المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (46) * قَالَ اللهُ عز وجل: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ - تفسير العثيمين: النور

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين 1347 - 1421 هـ

- ‌نَسَبُهُ وَمَوْلِدُهُ:

- ‌نَشْأَتُهُ العِلْمِيَّةِ:

- ‌تَدْرِيسُهُ:

- ‌آثَارُهُ العِلْمِيَّةُ:

- ‌أَعْمَالُهُ وجُهُودُهُ الأُخْرَى:

- ‌مَكانَتُهُ العِلْمِيَّةُ:

- ‌عَقِبُهُ:

- ‌وَفَاتُهُ:

- ‌الآية (1)

- ‌الآية (2)

- ‌الآية (3)

- ‌الآية (4)

- ‌الآية (5)

- ‌الآية (6)

- ‌الآية (7)

- ‌الآية (8)

- ‌الآية (9)

- ‌الآية (10)

- ‌الآية (11)

- ‌الآية (12)

- ‌الآية (13)

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌الآية (16)

- ‌الآية (17)

- ‌الآية (18)

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌الآية (21)

- ‌الآية (22)

- ‌الآية (23)

- ‌الآية (24)

- ‌الآية (25)

- ‌الآية (26)

- ‌الآية (27)

- ‌الآية (28)

- ‌الآية (29)

- ‌الآيتان (30، 31)

- ‌الآية (32)

- ‌الآية (33)

- ‌الآية (34)

- ‌الآية (35)

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌الآية (38)

- ‌الآية (39)

- ‌الآية (40)

- ‌الآية (41)

- ‌الآية: (42)

- ‌الآية (43)

- ‌الآية: (44)

- ‌الآية (45)

- ‌الآية (46)

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌الآية (49)

- ‌الآية (50)

- ‌الآية (51)

- ‌الآية (52)

- ‌الآية (53)

- ‌الآية (54)

- ‌الآية (55)

- ‌الآية (56)

- ‌الآية (57)

- ‌الآية (58)

- ‌الآية (59)

- ‌(الآية: 60)

- ‌الآية (61)

- ‌الآية (62)

- ‌الآية (63)

- ‌الآية (64)

الفصل: ‌ ‌الآية (46) * قَالَ اللهُ عز وجل: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ

‌الآية (46)

* قَالَ اللهُ عز وجل: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النور: 46].

* * *

قَوْلهُ: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [أَي: بَيِّنَات، هِيَ الْقُرْآن، {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ} طَرِيق {مُسْتَقِيمٍ}، أَي دِين الإِسْلام] اهـ.

قَوْلهُ: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا} سبق الكَلام على مثلها عدة مرات، وقُلْنا: إن هَذه الجُمْلَة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات: القسم واللَّام وقد؛ لأَن {لَقَدْ} أصلها (والله لقد] وتكون الجُمْلَة هُنا مؤكّدَة بهَذه المؤكِّدات الثَّلاث.

وقَوْلهُ: {مُبَيِّنَاتٍ} ، أي: بينات، لا شَك أن هذ التفسير لا يُطابق المفسَّر؛ لأَن {مُبَيِّنَاتٍ} أبلغ من بينات؛ لأَن المبيِّن: البائن في نفْسِه المبيِّن لغيره فهو ظاهر في نفْسِه مظهر لغيره، والبين ظاهر في نفْسِه فقط، والأول أبلغ؛ لهَذَا تفسير المُفَسِّر يعتبر قاصِرًا.

والصَّواب: أن المبيِّنات بمَعْنى البَيِّنَة في نفْسِها المبينة لغيرها، فالآيَات الَّتِي أنزلها الله مبينات؛ تبيِّن كل ما يتعلَّق بمصالح العباد، تبين الخَيْر من الشَرِّ، والحق من الباطل، والمتَّقي من الفاسق، وصفات الخالق من صِفات المخْلُوق، وكل ما يحتاج النَّاس إلَيْه ويتعلَّق بمصالحهم في دينهم ودنياهم؛ فإن هَذِهِ الآيَات بينات، لكن

ص: 310

التبيين له طرق: تارة يَكُون تبيينًا بالتفصيل، وتارة يَكُون بالإجمال، فمثلًا إِذَا تدبرت آيَات الفرائض وقسمة المواريث تجد أن الآيَات فيها بينة بالتفصيل.

وإذا تدبرت بعض الآيَات الأُخْرَى مثل أقيموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة تجد أنَّها مجملة لكن الْإِنْسَان يعرف ذَلِك من أدلة أُخْرَى؛ ولهَذَا قَالَ اللهُ تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، ما من شَيْء إلا بيَّنه هَذَا القُرْآن.

وقد تقدَّم ما ذُكر عن الشَّيخ محمد عبده رحمه الله أنَّه كَانَ في مطعم في أحد بلاد أوروبا وكان عنْدَه رجل من النَّصَارَى، فقال له: أنتم تقولون إن القُرْآن تبْيان لكل شَيْء؛ فهل بَيَّن كَيْفَ يُصنع هَذَا الطَّعام؟ طبعًا نحنُ لا نرى في القُرْآن هَذَا، أي: أنك إِذَا أردت أن تصنع الطَّعام ضع بصلًا وضع ملحًا وضع لحمًا وما أشبه ذَلِك لَيْسَ هَذَا موجودًا، فقال: نعم، هَذَا القُرْآن بَيَّن لها كَيْفَ نصنع هَذَا الطَّعام، تعجب هَذَا الكافر النَّصراني، قَالَ: كَيْفَ؟ فدعا صاحب المطعم، وقال له: كَيْفَ صنعت هَذَا الطَّعام، فقال له: صنعته بكذا وكذا وبَيَّن له تراكيبه، فقال: هكذا في القُرْآن فإن الله يَقُول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7].

القُرْآن لم يبين ذَلِك تفصيلًا لكن أرشدنا كَيْفَ نهتدي إلى معرفة الْأُمُور في قَوْلهُ: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، وطبعًا لا يُراد بأهل الذكر في هَذه الآيَة أهل الطبخ، لكن إما أن نقول المُراد بأهل الذكر أهْل العِلْم وعلم كل شَيْء بحسبه، وإما أن نقول أهْل العِلْم بالشَّرع ونقيس ما عدا العلوم الشَّرْعِيَّة على العلوم الشَّرْعِيَّة؛ فيَكُون من باب العُموم المعنوي في الآيَة، لأَن الآيَة إن لم تشمل هَذَا بِعُمومِها اللفظي فهي شاملة له بِعُمومِها المعنوي

ص: 311

والعُموم اللفظي: هو الَّذِي دخل في الكَلام لفظًا، ودل علَيْه الكَلام دَلالَة مطابقة، والعُموم المعنوي: هو الَّذِي دل علَيْه الكَلام بالقياس، يعني لم يدخل في اللَّفْظ لكنَّه يُقاس عليه؛ لأَن القياس عِبارَة عن اشتراك المقيس والمقيس علَيْه في العِلَّة الَّتِي من أجلها ثبت الحُكْم، فهَذَا عُمُوم معنوي.

ولِذَلك نجد في كلام العُلَماء يَقُولُونَ: هَذه المَسْأَلَة يشملها النَّص بِعُمومِه اللفظي، بمَعْنى أنَّها فرد من أفراد هَذَا العُموم، وأحيانًا يَقُولُونَ: بِعُمومِه المعنوي، بمَعْنى أنَّها تُقاس على ما دل عليه.

ثم قَالَ اللهُ تعالى: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} لما بَيَّن حال الآيَات وأنَّها آيَات مبينات، لكن هل كل أحد يَستَفِيد من هَذه الآيَات المبينات؟

الجواب: لا، قَالَ:{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} يعني على الرغم من كون الآيَات مبينات واضحة مبينة، على الرغم من ذَلِك فلَيْسَ كل أحد يهتدي بها، وإنما الله تَعَالَى {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

وهَذه الآيَة كغيرها من كثير من الآيَات، مثل قَوْله تَعَالَى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} ثم قَالَ: {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25]؛ فعمم بالدعوة، لكن الهداية قَالَ:{وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ؛ فهَذه مثلها، فالآيَات مبينات موضحة للأمور، لكن لَيْسَ كل أحد يهتدي بها، والله تَعَالَى {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

قَوْلهُ: {مَنْ يَشَاءُ} تقدَّم أيضًا الكَلام على أن كل شَيْء قيَّده الله بمشيئته فهو مقرون بالحِكْمة، والله تَعَالَى يهدي من اقتضت الحكْمَةُ هدايته.

ص: 312

مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:

الفَائِدةُ الأُولَى: بَيان أن الآيَات الَّتِي أنزلها الله سبحانه وتعالى مبينة موضحة لكل شَيْء مبينة الحَقّ من الباطل، وأهل الخَيْر من أهل الشَّرِّ، والأَحْكام الَّتِي بين النَّاس، وغير ذَلِك.

ومع كون الآيات مُبينَة هل اهتدَى بها كلُّ النَّاس؟

لا، وإنما يهتدي بها من شاء الله هدايته، قَالَ تَعَالَى:{لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} ، لكن لَيْسَ كل أحد يهتدي بها؛ قَالَ تَعَالَى:{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

الفَائِدة الثَّانية: أنَّه لا يَنْبَغِي لِلإنْسان أن يعتمد علَى نفْسِه في الهداية، بل يسأل الله دائمًا أن يهديه ثم يثبته ما دام أن الله هو الَّذِي يهدي، فإذن لا تستقل أنت بهداية نفسك فاسأل الله دائمًا الهداية ثم الثَّبات عَلَيْها، ولا تغترّ بما معك من الإِيمَان؛ فإن إعجاب الْإِنْسَان بعمله قد يؤدي إلى حبوطه وبطلانه.

الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الشَّرع كله - الَّذِي هو دين الإِسْلام - مستَقِيم لَيْسَ فيه اعوجاج؛ لقَوْله: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ؛ ولهَذَا قَالَ اللهُ تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} الَّتِي تذهب يمينًا وشمالًا {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153].

لو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا قُلْنا: إن الهداية من الله عز وجل وأنَّها مُعلَّقة بالمشيئة يهدي من يشاء؛ فهل لهَذِهِ الهداية من سبب؟

الجواب: طلب الْإِنْسَان الحَق؛ هَذَا من أَسْبَاب الهداية، الدَّليل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، والدَّليل ما سيأتي في الآيَات الَّتِي

ص: 313

بعدها؛ فإنها تُرشد إلى ما ذكرنا أن سبب الهداية هو إرادة الْإِنْسَان الحَقّ وطلبه له، فإذا أراده وطلبه فإن الله تَعَالَى يهديه إلَيْه، أما إِذَا أعرض وتولى فإن الله تَعَالَى لا يهديه إلَيْه.

* * *

ص: 314