المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قَالَ: وكان إذا ذكر الصّالحين ذكرهم بتعظيم وتوقير، وذكر مناقبهم - تاريخ الإسلام - ت تدمري - جـ ٥٠

[شمس الدين الذهبي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الخمسون (سنة 671- 680) ]

- ‌الطّبقة الثّامنة والسّتّين من «تاريخ الإسلام»

- ‌سنة إحدى وسبعين وستّمائة

- ‌مسير السلطان بيبرس إِلَى دمشق

- ‌[عدوان صاحب النُّوبة والردّ عليه]

- ‌[موقعة البيرة]

- ‌[الإفراج عن الأمير الدّمياطيّ]

- ‌[خِلعة الأمراء]

- ‌[إطلاق سنجر المعزّي]

- ‌[مهاداة السلطان لمنكوتمر]

- ‌[اعتقال الشَّيْخ خضر]

- ‌سنة اثنتين وسبعين وستّمائة

- ‌[مسير السلطان إِلَى الشام]

- ‌[قصَّة ملك الكُرْج]

- ‌[ختان وُلِدَ السلطان]

- ‌[سفر الملك السعيد إِلَى دمشق]

- ‌[حضور قليج خان إِلَى مصر]

- ‌[رؤية المؤلّف لقليج قان]

- ‌[كتاب صاحب الحبشة وجواب السلطان عليه]

- ‌[وعظ ابن غانم]

- ‌سنة ثلاثٍ وسبعين وستّمائة

- ‌[سفر السلطان إِلَى الكَرَك]

- ‌[غزوة سِيس]

- ‌[ذكر استيلاء بيت لاون على سيس والثغور]

- ‌[الرمل بالموصل]

- ‌[قُتِلَ الزنديق بغَرناطة]

- ‌[القحط باليمن]

- ‌سنة أربع وسبعين وستّمائة

- ‌[منازلة التتار البيرة]

- ‌[اتفاق البرواناه مع السلطان الظاهر]

- ‌[غزوة النُّوبة ودُنْقُلَة]

- ‌سنة خمس وسبعين وستمائة

- ‌[نزول السلطان على حارم]

- ‌[مقتل ابن الخطير]

- ‌[قتل القسّيس مرخسيا]

- ‌[واقعة صاحبي مكة والمدينة]

- ‌[انتصار السلطان على التتار]

- ‌[فتح قيصرية]

- ‌[أخْذ قونية]

- ‌[مذبحة أبغا بأهل قيصريّة]

- ‌سنة ستٍّ وسبعين وستّمائة

- ‌[دخول السلطان دمشق]

- ‌[المشورة فِي أمر التتار]

- ‌[وفاة الملك الظاهر]

- ‌[سلطنة الملك السعيد]

- ‌[القبض على سُنقر والبَيْسري]

- ‌[نيابة الفارقاني]

- ‌[قدوم رُسُل بركة]

- ‌[القبض على الفارقاني]

- ‌[الإفراج عن سنقر والبيسري]

- ‌[اختلاف الآراء على الملك السعيد]

- ‌[دفن الملك الظاهر]

- ‌[قضاء القضاة فِي مصر]

- ‌[قضاء الشام]

- ‌سنة سبع وسبعين وستمائة

- ‌[الترحيب بالقاضي ابن خلّكان بدمشق]

- ‌[التدريس فِي الظاهرية بدمشق]

- ‌[قضاء الحنفية بدمشق]

- ‌[التدريس بالنجيبيّة]

- ‌[فتح الخانكاه النجيبيّة]

- ‌[عبور الملك السعيد إِلَى قلعة دمشق]

- ‌[وزارة السنجاري بمصر]

- ‌[وزارة ابن القيسراني بالشام]

- ‌[الإغارة على بلاد سيس]

- ‌[إسقاط المقرَّر على الأمراء]

- ‌[ولاية شدّ الشام]

- ‌سنة ثمان وسبعين وستمائة

- ‌[قضاء المالكية بدمشق]

- ‌[ولاية دمشق]

- ‌[وقوع الخلاف بين الخاصكية والسلطان]

- ‌[مشاركة قلاوون الملك السعيد فِي السلطنة]

- ‌[ضرْب السكّة]

- ‌[نفي الملك السعيد إِلَى الكرك]

- ‌[انحياز سُنْقر إِلَى قلاوون]

- ‌[القبض على نائب دمشق]

- ‌[عزل قضاة مصر]

- ‌[نيابة سُنْقر بدمشق]

- ‌[سلطنة السلطان الملك المنصور]

- ‌[القبض على ابن القيسراني]

- ‌[تحليف الأمراء]

- ‌[عزل السنجاري عن وزارة مصر]

- ‌[حبس أيدمر الظاهريّ]

- ‌[حجّ الركْب الشامي]

- ‌[موت الملك السعيد]

- ‌[سلطنة سُنْقر الأشقر بدمشق]

- ‌[سلطنة الملك خضر فِي الكرك]

- ‌سنة تسع وسبعين وستمائة

- ‌[استعراض سُنْقر بالسلطنة]

- ‌[انهزام الشاميّين عند غزّة]

- ‌[قدوم ابن مهنا وأمير آل مرّي على سُنْقر]

- ‌[تدريس الأمينيّة]

- ‌[انهزام سُنْقر أمام المصريّين]

- ‌[ولاية ابن سنيّ الدولة قضاء دمشق]

- ‌[التحاق ابن مُهنّا بسُنقر]

- ‌[أحكام القاضي الحلبي بدمشق]

- ‌[عفو السلطان المنصور عن الرعيّة]

- ‌[نيابة السلطنة بدمشق]

- ‌[إعادة ابن خَلِّكان إِلَى القضاء بدمشق]

- ‌[ولاية ابن الحرّاني]

- ‌[مطاردة المصريين سُنْقر الأشقر]

- ‌[نزول الحاج أزدمر بشَيْزر]

- ‌[ولاية ابن النّحاس الدواوين]

- ‌[وقوع الجفل فِي البلاد الحلبية]

- ‌[تواتر العساكر لمواجهة التتار]

- ‌[اتفاق الأمراء مع سُنْقر لقتال التتار]

- ‌[نداء حلبي يائس بنصر الإِسْلَام]

- ‌[تسحُّب الأمراء عن سُنْقر]

- ‌[الخطبة بولاية العهد للملك الصالح]

- ‌[عودة السنجاري وابن لقمان إِلَى منصبيهما]

- ‌[رجوع السلطان من غزّة]

- ‌[إعادة القضاة إِلَى مناصبهم بمصر]

- ‌[هزيمة طائفة من الشاميّين أمام الفرنج بالمرقَب]

- ‌[خروج السلطان إِلَى الشام]

- ‌[البَرَد بمصر]

- ‌[الصاعقة بالجبل الأحمر]

- ‌[الصاعقة بالإسكندرية]

- ‌[مراسلة أَهْل عَكَا بالهدنة]

- ‌[قدوم ابن مُهنّا على السلطان]

- ‌[وزارة ابن مزهر بدمشق]

- ‌سنة ثمانين وستمائة

- ‌[كشف مؤامرة الفتك بالسلطان]

- ‌[جرح الأمير طقصو]

- ‌[حبْس أمراء بقلعة دمشق]

- ‌[دخول السلطان دمشق]

- ‌[مصالحة السلطان وسُنقر الأشقر]

- ‌[إدارة الخمور بدمشق ومصر وإبطالها]

- ‌[مصالحة السلطان والملك خضر]

- ‌[إقامة العزاء بالملك السعيد]

- ‌[عزل ابن البيّع ووزارة ابن السنهوري]

- ‌[الأخبار بخروج التتار]

- ‌[وقعة حمص [1]]

- ‌[دخول السّلطان القاهرة]

- ‌[ولاية شدّ الدواوين]

- ‌[موت ملك التتار]

- ‌[القبض على أميرين بمصر]

- ‌[فتح المدرسة الجوهرية]

- ‌الثلج والبرد والجليد ببعلبكّ]

- ‌[الاستسقاء بصحراء دمشق]

- ‌[إرسال بنات الملك الظاهر إِلَى الكَرَك]

- ‌[جفاف تربة ببولاق وغلاء الماء]

- ‌[الإفراج عن السنجاري]

- ‌[تدريس ابن الزملكاني بالأمينية

- ‌المتوفّون في هذه الطبقة

- ‌سنة إحدى وسبعين وستّمائة هجرية

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الشين

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌سنة اثنتين وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الصاد

- ‌ حرف الضاد

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الكاف

- ‌ حرف اللام

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف اللام ألف

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌سنة ثلاث وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف الخاء

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف الزاي

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الشين

- ‌ حرف الصاد

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف النون

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌سنة أربع وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف الخاء

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الصاد

- ‌ حرف الطاء

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الفاء

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف النون

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌سنة خمس وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف الثاء

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الشين

- ‌ حرف الطاء

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الفاء

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف النون

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌سنة ست وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف التاء

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف الخاء

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف الزاي

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الشين

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الفاء

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف النون

- ‌ حرف الْيَاءِ

- ‌فصل

- ‌الكنى

- ‌سنة سبْعٍ وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف الخاء

- ‌ حرف الزاي

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الطاء

- ‌ حرف الظاء

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الغين

- ‌ حرف الفاء

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف الهاء

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌سنة ثمان وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف الشين

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الفاء

- ‌ حرف القاف

- ‌ حرف اللام

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف الياء

- ‌سنة تسع وسبعين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الدال

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف الصاد

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌سنة ثمانين وستمائة

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف التاء

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الصاد

- ‌ حرف الضاد

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف القاف

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف النون

- ‌ حرف الواو

- ‌ حرف الهاء

- ‌ حرف الياء

- ‌الكنى

- ‌ذِكر جماعة انقطع خبرهم فِي هَذَا العام

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الميم

- ‌الكنى والألقاب

الفصل: قَالَ: وكان إذا ذكر الصّالحين ذكرهم بتعظيم وتوقير، وذكر مناقبهم

قَالَ: وكان إذا ذكر الصّالحين ذكرهم بتعظيم وتوقير، وذكر مناقبهم وكراماتهم، فذكر لي شيخنا وليّ الدّين عليّ المقيم ببيت لِهْيا قَالَ: مرضتُ بالنِّقْرِس فعادني الشَّيْخ محيي الدّين، فَلَمَّا جلس شرع يتكلَّم في الصّبر، فبقي كلما تكلّم جعل الألم يذهب قليلا قليلا. فلم يزل يتكلّم حَتَّى زال جميع الألم. وكنت لا أنام فِي اللّيل، فعرفت أنّ زوال الألم من بركته.

وقال الشَّيْخ رشيد الدّين ابن المعلّم. عذلتُ الشَّيْخ فِي عدم دخول الحمّام، وتضييق عيشه فِي أكله ولبْسه وأحواله، وقلت: أخشى عليك مرضا يُعطّلك عن أشياء أفضل ممّا تقصده.

فقال: أن فلانا صامَ وعبد الله حَتَّى اخضرّ. فعرفتُ أنّه ليس له غرض فِي المُقام فِي دارنا هَذِهِ، ولا يلتفت إِلَى ما نَحْنُ فِيهِ.

قَالَ: ورأيت رجلا قشّر خيارة ليُطعمه إيّاها، فامتنع وقال: أخشى أن ترطّب جسمي وتجلب النّوم.

قَالَ: وكان لا يأكل فِي اليوم واللّيلة إلّا أكلة بعد العشاء الآخرة. ولا يشرب إلّا شُربةً واحدة عند السَّحَر. ولا يشرب الماء المبرَّد، ولا يأكل فاكهة، فسألته عن ذلك فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك المحجوز عليهم، والتّصرّف لهم لا يجوز إلّا على وجه الغبطة، والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف والنّاس لا يفعلونها إلّا على جزءٍ من ألف جزء لمالكٍ فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك؟

وقال لي شيخنا مجد الدّين أبو عَبْد الله بن الظّهير: ما وصل بالشّيخ تقي الدّين ابن الصّلاح إِلَى ما وصل إليه الشَّيْخ محيي الدّين من العِلم فِي الفِقْه والحديث واللّغة وعذوبة اللّفْظ.

‌فصل

وقد نفع الله تعالى الأمَّة بتصانيفه، وانتشرت فِي الأقطار، وجُلبت إِلَى

ص: 252

الأمصار، فمنها:«المنهاج في شرح مسلم» ، و «كتاب الأذكار» ، و «كتاب رياض الصّالحين» ، و «كتاب الأربعين حديثا» ، و «كتاب الإرشاد» في علوم الحديث، و «كتاب التّيسير» في مختصر الإرشاد المذكور، و «كتاب المبهمات» ، و «كتاب التّحرير في ألفاظ التّنبيه» ، و «العمدة في صحيح التّنبيه» ، و «الإيضاح» في المناسك، و «الإيجاز» فِي المناسك، وله أربع مناسك أُخَر.

وكتاب «التّبيان فِي آداب حملة القرآن» ، وفتاوى له. و «الرّوضة» في أربع مجلّدات، و «المنهاج» في المذهب، و «المجموع» فِي شرح المهذّب، بلغ فِيهِ إِلَى باب المطرة فِي أربع مجلّدات كِبار. وشَرَح قطعة من الْبُخَارِيّ، وقطعة جيّدة من أوّل «الوسيط» ، وقطعة فِي «الأحكام» ، وقطعة كبيرة فِي «تهذيب الأسماء واللّغات» ، وقطعة مسوّدة فِي طبقات الفُقهاء، وقطعة فِي التّحقيق فِي الفِقْه، إِلَى باب صلاة المسافر.

قَالَ ابن العطّار: وله مُسَوَّدات كثيرة، ولقد أمرني مرّة ببيع كراريس نحو ألف كرّاس بخطّه، وأمرني بأن أقف على غسْلها فِي الوراقة، فلم أخالف أمره، وَفِي قلبي منها حَسَرات.

وقد وقف الشَّيْخ رشيد الدّين الفارقيّ على «المنهاج» فقال:

اغتنى بالفضل يحيى فاغتنى

عن بسيط بوجيز نافعِ

وتحلّى بتُقاه وفضله

فتجلّى بلطيف جامعِ

ناصبا أعلام علم جازما

بمقالٍ رافعا للرافعي

فكأنّ ابن صلاح حاضرٌ

وكأنّ ما غاب عنّا الشّافعي

وكان لا يقبل من أحدٍ شيئا إلّا فِي النّادر ممّن لا له به عُلقة مِن إقراء.

أهدى له فقير مرّة إبريقا فقبِله. وعزم عليه الشَّيْخ برهان الدّين الإسكندرانيّ أن يُفطر عنده فِي رمضان فقال: أحضر الطّعام إِلَى هنا ونفطر جملة. قَالَ أبو الْحَسَن: فأفطرنا ثلاثتنا على لونين من طعام أو أكثر.

وكان الشَّيْخ يجمع إدامين ببعض الأوقات. وكان أمّارا بالمعروف نهّاء

ص: 253

عَن المنكر، لَا تأخذه فِي اللَّه لومةُ لائم. يواجه الملوك والجبابرة بالإنكار، وَإِذَا عجز عن المواجهة كتب الرسائل. فممّا كتبه وأرسلني فِي السّعي فِيهِ وهو يتضمَّن العدل فِي الرّعيّة وإزالة المكوس. وكتَب معه فِي ذلك شيوخنا الشَّيْخ شمس الدّين، والزّواويّ، والشّريْشيّ، والشيخ إبراهيم بن الأرمويّ، والخطيب ابن الحَرَسْتانيّ، ووضعها فِي ورقة إِلَى الخَزْنَدَار، فيها:

من عَبْد الله يحيى النّواويّ، سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن، ملك الأمراء بدْر الدّين أدام الله له الخيرات، وتولّاه بالحسنات، وبلّغه من خيرات الدُّنيا والآخرة كلّ آماله، وبارك له فِي جميع أحواله آمين، وينهى إِلَى العلوم الشريفة أنّ أَهْل الشّام فِي ضيقٍ وضعف حال بسبب قلّة الأمطار وغلاء الأسعار.. وذكر فصلا طويلا فلمّا وقف على ذلك أوصل الورقة الّتي فِي طيّها إِلَى السّلطان، فردّ جوابها ردّا عنيفا مؤلما، فتنكّدت خواطر الجماعة.

وله غير رسالة إِلَى الملك الظّاهر فِي الأمر بالمعروف.

قَالَ ابن العطّار: وقال لي المحدّث أبو الْعَبَّاس بْن فرح، وكان له ميعادان فِي الجمعة على الشَّيْخ يشرح عليه فِي الصّحيحين، قَالَ: كان الشَّيْخ محيي الدّين قد صار إليه ثلاث مراتب، كلّ مرتبة منها لو كَانَتْ لشخصٍ شُدّت إليه الرحال. المرتبة الأولى: العِلم. والثّانية: الزُّهد. والثّالثة: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

سافر الشَّيْخ إِلَى نوى وزار القدس والخليل وعاد إِلَى نوى، وتمرّض عند أَبِيهِ. قَالَ ابن العطّار: فذهبتُ لعيادته ففرح ثُمَّ قَالَ لي: ارجع إِلَى أهلك. وودّعته وقد أشرف على العافية، وذلك يوم السّبت. ثُمَّ تُوُفِّيَ ليلة الأربعاء.

قَالَ: فبينا أَنَا نائم تلك اللّيلة إذ منادٍ ينادي على سُدّة جامع دمشق فِي يوم جمعة: الصّلاة على الشَّيْخ ركن الدّين الموقّع. فصاح النّاس لذلك.

فاستيقظت فقلت: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. فَلَمَّا كان آخر يوم الخميس جاءنا وفاته، فنودي يوم الجمعة بعد الصّلاة بموته، وصُلِّيَ عليه صلاة الغائب.

ص: 254

قَالَ الشَّيْخ قُطْبُ الدّين [1] : وَفِي ليلة الأربعاء رابع وعشرين رجب تُوُفِّيَ الشَّيْخ محيي الدّين النّووي صاحب التّصانيف بنوى ودُفن بها [2] . وكان أوحد زمانه فِي الورع والعبادة والتّقلل وخشونة العيش والأمر بالمعروف.

واقَفَ الملك الظّاهر بدار العدل غير مرّة، وحُكي عن الملك الظّاهر أنّه قَالَ: أَنَا أفزع منه.

وكانت مقاصده جميلة. وُلّي مشيخة دار الحديث.

قلت: وُلّيها بعد موت أبي شامة سنة خمسٍ وستّين وإلى أن مات.

وقال شمس الدّين ابن الفخر: كان إماما، بارعا، حافظا. مُفْتيًا، أتقن علوما شتّى، وصنَّف التّصانيف الجمّة. وكان شديد الورع والزّهد. ترك جميع مَلاذّ الدُّنيا من المأكول إلّا ما يأتيه به أَبُوهُ من كعك يابس وتين حَورانيّ، والملبس إلّا الثّياب الرّثّة المرقَّعة. ولم يدخل الحمّام. وترك الفواكه جميعها.

وكان أمّارا بالمعروف ناهيا عن المنكر على الأمراء والملوك والنّاس عامّة، فنسأل الله أن يرضى عَنْهُ وأن يرضى عنّا به [3] .

[1] في ذيل مرآة الزمان 3/ 283.

[2]

وقد أنشد ابن الوردي فيه يرثيه:

لقيت خيرا يا نوى

وحرست من ألم النوى

فلقد نشا بك زاهد

في العلم أخلص ما نوى

وعلى عداه فضله

فضل الحبوب على النوى

[3]

وقال شهاب الدين النويري: «لم يكن في زمانه مثله في ورعه وزهده، وكان لا يأكل إلّا مما يأتيه من جهة أبيه من نوى، فكان يخبز له الخبز بها ويقمّر ويرسل إليه فيأكل منه، وما كان يجمع بين إدامين، فيأكل إمّا الدبس أو الخلّ أو الزيت أو الزبيب، ويأكل اللحم في كل شهر مرة. وكان يتولّى دار الحديث الأشرفية، فيجمع المباشر للوقف جامكيّته بها، ثم يستأذنه فيما يفعل بها إذا اجتمعت، فتارة يشتري بها ملكا ويوقفه على المكان، وتارة يشتري بها كتبا ويوقفها ويجعلها في خزانة المدرسة المذكورة. وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا يأكل لأحد من أهل دمشق طعاما ولا غيره، وكان- رحمه الله تعالى- يواجه السلطان الملك الظاهر بالإنكار عليه في أفعاله، ويلاطفه السلطان ويحمل جفوة كلامه ويخاطبه: يا سيّدي. رحمه الله تعالى» . (نهاية الأرب 30/ 384) .

ص: 255

وذِكرْ مناقبه يطول. وتَرَكَ جميع الجهات الدّنياويّة ولم يكن يتناول من جهةٍ من الجهات دِرهمًا فردا.

وحكى لنا الشَّيْخ أبو الْحَسَن بْن العطّار أنّ الشَّيْخ قلع ثوبه ففلّاه بعض الطَّلَبة، وكان فِيهِ قملٌ فنهاه وقال: دعه.

قلت: وكان فِي ملبسه مثل آحاد الفقهاء من الحوارنة لا يؤبه به. عليه شبخْتانيّة صغيرة، ولحيته سوداء فيها شعرات بيض، وعليه هيبة وسكينة.

وكان لا يتعاني لَفْظ الفُقهاء وعياطهم فِي البحث، بل يتكلّم بتؤدة وسمْت ووقار.

وقد رثاه غيرُ واحد يبلغون عشرين نفْسًا بأكثر من ستّمائة بيت، منهم:

مجد الدّين ابن الظّهير، وقاضي القضاة نجم الدّين ابن صَصْرَى، ومجد الدّين ابن المهتار، وعلاء الدّين الكِنْديّ الكاتب، والعفيف التِّلمْسانيّ الصُّوفيّ الشّاعر.

وأراد أقاربه أن يبنوا عليه قبّة فرأته عمّته، أو قرابةٌ له، فِي النّوم فقال لها: قولي لهم لا يفعلوا هَذَا الَّذِي قد عزموا عليه، فإنّهم كلّما بَنَوا شيئا تهدَّم عليهم. فانتبهتْ منزعجة وحدَّثتهم، وحوّطوا على قبره حجارة تردّ الدّوابّ.

قَالَ أبو الْحَسَن: وقال لي جماعة بنَوَى أنهم سألوه يوما أن لا ينساهم فِي عَرَصات القيامة، فقال لهم: إن كان لي ثُمَّ جاهٌ، واللهِ لا دخلتُ الجنّة وأحدٌ مِمَّنْ أعرفه ورائي.

قلت: ولا يحتمل كتابنا أكثر ممّا ذكرنا من سيرة هَذَا السّيّد رحمة الله عليه. وكان مذهبه فِي الصّفات السّمعية السّكوت وإمرارها كما جاءت. وربّما تأوَّل قليلا في شرح مسلم، رحمه الله تعالى [1] .

[1] جاء في هامش الأصل: ث. لم يرض التاج السبكي عن المؤلف بهذه الترجمة وكتب على خطه هنا حاشية.

ص: 256