الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ: وكان إذا ذكر الصّالحين ذكرهم بتعظيم وتوقير، وذكر مناقبهم وكراماتهم، فذكر لي شيخنا وليّ الدّين عليّ المقيم ببيت لِهْيا قَالَ: مرضتُ بالنِّقْرِس فعادني الشَّيْخ محيي الدّين، فَلَمَّا جلس شرع يتكلَّم في الصّبر، فبقي كلما تكلّم جعل الألم يذهب قليلا قليلا. فلم يزل يتكلّم حَتَّى زال جميع الألم. وكنت لا أنام فِي اللّيل، فعرفت أنّ زوال الألم من بركته.
وقال الشَّيْخ رشيد الدّين ابن المعلّم. عذلتُ الشَّيْخ فِي عدم دخول الحمّام، وتضييق عيشه فِي أكله ولبْسه وأحواله، وقلت: أخشى عليك مرضا يُعطّلك عن أشياء أفضل ممّا تقصده.
فقال: أن فلانا صامَ وعبد الله حَتَّى اخضرّ. فعرفتُ أنّه ليس له غرض فِي المُقام فِي دارنا هَذِهِ، ولا يلتفت إِلَى ما نَحْنُ فِيهِ.
قَالَ: ورأيت رجلا قشّر خيارة ليُطعمه إيّاها، فامتنع وقال: أخشى أن ترطّب جسمي وتجلب النّوم.
قَالَ: وكان لا يأكل فِي اليوم واللّيلة إلّا أكلة بعد العشاء الآخرة. ولا يشرب إلّا شُربةً واحدة عند السَّحَر. ولا يشرب الماء المبرَّد، ولا يأكل فاكهة، فسألته عن ذلك فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك المحجوز عليهم، والتّصرّف لهم لا يجوز إلّا على وجه الغبطة، والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف والنّاس لا يفعلونها إلّا على جزءٍ من ألف جزء لمالكٍ فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك؟
وقال لي شيخنا مجد الدّين أبو عَبْد الله بن الظّهير: ما وصل بالشّيخ تقي الدّين ابن الصّلاح إِلَى ما وصل إليه الشَّيْخ محيي الدّين من العِلم فِي الفِقْه والحديث واللّغة وعذوبة اللّفْظ.
فصل
وقد نفع الله تعالى الأمَّة بتصانيفه، وانتشرت فِي الأقطار، وجُلبت إِلَى
الأمصار، فمنها:«المنهاج في شرح مسلم» ، و «كتاب الأذكار» ، و «كتاب رياض الصّالحين» ، و «كتاب الأربعين حديثا» ، و «كتاب الإرشاد» في علوم الحديث، و «كتاب التّيسير» في مختصر الإرشاد المذكور، و «كتاب المبهمات» ، و «كتاب التّحرير في ألفاظ التّنبيه» ، و «العمدة في صحيح التّنبيه» ، و «الإيضاح» في المناسك، و «الإيجاز» فِي المناسك، وله أربع مناسك أُخَر.
وكتاب «التّبيان فِي آداب حملة القرآن» ، وفتاوى له. و «الرّوضة» في أربع مجلّدات، و «المنهاج» في المذهب، و «المجموع» فِي شرح المهذّب، بلغ فِيهِ إِلَى باب المطرة فِي أربع مجلّدات كِبار. وشَرَح قطعة من الْبُخَارِيّ، وقطعة جيّدة من أوّل «الوسيط» ، وقطعة فِي «الأحكام» ، وقطعة كبيرة فِي «تهذيب الأسماء واللّغات» ، وقطعة مسوّدة فِي طبقات الفُقهاء، وقطعة فِي التّحقيق فِي الفِقْه، إِلَى باب صلاة المسافر.
قَالَ ابن العطّار: وله مُسَوَّدات كثيرة، ولقد أمرني مرّة ببيع كراريس نحو ألف كرّاس بخطّه، وأمرني بأن أقف على غسْلها فِي الوراقة، فلم أخالف أمره، وَفِي قلبي منها حَسَرات.
وقد وقف الشَّيْخ رشيد الدّين الفارقيّ على «المنهاج» فقال:
اغتنى بالفضل يحيى فاغتنى
…
عن بسيط بوجيز نافعِ
وتحلّى بتُقاه وفضله
…
فتجلّى بلطيف جامعِ
ناصبا أعلام علم جازما
…
بمقالٍ رافعا للرافعي
فكأنّ ابن صلاح حاضرٌ
…
وكأنّ ما غاب عنّا الشّافعي
وكان لا يقبل من أحدٍ شيئا إلّا فِي النّادر ممّن لا له به عُلقة مِن إقراء.
أهدى له فقير مرّة إبريقا فقبِله. وعزم عليه الشَّيْخ برهان الدّين الإسكندرانيّ أن يُفطر عنده فِي رمضان فقال: أحضر الطّعام إِلَى هنا ونفطر جملة. قَالَ أبو الْحَسَن: فأفطرنا ثلاثتنا على لونين من طعام أو أكثر.
وكان الشَّيْخ يجمع إدامين ببعض الأوقات. وكان أمّارا بالمعروف نهّاء
عَن المنكر، لَا تأخذه فِي اللَّه لومةُ لائم. يواجه الملوك والجبابرة بالإنكار، وَإِذَا عجز عن المواجهة كتب الرسائل. فممّا كتبه وأرسلني فِي السّعي فِيهِ وهو يتضمَّن العدل فِي الرّعيّة وإزالة المكوس. وكتَب معه فِي ذلك شيوخنا الشَّيْخ شمس الدّين، والزّواويّ، والشّريْشيّ، والشيخ إبراهيم بن الأرمويّ، والخطيب ابن الحَرَسْتانيّ، ووضعها فِي ورقة إِلَى الخَزْنَدَار، فيها:
من عَبْد الله يحيى النّواويّ، سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن، ملك الأمراء بدْر الدّين أدام الله له الخيرات، وتولّاه بالحسنات، وبلّغه من خيرات الدُّنيا والآخرة كلّ آماله، وبارك له فِي جميع أحواله آمين، وينهى إِلَى العلوم الشريفة أنّ أَهْل الشّام فِي ضيقٍ وضعف حال بسبب قلّة الأمطار وغلاء الأسعار.. وذكر فصلا طويلا فلمّا وقف على ذلك أوصل الورقة الّتي فِي طيّها إِلَى السّلطان، فردّ جوابها ردّا عنيفا مؤلما، فتنكّدت خواطر الجماعة.
وله غير رسالة إِلَى الملك الظّاهر فِي الأمر بالمعروف.
قَالَ ابن العطّار: وقال لي المحدّث أبو الْعَبَّاس بْن فرح، وكان له ميعادان فِي الجمعة على الشَّيْخ يشرح عليه فِي الصّحيحين، قَالَ: كان الشَّيْخ محيي الدّين قد صار إليه ثلاث مراتب، كلّ مرتبة منها لو كَانَتْ لشخصٍ شُدّت إليه الرحال. المرتبة الأولى: العِلم. والثّانية: الزُّهد. والثّالثة: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
سافر الشَّيْخ إِلَى نوى وزار القدس والخليل وعاد إِلَى نوى، وتمرّض عند أَبِيهِ. قَالَ ابن العطّار: فذهبتُ لعيادته ففرح ثُمَّ قَالَ لي: ارجع إِلَى أهلك. وودّعته وقد أشرف على العافية، وذلك يوم السّبت. ثُمَّ تُوُفِّيَ ليلة الأربعاء.
قَالَ: فبينا أَنَا نائم تلك اللّيلة إذ منادٍ ينادي على سُدّة جامع دمشق فِي يوم جمعة: الصّلاة على الشَّيْخ ركن الدّين الموقّع. فصاح النّاس لذلك.
فاستيقظت فقلت: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. فَلَمَّا كان آخر يوم الخميس جاءنا وفاته، فنودي يوم الجمعة بعد الصّلاة بموته، وصُلِّيَ عليه صلاة الغائب.
قَالَ الشَّيْخ قُطْبُ الدّين [1] : وَفِي ليلة الأربعاء رابع وعشرين رجب تُوُفِّيَ الشَّيْخ محيي الدّين النّووي صاحب التّصانيف بنوى ودُفن بها [2] . وكان أوحد زمانه فِي الورع والعبادة والتّقلل وخشونة العيش والأمر بالمعروف.
واقَفَ الملك الظّاهر بدار العدل غير مرّة، وحُكي عن الملك الظّاهر أنّه قَالَ: أَنَا أفزع منه.
وكانت مقاصده جميلة. وُلّي مشيخة دار الحديث.
قلت: وُلّيها بعد موت أبي شامة سنة خمسٍ وستّين وإلى أن مات.
وقال شمس الدّين ابن الفخر: كان إماما، بارعا، حافظا. مُفْتيًا، أتقن علوما شتّى، وصنَّف التّصانيف الجمّة. وكان شديد الورع والزّهد. ترك جميع مَلاذّ الدُّنيا من المأكول إلّا ما يأتيه به أَبُوهُ من كعك يابس وتين حَورانيّ، والملبس إلّا الثّياب الرّثّة المرقَّعة. ولم يدخل الحمّام. وترك الفواكه جميعها.
وكان أمّارا بالمعروف ناهيا عن المنكر على الأمراء والملوك والنّاس عامّة، فنسأل الله أن يرضى عَنْهُ وأن يرضى عنّا به [3] .
[1] في ذيل مرآة الزمان 3/ 283.
[2]
وقد أنشد ابن الوردي فيه يرثيه:
لقيت خيرا يا نوى
…
وحرست من ألم النوى
فلقد نشا بك زاهد
…
في العلم أخلص ما نوى
وعلى عداه فضله
…
فضل الحبوب على النوى
[3]
وذِكرْ مناقبه يطول. وتَرَكَ جميع الجهات الدّنياويّة ولم يكن يتناول من جهةٍ من الجهات دِرهمًا فردا.
وحكى لنا الشَّيْخ أبو الْحَسَن بْن العطّار أنّ الشَّيْخ قلع ثوبه ففلّاه بعض الطَّلَبة، وكان فِيهِ قملٌ فنهاه وقال: دعه.
قلت: وكان فِي ملبسه مثل آحاد الفقهاء من الحوارنة لا يؤبه به. عليه شبخْتانيّة صغيرة، ولحيته سوداء فيها شعرات بيض، وعليه هيبة وسكينة.
وكان لا يتعاني لَفْظ الفُقهاء وعياطهم فِي البحث، بل يتكلّم بتؤدة وسمْت ووقار.
وقد رثاه غيرُ واحد يبلغون عشرين نفْسًا بأكثر من ستّمائة بيت، منهم:
مجد الدّين ابن الظّهير، وقاضي القضاة نجم الدّين ابن صَصْرَى، ومجد الدّين ابن المهتار، وعلاء الدّين الكِنْديّ الكاتب، والعفيف التِّلمْسانيّ الصُّوفيّ الشّاعر.
وأراد أقاربه أن يبنوا عليه قبّة فرأته عمّته، أو قرابةٌ له، فِي النّوم فقال لها: قولي لهم لا يفعلوا هَذَا الَّذِي قد عزموا عليه، فإنّهم كلّما بَنَوا شيئا تهدَّم عليهم. فانتبهتْ منزعجة وحدَّثتهم، وحوّطوا على قبره حجارة تردّ الدّوابّ.
قَالَ أبو الْحَسَن: وقال لي جماعة بنَوَى أنهم سألوه يوما أن لا ينساهم فِي عَرَصات القيامة، فقال لهم: إن كان لي ثُمَّ جاهٌ، واللهِ لا دخلتُ الجنّة وأحدٌ مِمَّنْ أعرفه ورائي.
قلت: ولا يحتمل كتابنا أكثر ممّا ذكرنا من سيرة هَذَا السّيّد رحمة الله عليه. وكان مذهبه فِي الصّفات السّمعية السّكوت وإمرارها كما جاءت. وربّما تأوَّل قليلا في شرح مسلم، رحمه الله تعالى [1] .
[1] جاء في هامش الأصل: ث. لم يرض التاج السبكي عن المؤلف بهذه الترجمة وكتب على خطه هنا حاشية.