عدم جواز استثناء النصف - فإنه

يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً، فتلزمه العشرة

- كلها -.

وبناء على المذهب الثاني - وهو جواز استثناء النصف - فإنه يلزم

المقر خمسة فقط.

ص: 1692

المسألة الحادية عشرة: الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة

بالواو هل يرجع إليها جميعاً، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؟

محل الخلاف في هذه المسألة إذا لم يكن هناك قرينة تدل على

إرادة الجميع، أو قرينة تدل على أن المراد الجملة الأخيرة أو الأولى،

فإن كان هناك قرينة وجب العمل بما تقتضي تلك القرينة.

ومثال الاستثناء الذي يعود إلى الجميع بقرينة: قوله تعالى:

(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) ،

فإن الاستثناء هنا راجع إلى الجميع اتفاقا.

وأيضاً يمكن أن يمثل لذلك بقوله تعالى:

(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ

) ، ثم قال في آخر الآية: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا

) ، فإنه يرجع إلى الجميع اتفاقا.

ومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأولى بقرينة قوله تعالى:

(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ،

فالاستثناء هنا راجع إلى الجملة الأولى؛ لأن المعنى: فمن شرب منه

فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني، ولو كان الاستثناء

راجعاً إلى الأخيرة لكان المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من

اغترف غرفة بيده، وهذا لا يراد.

ومثال الاستثناء الذي يرجع إلى الجملة الأخيرة بقرينة قوله تعالى:

ص: 1693

(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) ، فإن الاستثناء راجع إلى الأخيرة؛ لأن تحرير الرقبة

هو حق لله، فلا يسقط بإسقاطهم.

والنزاع واقع في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو، أما

إذا كان العاطف غيرها كالفاء، وثم، فإن الاستثناء يختص

بالأخيرة، حيث إن الفاء وثم يقتضيان الترتيب كما سبق قوله في

معاني الحروف، أما الواو فلا تقتضي ذلك.

إذن: اختلف العلماء في الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة

بالواو هل يرجع إليها جميعاً، أو يرجع إلى الأخيرة فقط؛ على

مذهبين:

المذهب الأول: أنه يرجع إلى جميع الجمل.

وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:

الدليل الأول: اتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل

جملة يعتبر نوعاً من العي، والركاكة فيما لو أراد إرجاعه إلى الجميع

كما لو قال: " إن شرب زيد الخمر فاضربه إلا أن يتوب، وإن زنا

فاضربه إلا أن يتوب "، فإذا ثبت استقباح ذلك: فلم يبق - للتخلص

من ذلك - إلا أن يجعل استثناء واحداً في آخر الجمل ويعود إلى

جميعها فيقول: " إن شرب زيد الخمر فاضربه، وإن زنا فاضربه إلا

أن يتوب ".

الدليل الثاني: القياس على الشرط، بيانه:

كما أن الشرط إذا تعقب جملاً، فإنه يرجع إلى جميع الجمل،

فتقول: " نسائي طوالق، وعبيدي أحرار إن كلمت زيداً "،

ص: 1694

فكذلك الاستثناء فإنه يرجع إلى جميعها، ولا فرق بينهما، والجامع:

أن كلًّا منهما لا يستقل بنفسه، وأنهما يتعلقان بغيرهما من الكلام،

ولا بد من اتصالهما، فإذا ثبت شيء لأحدهما ثبت في الآخر.

اعتراض على ذلك:

قال قائل - معترضا - على ذلك: إن قياسكم الاستثناء على

الشرط قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن رتبة

الشرط: أن يتقدم على الجزاء سواء تقدم على اللفظ أو تأخر،

فكانه في المثال السابق قال: " إن كلمت زيداً فنسائي طوالق وعبيدي

أحرار ".

بخلاف الاستثناء فإنه لا يصلح أن يتقدم - كما سبق بيانه -.

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: نحن لم نقس الاستثناء على الشرط مطلقا، بل

قسنا الاستثناء على الشرط المتأخر، فإنه هنا لا فرق بينهما كما سبق.

الجواب الثاني: على فرض تقدم الشرط فإنه يتعلق بجميع الجمل

مثل ما إذا تأخر، فقولنا: " إن كلمت زيداً فنسائي طوالق وعبيدي

أحرار "، مثل قولنا: " نسائي طوالق وعبيدي أحرار إن كلمت

زيدأ"، ولا فرق، فإذا كان الشرط متعلقا بجميع الجمل، سواء

تقدم أو تأخر، فكذلك الاستثناء فإنه مساو للشرط في حال تأخره.

الدليل الثالث: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة

الجملة الواحدة، ولهذا فلا فرق بين قوله: " اضرب الجماعة التي

منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب "، وبين قوله: " اضرب من قتل

ص: 1695

وزنا وسرق إلا من تاب "، فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى

الجميع.

الدليل الرابع: أن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من

الجمل، وليس البعض أَوْلى من البعض، فوجب العود إلى الجميع

كالعام.

المذهب الثاني: أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة، ولا يرجع

إلى جميع الجمل.

وهو مذهب أبي حنيفة، وجمهور الحنفية، وبعض الحنابلة كالمجد

ابن تيمية، وكثير من الظاهرية.

أدلة هذا المذهب:

الدليل الأول: أن العموم يثبت في كل صورة وجملة بيقين،

وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، فلا يرفع اليقين بالشك.

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أن العموم لا يثبت قبل تمام الكلام، وما تم

الكلام حتى أردف وأتى باستثناء يرجع إلى العموم.

الجواب الثاني: يلزم من كلامكم هذا: أن لا يعود الشرط

والصفة على جميع الجمل - لما ذكروه من أن التعميم متيقن - مع أن

أكثركم يسلم أن الشرط والصفة يعودان إلى جميع الجمل.

الدليل الثاني: أن الجملة الثانية فاصلة بين الاستثناء والجملة

الأولى، فلم يرجع الاستثناء إليها، كما لو فصل بينهما بقطع

الكلام، وإطالة السكوت، أو بكلام آخر.

ص: 1696

جوابه:

لا نسلم أنه فصل؛ لأنا ذكرنا أنه لما عطف بعض الجمل على

البعض الآخر بالواو صارت الجمل كالجملة الواحدة.

الدليل الثالث: أن الاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا يفيد بمفرده،

فوجب رده إلى ما قبله مباشرة، فإذا رد إلى ما قبله مباشرة، وهو

الذي يليه، فقد استقل وأفاد، فإذا استقل وأفاد فلا حاجة إلى تعليقه

بما قيل ذلك من الجمل؛ لأن تعليقه بذلك تعليق على الزيادة فيجري

مجرى الكلام المستقل بغيره لا من ضرورة.

جوابه:

يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أنا قد جعلنا الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل التي

قبله؛ نظراً لصلاحيته لأن يرجع إليها، فلا نسلم أنه تعلق بما قبله

ضرورة.

الجواب الثاني: أن كلامكم هذا يبطل بالشرط والصفة؛ لأنهما

يتعلقان بجميع الجمل، فكذلك الاستثناء، ولا فرق، فلو قال:

"أكرم العلماء والتجار إن كانوا طوالا "، أو قال: " أكرم العلماء

والتجار الطوال "، فإن ذلك يرجع إلى الجميع، فكذلك هنا.

بيان نوع الحنلاف:

الخلاف هنا معنوي؛ حيث إن هذا الخلاف قد أثر في بعض

الفروع، ومنها:

1 -

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)

ص: 1697

فإنه بناء على المذهب الأول فإن هذا الاستثناء راجع إلى الجملتين السابقتين معا، وهما الواردتان في قوله تعالى:(ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً) ،

وقوله: (وأولئك هم الفاسقون)، والتقدير:" لا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا منهم فاقبلوا شهادتهم فيما بعد "،

وكذلك يقال: " وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، فلا يحكم عليهم بفسق ".

أي: أنه على المذهب الأول: القاذف إذا تاب تقبل شهادته،

وتعود إليه عدالته؛ بناء على أن الاستثناء يرجع إلى الجملتين السابقتين.

أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم أرجعوا الاستثناء إلى الجملة

الأخيرة فقط، فلذلك قالوا: إن التوبة لا تسقط عدم قبول الشهادة،

بل إن شهادته تبقى مردودة، ولكنها - أي: التوبة - ترفع عنه

وصف الفسق.

2 -

قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤم الرجل في أهله، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ".

فإن الاستثناء على المذهب الأول يرجع إلى الجملتين السابقتين معا

وهما: " لا يؤم الرجل في أهله "، و " لا يجلس على تكرمته ".

إذن يكون الإذن في الأمرين، أي: لا يؤم الرجل في أهله إلا

بإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.

أما على المذهب الثاني، فإن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة

فقط، وعلى ذلك يكون الإذن يشترط في جلوسه على تكرمته فقط،

دون الإمامة في الصلاة، وهكذا تقول في كل ما يماثل ذلك.

ص: 1698

المسألة الثانية عشرة: صور الاستثناءات المتعدِّدة:

الصورة الأولى: أن يكون استثناء معطوف على ما قبله كقولك:

" علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين "، فترجع جميعها إلى العشرة،

فيكون المقربة خمسة؛ لأن العطف يقتضي الشاركة بين المعطوف

والمعطوف عليه في الحكم، والعطوف خارج من المستثنى منه،

فكذلك المعطوف عليه.

الصورة الثانية: أن لا يعطف الاستثناء، ويكون الثاني مستغرقاً لا

قبله كقولك: " عليّ عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة " فترجع جميعها إلى

العشرة وهو الأولى؛ لأن استغراق الثاني للأول يمنع من رجوعه إليه؛

حيث قلنا: إن الاستثناء لا يستغرق.

الصورة الثالثة: عدم وجود العطف، وعدم استغراق الثاني

للأول كقولك: " عليّ عشرة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة " فهنا كل

استثناء يرجع إلى ما قبله مباشرة؛ لقربه منه فيختص به، فتكون

السبعة مستثناة من الثمانية، والثمانية مستثناة من العشرة، والستة

مستثناة من السبعة، ويعمل في ذلك قاعدة: " أن الاستثناء من النفي

إثبات ومن الإثبات نفي "، وتطبق المثال على هذه القاعدة فتقول:

إن " الثمانية " منفية؛ لأننا قد استثنيناها من " العشرة " المثبتة.

وتكون " السبعة " مثبتة؛ لأننا قد استثنيناها من " الثمانية " المنفية.

وتكون " الستة " منفية؛ لأننا قد استثنيناها من " السبعة " المثبتة.

فيلزمه على هذا ثلاثة فقط، قد تقول: كيف أخرجت ذلك؛

نقول: إنه لا استثنى الثمانية من العشرة يكون الباقي اثنين.

ولما استثنى السبعة من الثمانية " المنفية " أي: التي نفاها عنه يكون

بذلك قد أثبت السبعة، فإذا ضممت إلى السبعة الاثنين السابقين

يكون جملة ما لزمه تسعة، فإذا أخرج من التسعة ستة بقي ثلاثة.

ص: 1699