الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (22)
* * *
* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)} [النور: 22].
* * *
قَوْلهُ: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [قَالَ أبو بَكر: بَلى أنا أحِبُّ أن يَغفِر الله لِي وَرَجَّعَ إلَى مِسْطح مَا كَان يُنفِقهُ عَليْهِ] اهـ.
قَوْلهُ: {أَلَا تُحِبُّونَ} هل هَذَا عرض أو تحْضيض؟
الجواب: هو عرض لكنَّه بمَعْنى التَّحضيض، يعني يحضنا أن نحب هَذَا الشَّيء وهو مَغْفِرة الله، ويلْزَم من محبَّة المغْفِرة السَّعي في أسباب حصولها، ولَيْسَ المَقْصُود أن نحب هَذَا الشَّيء فقط بل أن نسعى في أسبابه؛ لأَن من أحب شيئًا سعى في أسباب الحصول عليه.
فقد يَدَّعِي هَذَا كُلُّ واحدٍ يَقُول: أنا أحب أن يُغْفَر لي ومع ذَلِك هو منهمك في المعَاصِي مِنْ ترك الواجب وفعل المحرم وهو يَقُول: أنا أحب أن يغفر لي، ومحبته هَذه لَيْسَت صادِقَة لأَن من أحب شيئًا سعى في الوصول إلَيْه ولهذَا قَالَ اللهُ تعالى:{أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} فإذا كنتم تحبون ذَلِك فاعفوا واصفحوا عن غيركم، فإن من عفا وصفح عن غيره غفر الله له.
وقَوْلهُ: {أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر مَعَ مِسْطَح بن أثاثَةَ ابْنِ خَالَتِهِ]. اهـ.
ولكن العبرة بعُموم اللَّفْظ لا بخصوص السّبب.
قَوْلهُ: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الغَفور مأخُوذ من المغْفِرة، وهي ستر الذَّنب مع التَّجاوز عنه، ولَيْسَ مطلق السِّتر بل مع التَّجاوُز، أما السِّتر بدون تجاوز فلَيْسَ بمَغْفِرة، وإنما قُلْنا: إنما هي السِّتر مع التَّجاوُز لأَن التَّجاوُز هو الَّذِي به الوقاية من الْعَذَاب وأصل ذَلِك من المِغفر فإن المغفر يستر الرَّأْسَ ويقيه، ويدُلّ أيضًا على أن المغْفِرة هي السِّتر مع الوقاية أنَّه جاء في الحديث الصَّحيح عن النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام:"أَنَّ اللهَ يَخْلُو بِعَبْده المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَرِّرْهُ بذُنُوبِهِ، حَتَّى إِذَا أقرَّ بِهَا قَالَ اللهُ: قَدْ سَتْرَتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأنا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْم"
(1)
.
فدل ذَلِك على أن المغْفِرة غير السِّتر وإلا لكانت المغْفِرة من قبل في الدّنْيَا لكنَّه ستر مع عدم العُقوبَة، يعني السِّتر مع التَّجاوُز، فالمغْفِرة شَيْء والسِّتر شَيْء آخر، لكن كُلّ مَغْفِرة تتضمن السِّتر، ولَيْسَ كُلّ سترٍ يتضمَّنُ المغْفِرةَ؛ لأنَّ مَنْ غفر لك ولم يعاقبْكَ معناه أنَّه ستر عَليْك، إِذْ لو عاقبك لفضحك.
إذا قَالَ قَائِل: إِذَا فعل الْإِنْسَان خطيئة وافتضح في الدُّنْيَا هل يُعد هَذَا سترًا؟
الجواب: في هَذه الحال إِذَا فُضح ثم غُفر له صَارَ سترًا؛ لأنَّه إِذَا افتضح عند معاصريه وعند من حوله ولم يغفر له معناه أنَّه افتضح عند جميع النَّاس، فإذا افتضح
(1)
أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله:{وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا} ويقول: الأشهاد هَؤُلَاءِ الذين كذبوا، حديث رقم (4685)، ومسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، حديث رقم (2768)، عن ابن عمر.
عند قومه ثم غفر له فمعناه أنَّه ستر عن أكثر النَّاس لأَن أكثر النَّاس غير معاصرين له.
إذا قَالَ قَائِل: ما الفَرْق بين العَفو والصَّفْح؟
الجواب: العَفو بمَعْنى التَّجاوُز، يعني أن الله إِذَا عفا عنه فقد تجاوز عنه، وقد يَكُون الصَّفح بدون عفو كما لو أعرض الْإِنْسَان عن هَذَا الاعتداء لكن قلبه مملوء على صاحبه ولم يعفُ عنه، وقد يَكُون العَفو بدون صفح بأن يتجاوز ولا يعاقبه على ذنبه ولكنه لَيْسَ معرضًا عن هَذَا الذم كلما جاءت مناسبة ذكره، ولهذَا أمر الله بالْأَمْرين جميعًا.
قَوْلهُ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} هَذَا نظير قَوْلهُ تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)} [التغابن: 14]، ففرق الله تَعَالَى بين العَفو والصَّفْح.
لو قَالَ قَائِلٌ: هل العَفو والصَّفْح يَكُون من الله جَلَّ وَعَلَا؟
الجواب: العَفو كما تقدَّم بمَعْنى التَّجاوُز، وعفا الله عنه بمَعْنى تجاوز عنه، والله جلَّ وَعَلَا لا يَقُول: صفحت عنكم، وإنما الصفح فيما نؤمر به، وأما الله عز وجل فلا أذكر الآن أن يقال: صفح الله عنه، بل يَقُول: عفا عنه، فالصَّفْح والعَفو إِذَا اجتمعا في حق المخْلُوق فإنَّه يُفَصَّل، العَفو بكذا أي بعدم المؤاخذة على الذَّنب، والصَّفْح بالإعراض عنه كلية، وكأنه لم يجر فيَكُون تكميلًا للعفو، وإذا نظرنا إلى معناه الأَصْلي فالعَفو عدم المؤاخذة على الذَّنب، لكن لا أدري هل يُمْكِن أن يَكُون العَفو في حق الله شاملًا الْأَمْرين؟ ! بمَعْنى أن الله يتجاوز عنه نهائيًا ولا يجعل هُناكَ أمورًا خلفية لهذَا العَفو، يعني يُمْكِن أن نقول: إن العَفو في حق الله يشمل الصَّفح.
يَقُول المُفَسِّر رحمه الله: [أبو بَكْر رضي الله عنه رَجَّعَ] أو رجع؟ هل نشدد الجيم أو نخففها؟
الجواب: يصح التخفيف؛ قَالَ اللهُ تعالى: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} [التوبة: 83]، {رَجَعَكَ} بمَعْنى ردّك لأَن رَجَع في الحقيقَة فعل ماض يستعمل متعديًا ولازمًا، فإذا قلت:"رَجَعْتُ من كذا"، فهَذَا لازم، وقلت:"رَجَعْتُ إلى فلان ما استعرته منه"، صَارَ متعديًا، إِذَنْ قَوْل المُفَسِّر رحمه الله:[رَجَع إِلَى مِسْطَح مَا كَانَ يُنْفِقَهُ عَلَيْهِ] بمَعْنى رده فتصح بالتخفيف.
ولِذَلك يَنْبَغِي أن يمرن الطَّالب نفسه على كثرة الاسْتِنْباط من النُّصوص؛ لأنه كم من نص واحد تأخذ منه صفحة من الفوائد والمَسائِل، ويأتي واحد آخر لا يحصِّل منه إلا سطرين، فلِذَلك يَنْبَغِي لطالب العِلْم كما أنَّه يمرن نفسه على كثر المطالعة وقِراءَة الكتب يَنْبَغِي أيضًا أن يمرن نفسه على الاسْتِنْباط من الأدلَّة، وكم من دَليل واحد دل على مئات المَسائِل بحسب فهم الْإِنْسَان، فالَّذِي يرزقه الله فهما يستغني بِذَلِك عن نصوص كَثيرَة لا يحتاج إلى أن يجهد نفسه لتحصيلها ومطالعتها.
والشَّافعيُّ رحمه الله استنبط من قَوْل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "يَا أبا عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ"
(1)
ألف فَائِدَة، وهو حديث كَلِماته قليلة، والنُّغير طائر صغير كَانَ مع الصَّبي الَّذِي يُكنى بهَذه الكنية، يلعب به، فلمَّا مات اغتم هَذَا الصَّبي، مثل عادة الصَّبي إِذَا أمسك عُصفورًا
(1)
أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس، حديث رقم (6129)، ومسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته وحمله، حديث رقم (2155)، عن أنس بن مالك.
يفرح به، فإذا مات عُصفوره يغتم به، حَتَّى إنه في بعض الأَحْيان يلعب به وهو ميت، فالنَّبيّ عليه الصلاة والسلام لما دخل ذات يوم ووجد الصَّبي محزونًا على فقد هَذَا النُّغير قَالَ له:"يَا أبا عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ".
عَلَى كُلِّ حَالٍ اتقوا الله ما استطعتم وفضل الله يؤتيه من يشاء، ولهَذَا لما قَالَ رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "هَلْ عَهِدَ إِلَيْكُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بشَيْءٍ؛ قَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا بِشَيْءٍ إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللهُ فِي الكِتابِ، وَما فِي هَذه الصَّحِيفَةِ
…
"
(1)
وذكر ما في هَذه الصَّحيفة.
الحاصل: أن على طالب العِلْم أن يهتم ويتعلم كَيْفَ يستنبط الفوائد من النُّصوص، وهَذَا من أهم الأَشْيَاء؛ لأَن النَّاس يختلفون في التحصيل العلمي اختلافًا كثيرًا، لَيْسَ بحسب كثرة الاطِّلاع فقط ولكن بحسب كثرة الاطِّلاع وبحسب الفَهْم؛ ويزداد علمهم بسبب اختلافهم في ذَلِك، فالْإِنْسَان الَّذِي أعطاه الله فهمًا في نصوص الكتاب والسُّنَّةِ.
يُمْكِن أن يحصل من النُّصوص القليلة أحكامًا كَثيرَة؛ ولهذَا تجد بعض العُلَماء يستعرض آية ويستنبط منها فوائد كَثيرَة جدًّا وهي واحدة، وعلى العكس من ذَلِك الْاِنْسَان الَّذِي لم يعطه الله فهمًا، قد تَكُون عنْدَه نصوص كَثيرَة، ولا يتفطن لما فيها من الأَحْكام، فيفوته علم كثير فالمهم تمرين الْإِنْسَان نفسه على أخذ الفوائد واسْتِنْباطها من الكتاب والسُّنَّةِ هَذَا يُفيد كثيرًا، ويكثر من علمه وهَذَا الاسْتِنْباط يَكُون من الدَّلالَة الضمنية ودَلالَة المطابقة ودَلالَة الالتزام؛ لأَن الدلالات كما تقدَّم دَلالَة تَضَمّن ومُطَابَقة والْتِزَام.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب كتابة العلم، رقم (111).
فدَلالَة الكَلام على معناه كاملًا تسمى دَلالَة مطابقة، ودلالته على جزء معناه تسمى دَلالَة تضمن، ودلالته على أمر يلْزَم منه وقوع كذا وكذا يسمى دَلالَة الالتزام، فمثلًا إِذَا قلت: هَذَا بيت، هَذه الكَلِمة تدلُّ على كُلِّ البَيْت بغرفه وحجره وسطوحه دَلالَة مطابقة، وكونها تدُلّ على أن فيه حجرة وفيه غرفة وفيه سطح هي دَلالَة تضمن، وكونها تدُلّ على أن له بانيًا بناه هَذه دَلالَة التزام، يعني من لازم وجوده أن يَكُون له بانيًا، فهَذه الدلالات الثَّلاث يختلف فيه النَّاس اختلافًا كثيرًا، وبحسب هَذَا الاختلاف يتسع علم الْإِنْسَان.
مِن فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: إِثْبات أَسْماء الله تَعَالَى وما دلت علَيْه من الصَّفات في هَذه الآية.
الفَائِدة الثَّانية: تحْرِيم الحلف على ترك واجب؛ لأَن إيتاء ذوي القربى من الحقوق الواجبة قَالَ تَعَالَى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الروم: 38]، لكن هُنا يَجب التقييد، فإذا كَانَ الحلف مع ترك مستحب يَكُون الحلف مكروهًا.
لكن لو قَالَ قَائِلٌ: هل النَّفقة على القريب واجبة؟
الجواب: القريب له حق، والنَّفقة لَيْسَت لازمة، النَّفقة شَيْء ثان، النَّفقة لا تجب إلا على الوالد، وحق القريب أعم.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الإساءة من الشَّخص لا توجب إسقاط حُقوقِه فإذا أساء فلَيْسَ معنى ذَلِك أنَّنا نسيء إلَيْه بترك ما يَجب علَيْنا فتكون إساءته علَى نفْسِه، ونحن علَيْنا ما يَجب.
الفَائِدة الرَّابِعَة: وُجوب التعرُّض لمَغْفِرة الله ورضوانه، لقَوْلهُ:{أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} .
الفَائِدة الخَامِسَة: فضيلة أبي بكر رضي الله عنه حيث وصفه الله تَعَالَى بأنه ذو فضل وسعة.
الفَائِدة السادِسَة: أن الهِجْرَة لا تبطل بالمعصية وإن عظمت، لقَوْلهُ:{وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وهَذَا الوصف وصف مدح، ولو بطلت الهِجْرَة بفعل المعْصِيَة هَذه، ما صح أن يبقى هَذا الوصف في حق مِسْطح بن أثاثة.
الفَائِدة السَّابِعَة: أن كمال العَفو يَكُون بالصَّفْح؛ لقَوْلهُ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} .
الفَائِدة الثَّامِنة: قَوْلهُ: {أَلَا تُحِبُّونَ} إما أنَّه عتاب يعني عتابًا لطيفًا لأبي بكر رضي الله عنه أو نقول: إنه حث وحض على طلب المغْفِرة، إِذَا قُلْنا بالأول كَانَ فيه دَليل على فضل أبي بكر حيث خاطبه الله بهَذَا العتاب اللطيف {أَلَا تُحِبُّونَ} يعني ألستم تحبون {أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} .
الفَائِدة التَّاسِعَة: أن العَفو عن المسيئين من أسباب مَغْفِرة الله لقَوْله تَعَالَى: {وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} فدل هَذَا على أن العَفو عن الخلق من أسباب مَغْفِرة الله تبارك وتعالى.
الفَائِدة العاشرة: طلب إظهار فضل الْإِنْسَان إِذَا كَانَ في ذَلِك مصلَحَة.
* * *