الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (61)
* * *
* * *
قَوْلهُ: {عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} ، قَالَ المُفَسِّر رحمه الله:[فِي مُؤَاكَلَة مُقَابِلِيهِمْ] اهـ.
قَوْلهُ: {الْأَعْمَى} هل هي اسم تفضيل أو صفة مشبهة؟
صفة مُشَبَّهة؛ لأَن وصفه ذَلِك، ولَيْسَ معناه أنَّه أعمى من فلان مثلًا، فاسم التفضيل يدُلُّ على شيئين، مُفَضَّلٌ ومُفَضَّلٌ عليه، لكن الأَلْفاظ نحو: الأعمى والأعرج وشبهه يسمونها الصِّفات المشبهة، يعني: باسم الفاعل.
وأما قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72] فإن ظاهره أن أعمى الثَّانية اسم تفضيل، يعني: أَشَدُّ عمًى وأَضَلّ سبيلًا،
لكن المعْرُوف خصوصًا عند البصريين أن هَذِهِ صفة مشبهة، وأنه لا يجوز أن يُصاغ اسم التفضيل من ذي صفة مشبهة على وزن أَفْعَل، أما الكوفيون فيَقُولُونَ إنه لا بأس أن تقول: فلان أعرج من فلان، وفلان أعمى من فلان. وقولهم أصح؛ لأَن هَذَا شَيْء يدخله الذوق، فلا مانع منه، إنما المُراد هُنا بالأعمى الصِّفة المشبهة.
قَوْلهُ: {وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ} الأعرج: هو الَّذِي لا يمشي مشيًا مستقيمًا.
وقَوْلهُ: {وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ} المريض: هو الَّذِي خرجت صحته عن الاعتدال؛ فكل من خرجت صحته عن الاعتدال فهو مريض، وتختلف الْأَمْراض، لكن لَيْسَ على المريض حرج في أي شَيْء؟
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [فِي مُؤَاكَلَة مُقَابِلِيهِمْ].
مقابل الأعمى البصير، ومقابل الأعرج السَّليم، ومقابل المريض الصَّحيح؛ يعني أنَّه لَيْسَ على الأعمى حرج إِذَا أكل مع البصير لَيْسَ علَيْه حرج، لكن هل هَذَا فيه حرج؟
هَذَا شَيْء واضح لا يحتاج إلى نفي الحرج عنه، لكن يُقال: إنهم كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى؛ يَقُولُونَ: لأَنَّنا إِذَا أكلنا معه نأكل الزَّيْن ونُبْقِي الشَّيْن، ومن جهة أُخْرَى الأعمى أيضًا يتحرج من الأكل مع البصير؛ لأنَّه يَقُول: إِذَا أكلت مع البصير أخاف أن آكل أكثر منه.
فعلى الرأي الأوَّل يَكُون قَوْلهُ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى} يعني: لَيْسَ في الأعمى، أي: بمؤاكلته {حَرَجٌ} .
كَذلِكَ المريض لَيْسَ على المريض حرج إِذَا أكل مع الصَّحيح، لا يُقال: إن في ذَلِك حرج؛ لأَن الصَّحيح يأكل أكثر، وكَذلِك الأعرج، الأعرج لا بأس أن يأكل
مع الصَّحيح ولا حرج عليه؛ لأَنَّه قد يَقُول الأعرج: أنا رجلي مائلة، وإذا قعدت أخذت مكان رجلين، فلَيْسَ علَيْه حرج. هَذَا ما ذهب إلَيْه بعضهم؛ أن المراد: لَيْسَ عليهم حرج في الأكل مع غيرهم، وعلى هَذَا تَكُون {عَلَى} في قَوْلهُ:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى} مَعْنى: (في)؛ يعني: لَيْسَ في الأعمى حرجٌ في مؤاكلَتِه، ولا في الأعرج حرجٌ، ولا في المريض حرج.
وقال آخرون: المراد: الجهاد؛ {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} يعني: في ترك الجهاد، ولا على الأعرج حرج في ترك الجهاد، ولا على المريض حرج في ترك الجهاد، قالوا: والدَّليل على ذَلِك أن الله ذكر بعد هَذِهِ الآية قَوْلهُ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62] إلى آخر الآيَات؛ فإنها في الجهاد، وتكون هَذِهِ الآيَات مقدّمة لذكر الجهاد، ولكن صُدّرت بها آية الأكل من البُيُوت المذكورة للتمهيد والتوطئة والتَّنْبيه؛ لأنَّه إِذَا جاء كلام في غير محَلِّه المرتقب لا بُدَّ أن ينتبه ويبحث عن السَّبَب، بخلاف ما إِذَا جاء الكَلام على نسق واحد؛ فإنَّه قد ينساب معه، ولا يتفهم المعاني.
ومن فَائِدَة الالْتِفات هو تنبيه المخاطَب أو السَّامع، وهنا أيضًا وضعت هَذِهِ الجُمْلَة:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} في هَذَا المحل قبل ذكر آيات الجهاد ليتنبه القارئ؛ حيث خرجت المَسْأَلة عما هو متبادر ومتوقع.
المُهِمّ أن هَذَا قَوْل آخر؛ أن المراد: لَيْسَ عليهم حرج في ترك الجهاد، وقالوا: هَذَا كقَوْله تَعَالَى في سورة الفتح: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17]؛ فإنها في الجهاد بلا ريب.
وقال آخرون: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} في ترك أي عبادة تَكُون فيها هَذِهِ الأعذار مانعة، فكل عبادة تمنع منها هَذِهِ الأعذار، فإنَّه لا حرج عليهم في تركها، فتكون الآية أعم من الجهاد وغيره، بل كل عبادة سبب تركها أو الإخلال بها أحد هَذِهِ الأوصاف الثَّلاثة، فإنَّه لا حرج عليهم فيها، قالوا: وهَذَا مقتضى الأدلَّة الشَّرْعِيَّة، قَالَ تَعَالَى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] فإذا ترك الْإِنْسَان عبادة أو أخلّ بها لعذر العمى فلا حرج عليه، أو لعذر المرض فلا حرج عليه، أو لعذر العرج فلا حرج عليه، فتكون الآية عامَّة في الأكل أو المؤاكلة، كما قَالَ المُفَسِّر رحمه الله، وكَذلِك أيضًا في ترك الجهاد، وكَذلِك فيما يشترط له المشي وهو أعرج لا يسْتَطيع، أو يشترط له الصِّحة وهو مريض لا يسْتَطيع، أو يشترط له البصر وهو أعمى لا يسْتَطيع، فكل هَذَا لَيْسَ عليهم فيه حرج.
لكن على هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ الآخرين يبقى ما هو وجه مناسبة صدر الآيَة مع آخِرها؟
المناسبة أنَّه كما هو معْلُوم أن هَؤُلَاءِ لا حرج عليهم فيما يشترط فيه السَّلامة من هَذِهِ الْأَمْراض، فإن كَذلِكَ لا حرج عليكم فيما يأتي، فيَكُون الغرض التمهيد لنفي الحرج في الآتي، يعني: كما أنَّه معْلُوم أن هَذِهِ الأَشْيَاء أعذار تمنع من الحجر بدون أي مجادلة، فكَذلِكَ أيضًا لَيْسَ عليكم حرج في الأكل من بيوتكم
…
إِلَى آخِرِهِ.
إِذَنْ هَذِهِ الآيَة: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا} لَيْسَت متعَلِّقة بالتي قبلها، لأنَّها لو كَانَت متعَلِّقة لكان المَعْنى: لَيْسَ على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، ولا على الأعرج حرج أن يأكل من بيته، ولكنَّنا قُلْنا: إن الآيَة عامَّة، يعني لَيْسَ على هَؤُلَاءِ حرج فيما تَكُون هَذِهِ العلل عذرًا لهم في تركه.
قَوْلهُ: {وَلَا} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [ولا حَرَجَ {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} أَيْ: بُيُوت أَوْلَادِكُمْ، اهـ.
لماذا لم يجعل المُفَسِّر الآية عامَّة، فيَكُون معنى قَوْلهُ:{مِنْ بُيُوتِكُمْ} يعني: بيوت أنفسكم؟
لأَن هَذَا لا حاجة لنفي الحرج فيه.
لكن قد يَقُول قائل: إن في آخر الآية ما يدُلّ على أنَّه يُراد بيوت الْإِنْسَان أيضًا، وهو قَوْلهُ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} يَكُون نفي الحرج عن الأكل من البُيُوت من حيث كونهم جميعًا أو أشتاتًا لا لمطلق الأكل؛ فقَوْلهُ: {مِنْ بُيُوتِكُمْ} المُفَسِّر حمل الآية على أن المُراد ببيوت الإِنْسَان بيوت أولاده، ونحن نقول: لا مانع من أن يُراد بها بيته الحقيقي وبيت ولده.
فإن قَالَ قَائِلٌ: أي فَائِدَة في نفي الحرج عن أكله من بيتِه؟
قُلْنا: لأجل ما ذُكر في آخر الآية، وهو قَوْلهُ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} يعني: لَيْسَ عَليْك جُناح أن تأكلَ من بيتك؛ سواء أكلتَ أنت وأهلك أو أكلتم متفرقين، وإن كَانَ الأفضل الاجتماع على الأكل كما سنذكره - إِنْ شَاء اللهُ - آخر الآية، لكن مع ذَلِك لا جناح، يعني: لَيْسَ على الْإِنْسَان جناح أنَّه يأكل فيَتَغَدَّى وحده وعياله وحدهم، أو يَتَغَدَّى وحده وزَوْجَته وحدها أو ما أشبه ذَلِك، ولا بأس أيضا أن يأكلوا جميعًا، لا بأس بهَذَا وبهَذَا.
يبقى النَّظر في قَوْلهُ: {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ}
…
إِلَى آخِرِهِ، لم يذكر بيوت الأولاد؟
نقول: هي داخلة في قَوْلهُ: {مِنْ بُيُوتِكُمْ} ، فإن بيت الْوَلَد بيت لأبيه، لقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كسْبِكُمْ"
(1)
، ولقَوْلهُ:"أنتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، "
(2)
؛ فعلَيْه يَكُون بيت الْوَلَد بيت للوالد.
ونحن لم ننتقد على المُفَسِّر رحمه الله إدخاله بيوت الأولاد في بيوت الْإِنْسَان، لأَن هَذَا صحيح، وإنَّما انتقدنا تَخْصِيصه البُيُوت ببيوت الأولاد.
المُهِمّ أن قَوْلهُ: {مِنْ بُيُوتِكُمْ} أي: بيوت أنفسكم وبيوت أولادكم، بالنِّسْبَةِ لبيت الْإِنْسَان نفسه فَائِدَته ما ذُكر في آخر الآيَة، وبالنِّسْبَةِ لبيت ولده أعم من ذَلِك.
قَوْلهُ: {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} يشمل الْأَبّ الأدنى والأعلى، فإن الجد أب كما قَالَ اللهُ تعالى:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78]، فسمّى الله إبراهيم أبًا لنا مع أنَّه جدٌّ بعيد، فالجدُّ مثل الأب، إلَّا أنَّه يخالف الْأَبّ في بعض المَسائِل؛ كمَسْأَلة التملّك، فإن الَّذينَ قالوا بجَواز تملك الْأَبّ من مال ولده خصّوه بالْأَبّ الأدنى، لأَن حَقِيقَة الْأَمْر أن المَسْأَلة ضعيفة لا تتوصل إلى أن يَكُون الجد وإن علا يتملك، بل الْأَبّ مختلف في تملكه من مال ولده.
(1)
أخرجه أَبو داود، كتاب الإجازة، باب في الرجل يأكل من مال ولده، حديث رقم (3530)، والنَّسائي، كتاب البيوع، باب الحث على الكسب، حديث رقم (4450)، والتِّرمِذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده، حديث رقم (1358)، وابن ماجة، كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، حديث رقم (2290)، وأحمد (6/ 14)(24181)؛ عن عَائِشَة.
(2)
أخرجه ابن ماجة، كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، حديث رقم (2291)، وأحمد (2/ 204)(6902)، عن جابر بن عبد الله.
قَوْلهُ: {أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} يشمل الأم الدُّنْيَا الَّتِي ولدت الْإِنْسَان والأم العليا الَّتِي هي الجدة؛ فالجدة مثل الأم، لكن الأم أَشَدّ؛ يعني أوجب برًّا، وكلما دنا فهو أوجب برًّا كما قَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام:"ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ"
(1)
، فلهَذَا يَجب بِرُّهَا والإنفاق عَلَيْها، وكل ما يثبت للأم يثبت لها إلَّا أن الأم أحق وأولى.
قَوْلهُ: {أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ} الأشقاء أو لأب أو لأم.
قَوْلهُ: {أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ} لكن بشرط ألا تَكُون ذات زوج؛ فإن كَانَت ذاتَ زوج والمال له، لم يكن بيتًا لأختي، بل لزوجها، لكن إِذَا كَانَت الأخت لها بيت فإنَّه لا بأس أن يأكل الْإِنْسَان من هَذَا البَيْت.
قَوْلهُ: {أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ} يقال في عماتكم مثل ما قِيلَ في أخواتكم؛ يعني: ما لم تكن العمة ذات زوج، فلا يأكل الْإِنْسَان من بيت زوجها؛ لأَنَّه له ولَيْسَ لها.
قَوْلهُ: {أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ} بالنِّسْبَةِ للأعمام والأخوال والخالات يشمل الأدنى من هَؤُلَاءِ والأعلى، فالأدنى أخو أبيك بالنِّسْبَةِ للعم، والأعلى أخو جدك وإن علا، وبالنِّسْبَةِ للخال الأدنى أخو أمك، والأعلى أخو جدتك وإن علا فإنَّه خال.
قَوْلهُ: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [خَزَنْتُمُوهُ لِغَيْرِكُمْ] اهـ.
قَوْلهُ: {مَفَاتِحَهُ} المَفَاتِح بمَعْنى: الخزائن، يعني ما ملكتم خزائنه، وقِيلَ:
(1)
أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، حديث رقم (2548)، عن أبي هريرة.
إنها بمَعْنى المَفَاتِيح؛ وهي: ما يُفتح به، فالمِفْتَاح غير المِفْتَحٍ، (مِفْتَح) جمعه: مَفَاتِح، (مِفْتَاح) جَمْعُه: مَفَاتِيح، ولمحيلَ: إنه يطلق المِفْتَح على المِفْتَاح، والمَفَاتِح على المَفَاتِيح، وقِيلَ: إن المُراد بالمَفَاتِح: الخزائن والمَفَاتِيح: ما يُفتح به، والقرآن يؤيد القَوْل الأَوَّل، كما في قَوْل الله تعالى:{وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [القصص: 76]؛ وعلى هَذَا فنقول هُنا في الآيَة الْكَرِيمَةِ {مَفَاتِحَهُ} أي: خزائنه أو مفاتيح خزائنه.
وقَوْلهُ: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} معنى {مَلَكْتُمْ} أي: جُعلت مفاتيحه في أيديكم، وهي الخزائن، فلا جناح على الْإِنْسَان أن يأكل منها، لكن بالمعْرُوف، يعني مثلًا لو أن إنسانًا صاحب فاكهة أعطاك مفتاح المخزن لتحافظ عليه، فدخلت يومًا من الأيَّام المخزن، فيجوز أن تأكل منه، لكن بشرط أن يَكُون ذَلِك بالمعْرُوف، فلا تأخذ في جيبك وتحمله، ولا تتردد علَيْه دائمًا إلَّا إِذَا رضي بِذَلِك.
قَوْلهُ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [وَهُوَ مَنْ صَدَقَكُمْ فِي مَوَدَّته، المَعْنَى يجوز الْأكلُ مِنْ بُيُوت مَنْ ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُمْ بِهِ] اهـ.
المُفَسِّر يَقُول: [المَعْنَى يجوز الْأَكْلُ مِنْ بُيُوت مَنْ ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا، هَذَا صحيح.
وأما قَوْلهُ: [أي: إِذَا عَلِمَ رِضَاهُمْ بِهِ، فهَذَا غير صحيح، وَذلِك أنَّه إِذَا علم رضا صاحب البَيْت بأكله فإنَّه لا فرق بين أن يَكُون من هَؤُلَاءِ أو من غيرهم، لكنَّه يؤكل من بيوت هَؤُلَاءِ ما لم يُعلم عدم رضاهم، فالمراتب ثلاثة:
المرتبة الأولى: أن تعْلم رضا صاحب البَيْت بأكلك؛ فهَذَا جائز من هَذِهِ البُيُوت ومن غيرها.
المرتبة الثَّانية: أن تعلم عدم رضاه؛ فلا تأكل لا من هَذِهِ البُيُوت ولا من غيرها؛ لقول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"
(1)
.
المرتبة الثَّالِثَة: ألا تعلم رضاه من عدم رضاه، فهُنا يُفَرّق بين من ذُكر وغيرهم، فيُقال: تأكل من بيوت هَؤُلَاءِ؛ لأَن الغالِب رضاهم، لِوُجود صلة بينك وبينهم من القرابة أو الصَّداقة أو الائتمان، يعني حَقِيقَة الْأَمْر أن الأكل من هَذِهِ البُيُوت ترجع إلى ثلاثة أشْيَاء: إما قرابة أو ائتمان أو صداقة؛ فالقرابة ذُكروا، وأما الائتمان ففي قَوْلهُ:{أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} ، وأما الصَّداقة ففي قَوْلهُ:{أَوْ صَدِيقِكُمْ} ؛ ففي حالة عدم العِلْم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هَذِهِ البُيُوت دون غيرها.
وأما اشتراط المُفَسِّر علم الرضا فلا وجه له؛ لأنه لو اشترطنا ذَلِك لم يكن بينها وبين البُيُوت الأُخْرَى فرق، لو فُرض أن صديقًا لك أدخلك بيته ووجدت في مجلس القهوة أكلًا وأكلت بدون أن تستأذن؛ فهل يجوز أو لا؟
نقول: يجوز، وهَذَا هو معنى الآية. المُفَسِّر رحمه الله يرى أنَّه لا يجوز إلَّا إِذَا علمت أنَّه يرضى بِذَلِك، والصَّحيح: أنَّه لا يُشترط العِلْم بالرضا، لكن لو علمنا أن هَذَا الرَّجل شحيح لا يرضى أن تأكل شيئًا أبدًا من ماله إلَّا ما قدّمه ففي هَذِهِ الحال لا يجوز الأكل للحديث الَّذِي أشرنا إلَيْه؛ فالصَّديق سواء دعاك أو لم يدعُك، وسواء أَرَادَ أن يقدم لك كرامة أو لم يرد، فمتى دخلت بيت صديقك فلك الأكل، ما لم تعلم أنَّه لا يرضى بِذَلِك.
(1)
أخرجه أحمد (5/ 72)(20714)؛ والبيهقي في الكبرى (6/ 100)(11325)، عن عم أبي حرة الرقاشي.
وفي قَوْلهُ: {صَدِيقِكُمْ} دَليل على أن للصداقة حقًّا، وهو كَذلِكَ، والسبب: الصِّلة الَّتِي بينك وبينه.
لو قَالَ قَائِلٌ: ما تقولون في المصاهرة وفي صلة الرضاعة، هل تدخل في صلة النَّسب أو في الصَّداقة أو لا تدخل؟
الجواب: تدخل في الصَّداقة إن كَانَ صديقك؛ فإن لم يكن بينك وبينه صداقة فلا يجوز الأكل من بيته.
لأَن كثيرًا من النَّاس يَكُون له أب من الرضاعة وبينهما عداوة، وكثير من النَّاس يَكُون له صهر وبينهما عداوة.
الحاصل: ما لم يكن بين الصّهر وصهره أو بين الرضيع ومرضعه صداقة فإنَّه لا يجوز الأكل من بيته.
قَوْلهُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} {جَمِيعًا} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [مُجتمِعِينَ {أَوْ أَشْتَاتًا} مُتَفَرِّقِينَ جَمْع شَتّ] اهـ.
شَتّ وأشتات مثل سبب وأَسْبَاب، إلَّا أن سبب غير مدغمة، وشَتّ مدغمة.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [نَزَلَ فِيمَنْ تحَرَّجَ أَنْ يَأْكُل وَحْده وَإِذَا لَمْ يَجِد مَنْ يُؤَاكِلهُ يَتْرُك الْأكَل] اهـ.
هَذِهِ يُقال: إنها كَانَت عادة لبعض العرب أنَّه لا يأكل إلَّا ومعه أحد، فإن لم يجد أحدًا يأكل معه لم يأكل شيئًا أبدًا، يموت من الجوع ولا يأكل إلَّا أن يجد أحدًا يأكل معه، وهَذَا لا شَك أنَّه دَليل على الكرم، لكنَّه كرم فيه إفراط.
القصد: أنك تأكل مع غيرك وتأكل وحدك؛ كما قَالَ اللهُ عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} ، وهَذَا في باب الجواز، وأما الأفضل فهو الأكل جميعًا كما أمر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِك وأخبر أن في ذَلِك بَرَكَة، وَذلِك لما شكى إلَيْه رجل أنَّه كَانَ يأكل ولا يشبع؛ فقال له النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام:"فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:"فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ"
(1)
.
فاجتماع النَّاس على الأكل من أَسْبَاب البَرَكَة، كما أنَّه أيضا من أَسْبَاب الألفة والمودة؛ لأَن أهل البَيْت متفرقون في أعمالهم، فإذا لم يكن شَيْء يجمعهم، وهو الأكل، فمتى يجتمعون، لكن من المؤسف أن هَذِهِ السُّنَّة أصبحت مفقودة عند كثير من النَّاس، تجد الْأَبّ يأكل وحده، والْوَلَد الأكبر يأكل وحده، والمتوسط يأكل وحده، واللاتي يُمْكِن أن يجتمعن النِّساء، أما الرِّجَال فإن اجتماعهم فيما يظهر لي قليل، ولكن هَذَا خلاف السُّنَّة، السُّنَّة أن يجتمع النَّاس على الأكل، ينتظر بعضهم بعضًا، لا يضرّ إِذَا تأخر بعض الوقت في انتظار صاحبه؛ لأنهم يجتمعون ويتحدثون جميعًا وهَذَا يجلب المودة والألفة، لكن كون الْوَلَد لا يرى أباه أبدًا، يسهر الْوَلَد بالليل وأَبوه ينام مبكرًا، وبالنَّهار أَبوه يطلب المعيشة والْوَلَد يدرس، وفي الأكل أَبوه يصلي مع الجَماعَة وهو قاعد يتغدّى مثلًا أو ما أشبه ذَلِك، إِذَنْ متى يَكُون الاجتماع ومتى تَكُون الألفة بين النَّاس؟ !
(1)
أخرجه أَبو داود، كتاب الأطعمة، باب في الاجتماع على الطَّعام، حديث رقم (3764)، وابن ماجة، كتاب الأطعمة، باب الاجتماع على الطَّعام، حديث رقم (3286)، وأحمد (3/ 105)(16122)؛ عن وحشي بن حرب.
هل الأفضل الآن أن يأكل الرَّجل وأهل بيته من رِجال ونساء؟
هَذَا هو الأفضل أنهم يأكلون جميعًا حَتَّى الرِّجَال مع النِّساء، وقد شاهدنا من السَّلف السَّابِقين من يأكلون جميعًا هم وأَبوهم، وقد كنا عند أخوال إِذَا أصبحنا عندهم نجدهم كلهم يجتمعون.
قَوْلهُ: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [لَكُمْ لَا أَهْل بِهَا {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} قُولُوا السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد الله الصالحِينَ فَإنَّ المَلَائِكَة تَرُدّ عَلَيْكُمْ وَإِنْ كَانَ بِهَا أَهْل فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ] اهـ.
قَوْلهُ: {بُيُوتًا} نكرة في سِيَاق الشَّرط، فتكون عامَّة في بُيوت الْإِنْسَان وبُيوت غيره.
وقَوْلهُ: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} إن كَانَ بها أهل وهي لغيره يسلم عليهم؛ أي: على من فيها، وسمّيَ سلامًا على النَّفس وهو على الغير؛ لأَن المُؤْمِنِينَ نفس واحدة، كما قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذَا اشْتكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى كُلُّهُ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى"
(1)
.
ويُمْكِن أن يُقال: لكن على بُعد أنك إِذَا سلّمت علَيْه فقد سلّمت على نفسك؛ لأنك أنت السَّبَب في رده، والمتسبب كالمباشر مثل قَوْل الرَّسُول عليه الصلاة والسلام:"يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَبَاهُ، "، بعد أن قالوا: كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجل وَالِدَيْهِ
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم (6011)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم (2586).
(2)
أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، حديث رقم (5973)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بَيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (90)؛ عن عبدِ الله بن عمرو.
فيُمْكِن أن نجعل وجْه كونِه على أنفسِنا أَنَّنا إِذَا سلّمنا رد علَيْنا، لكنَّه في الحَقيقَة قد يتخلف فيما إِذَا لم يرد، لكن إِذَا سلّمت فقد سلّمت على نفسي رَدَّ أم لم يرد، حَتَّى لو فرض أنَّه لم يردّ عليّ؛ فقد امتثلت الْأَمْر، وإن كَانَت بيوتًا لَيْسَ فيها أحد فإن الْإِنْسَان يسلم علَى نفْسِه، يَقُول: السَّلام علَيْنا وعلى عباد الله الصَّالحين؛ لأَن هَذَا هو السَّلام الَّذِي علّمه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أمته أن يسلّموا على أنفسهم، كما في الصَّلاة.
قَوْلهُ: {تَحَيَّةً} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [مَصْدَر حَيَّا] اهـ.
يعني تحيون تحية.
وقَوْلهُ: {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أضافها الله إلَيْه؛ لأَنَّه هو الَّذِي شرعها وأمر بها؛ يعني؛ هَذِهِ التحية من عند الله، أو لأَنَّه غايتها، أي: الَّذِي تنتهي إلَيْه هَذِهِ التحية ليثيب عَلَيْها ويجيبها؛ لأنك تقول: السَّلام علَيْنا أو السَّلام عليكم، فهي تُطلب منه؛ فهو غايتها، أو هو مشرعها.
وقَوْلهُ: {مُبَارَكَةً} معنى (مباركة) أي: ذات بَرَكَة، والبَرَكَة - كما تقدَّم -: هي الخَيْر الكثير الثَّابت.
قَوْلهُ: {طَيِّبَةً} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [مُثَابًا عَلَيْهَا] اهـ.
وهَذَا من الطيب أن تَكُون مثابًا عَلَيْها، لكن من الطيب أيضًا أن تَكُون موافقة لشريعة الله؛ لأَن الأعْمَال الصَّالحة والطيبة هي الموافقة للشَّرع بأن تَكُون مُخْلِصًا فيها لله مُتَّبِعًا فيها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.
قَوْلهُ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [أَيْ: يُفَصِّل لَكُمْ مَعَالِم دِينكُمْ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لِكَيْ تَفْهَمُوا ذَلِك] اهـ.
قَوْلهُ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ} تقدَّم أَنَّنا نعرب (الكاف) اسمًا بمَعْنى (مثل)، على أنَّها مفعول مطلق لـ {يُبَيِّنُ} ، أي: مثل ذَلِك البَيان يبين، و {الْآيَاتِ} سبق أن المُراد بها الشَّرْعِيَّة والْكَوْنِيَّة، فالشَّرْعِيَّة ما جاءت بها الرُّسل، والْكَوْنِيَّة مخلوقات الله الَّتِي نشاهد ونسمع.
وقَوْلهُ: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (لعل) هَذِهِ للتَّعليل، أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العَقْل هُنا: الفَهْم، على ما مشى علَيْه المُفَسِّر رحمه الله.
ولكن الأصح أنَّه أعم من ذَلِك، وأنه الفَهْم وحسن التصرف؛ لأَن العَقْل كما تقدَّم نوعان: عقل الإدراك وعقل التصرف.
فعقل الإدراك هو مناط التكليف الَّذِي يتميز به الْإِنْسَان عن المجنون، وهو حاصل للمسلم والكافر والبر والفاجر.
وعقل التصرف هو إحسان التصرف، أن يتصرف الْإِنْسَان تصرفًا مبنيًّا على عقل؛ لأنَّه من العقال؛ إِذْ يَعْقِلُ صاحبه فيحسن التصرف، هَذَا يخرج منه الكافر والفاسق؛ لأنهما لم يحسنا التصرف فهما غير عَاقِلَيْنِ، ولِهَذَا دائمًا ينفي الله العَقْل عن الْكُفَّار، مع أنهم من أذكى النَّاس وأفهمهم، لكن لَيْسَ عندهم حسن التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يحمد علَيْه الْإِنْسَان هو عقل التصرف، أما العَقْل الأوَّل فلا يُحمد عليه؛ لأنَّه لَيْسَ من كسبه.
المُهِمّ أن المُراد بالعقل هُنا لَيْسَ مُجرَّد الفَهْم؛ لأَنَّنا إِذَا فسّرناه بمجرد الفَهْم حوّلناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك لَيْسَ مناطًا للمدح، وإنَّما المناط للمدح عقل التصرف الَّذِي يحسن به الْإِنْسَان التصرف، وهَذَا هو المُراد بهَذِهِ الآية:
{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [النور: 61] أي: تدركون ذَلِك وتحسنون التصرف بمقتضى هَذِهِ الآيَات الَّتِي بينها الله لكم.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: بَيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمّن يستحقه؛ لقَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} ، ويلحق بِذَلِك سائر العاهات؛ فلو فرضنا أن الْإِنْسَان كُلّف بالكتابة والكتابة واجبة إِذَا دُعي الْإِنْسَان إلَيْها كما قَالَ اللهُ تعالى:{فَلْيَكْتُبْ} [البقرة: 282، ]؛ يعني: لو دعاك إِنْسَان لِتكتُبَ بينه وبين آخر وثيقة وأنت قادر فقد وَجَبَت عَليْك الكِتابَة، فإذا كنت ضعيف النَّظر لا تَسْتَطِيع؛ فلَيْسَ علَيْه حرج، ولو لم تكن أعمى.
والعاهات إن كَانَت كاملة عذر الْإِنْسَان عذرًا كاملًا، وإن كَانَت ناقصة فبحسبه؛ فالحُكْم يدور مع علته.
الفَائِدة الثَّانية: بَيان سهولة هَذِهِ الشَّريعة بنفي الحرج عمّن لا يستحقه.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الأَحْكام تدور مع عللها؛ فإذا وُجدت العِلَّة في الحُكْم ثبت، وإذا انتفت انتفى الحُكْم؛ لأَن نفي الحرج عن هَؤُلَاءِ إنما كَانَ لِهَذِهِ العِلَّة الَّتِي فيهم؛ فإذا بَرِئَ المريض واسْتَقَام، ومَشى الأعرج، ورَدَّ الله البصر على الأعمى، انتفى هَذَا الحُكْم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين.
الفَائِدة الرَّابِعَة: جَواز الأكل من بيوت هَؤُلَاءِ المذكورين سواء بإذن أو بغير إذن، إلَّا إِذَا علمنا عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون؛ فإنَّه لا يجوز الأكل من بيوتهم.
الفَائِدة الخَامِسَة: أن مال ابن الْإِنْسَان مالٌ له، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكلْتُمْ مِنْ كسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ"
(1)
، وجه الدَلالَة من الآيَة أنَّه لم يذكر الأولاد، فدل على أن المُراد بالبُيُوت بيوتكم وبيوت أولادكم.
الفَائِدة السَّادِسَة: تحكيم العادة في الْأُمُور، لأَنَّه إنما أبيح لنا الأكل من هَذِهِ البُيُوت؛ لأَن العادة والعرف الرضا بِذَلِك، ومعْرُوف أن القريب والصَّديق وما لك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم مسامحون في الأكل، ولكن سبق أن الْإِنْسَان لا يحمل شيئًا، بل يأكل ولا يحمل، ولِهَذَا أجاز الله الأكل فقط.
الفَائِدة السَّابِعَة: جَواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقَوْلهُ: {جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} ، ولكن الأفضل كما تقدَّم الاجتماع.
الفَائِدة الثَّامِنة: مشروعية السَّلام عند الدُّخول إلى البُيُوت، لقَوْلهُ:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} ، وكان هَذَا من هدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، إلَّا أن يبدأ الْإِنْسَان بشَيْء قبل السَّلام وهو السواك
(2)
؛ فإذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوك ثم يسلم على أهله؛ هَذَا لأَن الغالِب في وقتنا هَذَا أنهم لا يَكُونون عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسَّلام عليهم قبل.
الفَائِدة التَّاسِعَة: فضيلة السَّلام فقد وصفه الله تَعَالَى بثلاثة أوصاف، تحية من عنْدَه مباركة طيبة، وَذلِك من الآيَات الَّتِي بيّنها الله تَعَالَى للعباد وأوضحها لهم، لما في ذَلِك من جلب المودة والمحبَّة والخَيْر، وقد أمر النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام بالسَّلام،
(1)
تقدَّم تخريجه.
(2)
أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، حديث رقم (2531)؛ عن عَائِشَة، ولفظه: سئلت عَائِشَة رضي الله عنها: بأي شيء كان يبدأ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم دخل بيته؟ قالت: "بالسواك".
وقال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الجَنّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، إنْ شِئْتُمْ دَلَلْتكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِنْ فَعَلْتُمْ تَحَابَبْتُمْ؟ " قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ: "أَفْشُوا السَّلَامَ بيْنكُمْ"
(1)
.
وهَذَا - لا شَك - دَليل على فضله، فيدُلّ على أنَّه أفضل من قَوْل الْإِنْسَان:(أهلًا وسهلًا) وشبهه، وعلى أن الْإِنْسَان لو أجاب السَّلام بـ (أهلًا وسهلًا) لم يُجزِه؛ لأَن (أهلًا وسهلًا) لا توصف بأنَّها تحية من عند الله مباركة طيبة، أما (السَّلام عليكم) أو (وعليكم السَّلام) فإنَّه يوصف بأنه تحية من عند الله مباركة طيبة، ولِهَذَا تجدون هَذَا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سلّم على النَّبِيّ الَّذِي يواجهه في السَّماء رد عليه السلام وقال: مرحبًا بالابن الصَّالح؛ في آدم وإبراهيم، وبالأخ الصَّالح؛ فيمن عداهما: مرحبًا بالأخ الصَّالح والنَّبي الصَّالح
(2)
؛ فيرحبون بعد أن يردوا السَّلام، وكونه يَقُول في الحَديث: "فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ،
…
" دَليل على أن هَذَا لَيْسَ من رد السَّلام، وهَذَا أمر معْلُوم، ولكن مع الأسف أن النَّاس الآن هجروا هَذَا، وصَارَ غالب النَّاس إِذَا سلمت عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا أو هلا أو مرحبًا، وهَذَا لا يُجزئ ولا يجوز الاقتصار عليه.
لو قَالَ قَائِلٌ: هل فضيلة السَّلام تطبق على المحادثة التليفونية؟
الجواب: كلما حادثت أحدًا تسلم عليه؛ فالتليفون حَقِيقَة مواجهة، لكنها مواجهة غيبية، فتقول: السَّلام عليكم، ولكن أيضًا مما يؤسف له أن النَّاس الآن
(1)
أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بَيان أنَّه لا يدخل الجنَّةَ إلَّا المؤمنون، حديث رقم (54)؛ عنه أبي هريرة.
(2)
أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب المعراج، حديث رقم (3887)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (164)؛ عن مالك بن صعصعة.
كلهم صغيرهم وكبيرهم، ويُمْكِن أن نقول: عالمهم وجاهلهم لا يفعلون هَذَا، بل يَقُولُونَ: ألو.
لو قَالَ قَائِلٌ: ألَيْسَ تعريب كَلِمة (تليفون) وتسميته هاتفًا أفضل؟
الجواب: أنا أرى أن الأَسْماء الواردة لا بأس أن تبقى على ما هي عليه؛ لأَن الأَسْماء المعرَّبة في اللُّغَة العربيَّة موجودة من قديم؛ فلا بأس أن نقول: تليفون ولا يَلْزَم أن نقول: هاتفًا، كَذلِكَ نقول: راديو، ولا يَلْزَم أن نقول: مذياع. لكن المُشْكِل الشَّيء المخالف للشَّرع؛ أن نبدل كَلِمة شرعيَّة واردة في مثل هَذَا المقام بكَلِمة غير شرعيَّة؛ هَذَا هو المشكل، وإلا: فالأَسْماء الَّتِي تَرِدُ هم الَّذينَ صنعوها وسمّوها بهَذَا الاسْم فلَيْسَ لنا شأن بهم، مع أن بعض العُلَماء يَقُول: لا، هم سمّوها بهَذَا الاسْم مُراعَاة للمعنى لا مُراعَاة لمجرد الصَّنعة، فهم يَقُولُونَ مثلًا: راديو، أظن بمَعْنى مذياع، فما دام أنهم يراعون المَعْنى يَجب أن نأتي باللفظ الَّذِي يدُلّ على هَذَا المَعْنى في لغتنا، والمَسْأَلة هَذِهِ بسيطة، لكن الكَلام على الَّذِي يخالف الشَّرع، أما هَذِهِ المَسائِل فهي أهون.
الفَائِدة العاشرة: مطلق السَّلام فيه البَرَكَة، وهو أولى؛ لأَن تقييدنا إياه بما إِذَا قَالَ:"ورحمة الله وبركاته" يَكُون تقييدًا لشَيْء موسع؛ فالنَّبيّ عليه الصلاة والسلام دائمًا يسلم يَقُول: "السَّلام عليكم"، ولكن مع ذَلِك نقول: إن الأفضل: "ورحمة الله وبركاته"، لا شَك في هَذَا، إنما إِذَا اقتصر على الأوَّل فإنَّه يصح أن نقول: تحية من عند الله مباركة طيبة؛ لأَن هَذَا وصف للتحية لا وصف لصيغتها، يعني نفس التحية مباركة طيبة ولَيْسَ يشترط أن مجُون فيها لفظ البَرَكَة ولفظ الطيب، وإلا كنا نقول: وطيباته.
الفَائِدة الحَادِيَة عشرة: عناية الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث إنه يبين لهم الآيَات لأجل أن يتصرفوا تصرف العاقِل فيتبعوا شريعته؛ لقَوْلهُ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، وتقدَّم أن هَذَا العَقْل أو هَذَا البَيان بالنِّسْبَةِ للآيات الشَّرْعِيَّة ما يعرفه إلَّا المُؤْمِنُونَ الَّذينَ آمنوا بها وعقلوها، وأما الآيات الْكَوْنِيَّة فقد يؤمن بها حَتَّى الكافر؛ فالْكُفَّار يؤمنون بأن الله خالق السَّموات والأَرْض، وأنه بيده ملكوت السَّموات والأَرْض، وأنه منزل الغيث
…
إِلَى آخِرِهِ.
* * *