المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (26) * * *   * قَالَ اللهُ عز وجل: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ - تفسير العثيمين: النور

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين 1347 - 1421 هـ

- ‌نَسَبُهُ وَمَوْلِدُهُ:

- ‌نَشْأَتُهُ العِلْمِيَّةِ:

- ‌تَدْرِيسُهُ:

- ‌آثَارُهُ العِلْمِيَّةُ:

- ‌أَعْمَالُهُ وجُهُودُهُ الأُخْرَى:

- ‌مَكانَتُهُ العِلْمِيَّةُ:

- ‌عَقِبُهُ:

- ‌وَفَاتُهُ:

- ‌الآية (1)

- ‌الآية (2)

- ‌الآية (3)

- ‌الآية (4)

- ‌الآية (5)

- ‌الآية (6)

- ‌الآية (7)

- ‌الآية (8)

- ‌الآية (9)

- ‌الآية (10)

- ‌الآية (11)

- ‌الآية (12)

- ‌الآية (13)

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌الآية (16)

- ‌الآية (17)

- ‌الآية (18)

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌الآية (21)

- ‌الآية (22)

- ‌الآية (23)

- ‌الآية (24)

- ‌الآية (25)

- ‌الآية (26)

- ‌الآية (27)

- ‌الآية (28)

- ‌الآية (29)

- ‌الآيتان (30، 31)

- ‌الآية (32)

- ‌الآية (33)

- ‌الآية (34)

- ‌الآية (35)

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌الآية (38)

- ‌الآية (39)

- ‌الآية (40)

- ‌الآية (41)

- ‌الآية: (42)

- ‌الآية (43)

- ‌الآية: (44)

- ‌الآية (45)

- ‌الآية (46)

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌الآية (49)

- ‌الآية (50)

- ‌الآية (51)

- ‌الآية (52)

- ‌الآية (53)

- ‌الآية (54)

- ‌الآية (55)

- ‌الآية (56)

- ‌الآية (57)

- ‌الآية (58)

- ‌الآية (59)

- ‌(الآية: 60)

- ‌الآية (61)

- ‌الآية (62)

- ‌الآية (63)

- ‌الآية (64)

الفصل: ‌ ‌الآية (26) * * *   * قَالَ اللهُ عز وجل: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ

‌الآية (26)

* * *

* قَالَ اللهُ عز وجل: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)} [النور: 26].

* * *

قَال المُفسِّرُ رحمه الله: [{الْخَبِيثَاتُ} مِنَ النِّسَاءِ وَمنَ الْكَلِمَاتِ {لِلْخَبِيثِينَ} {لِلْخَبِيثِينَ} مِنَ النَّاسِ {وَالْخَبِيثُونَ} مِنَ النَّاسِ {لِلْخَبِيثَاتِ} مِمَّا ذُكِرَ {وَالطَّيِّبَاتُ} مِمَّا ذُكرَ {لِلطَّيِّبِينَ} مِنَ النَّاسِ {وَالطَّيِّبُونَ} مِنْهُمْ {لِلطَّيِّبَاتِ} مِمَّا ذُكِرَ أَي اللَّائِق بِالْجبِيثِ مِثْلُه، وَبِالطَّيِّبِ مِثْلُه، {أُولَئِكَ} الطَّيبونَ وَالطَّيَباتُ مِنَ النِّسَاءِ وَمنْهُمْ عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أَي الْخبِيثُونَ وَالْخبِيثَاتُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِيهِمْ {لَهُمْ} لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيَباتُ {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فِي الجْنَّةِ وَقَدِ افْتَخَرَتْ عَائِشَةُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهَا خُلِقَتْ طَيِّبةً وَوُعِدَتْ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا].

مَن حَكمَةِ اللهِ سبحانه وتعالى أنَّه جعل الأَشْياء مُتناسِبة مُتشاكِلةً، كلُّ شيْءٍ لهُ ما يُناسِبُه في الدُّنيا وفي الآخِرَة، كَما قَال تَعالَى:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22)} [الصافات: 22]، أَزْواجَهم يعْنِي أشكالَهم ونُظرَاءَهم، وكلُّ شيْءٍ مِن حِكْمَة الله سبحانه وتعالى أنَّه جعلَه يُشاكِل الآخَر وَيمِيلُ إلَيْه.

ومن جُمْلة هذِه القَاعِدَة الَّتي ذكَرها اللهُ سبحانه وتعالى بعْدَ ذِكْر ما تقدَّم من قِصة الإِفْك، وما جَرى لهؤُلاءِ الَّذين أرادُوا أنْ يدنِّسوا فِراش رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم،

ص: 143

ويطْعَنوا في أهلِه وفي أَصْحابِه كَما سبَق.

ومنَ المعْلُوم أنَّ أطيبَ الطَّيِّبين منَ الخلْق هُو النَّبيّ عليه الصلاة والسلام، فلا يُمكِن أنَّ الله سبحانه وتعالى يجعَل تحْتَه امرأةً خَبِيثَة؛ ولهذا قَال الله سبحانه وتعالى وفسَّره المُفسِّر:{الْخَبِيثَاتُ} مِنَ النِّسَاء وَمنَ الْكَلِمَات {لِلْخَبِيثِينَ} بمَعْنى أن الخَبيثَ يكونُ عنْدَه خَبِيثة، ولا يُمكِن أن تكونَ الطَّيِّبة عنْدَ الجبيثِ، وكذَلِك لا يُمكِن أن تكونَ خَبِيثَة عنْدَ طيّب.

مثالُ ذَلِك: لو فُرض أن عَائِشَة رضي الله عنها حصل منْها ما رُمِيَت به، لكانت خَبِيثَةً تحت طيِّبٍ، وهَذا لا يُمكِن؛ لأنَّ الخبيثاتِ هُنَّ للخَبيثين.

وقوْله: [منَ النِّسَاء] هَذا واضِحٌ، و [منَ الكَلِمات] يَعْني كذَلِك أيضا لا يَنطق بالكَلِمات الخَبيثة ولا يستَحِقُّ أن يُوصَف بها إلا مَن كان خَبِيثًا، فعَائِشَةُ رضي الله عنها لا يُمكِن أن تُوصَف بما رُمِيت به؛ لأنَّها طيِّبة ولا يلِيقُ بها إلَّا الطَّيِّب منَ الكَلِمات.

وهَكَذا أيضًا {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} ، فلو أنَّ شخصًا رَمى بالزِّنا رجلًا عنْدَ امرأةٍ طيِّبة، نَقُول: هَذا أيضًا لا يُمكِن؛ لأنه لا يُمكِنُ أن يكُونَ خَبِيث إلا لخبِيثَةٍ، وهَذا من حِكْمَة الله عز وجل.

إذَنْ فهَذِه قَاعِدَةٌ عامَّةٌ، وعلَيْها فقد صارَتِ المراحِيضُ ومواضِعُ الأَذى مأوَىً للشَّياطينِ، والمساجِدُ والأماكِنُ الطيِّبة مأوىً للملائِكَة، بل نَزِيد على ذَلِك أن النَّفْس الطَّيِّبة يقْتَرِن بها الطَّيِّب، فتؤيِّدُها الملائِكَةُ، والنَّفْس الخبيثَةُ يقْتَرِن بها الجبيثُ، فالإِنْسان السيِّءُ الزَّائِغ يُسلَّط علَيْه قرينٌ حتَّى يكون مصاحبًا له فيُغْريهِ ويُضلُّه، والنَّفْس الطَّيِّبة يُعينُها الله سبحانه وتعالى على قَرينها، حتى يُسلِّم، وحتَّى لا يأمُرَها بشَرٍّ.

ص: 144

كل هَذا موافقَةً للقَاعِدَة الَّتي هي حِكْمَة الله عز وجل.

قوْله: {وَالطَّيِّبَاتُ} أي منَ النِّسَاء ومنَ الكَلِمات أيضًا {لِلطَّيِّبِينَ} يَعْني ما يَلِيق بهم إلا هَذا، فلا يَلِيق بالطَّيّب إلا الكَلِماتُ الطَّيِّباتُ والنِّسَاءُ الطَّيِّباتُ، ولهذا فإنَّ الله سبحانه وتعالى طيبٌ لا يقْبَل إلا طيبًا

(1)

، فلو تصدَّق إنسانٌ بمالٍ كَثير مِن كسْبٍ حرَامٍ فإنَّ اللهَ لا يقْبَلُه؛ لأنَّه خَبِيثٌ والله سبحانه وتعالى طيِّبٌ لا يقبَل إلا طيبًا.

وتأمَّلْ هَذِه القَاعِدَة العامَّة تجدْها في كلّ شيْء.

فإِن قِيل: ولكنَّ الآياتِ الَّتي قبلَ هَذِه الآيةِ جاءَت فِيها مسألَةُ اللِّعان، وهِي لا شكَّ تنْتُج من اجتماعِ زوجة خَبِيثة تحْتَ زوْجٍ طيِّبٍ؟

قُلْنا: لا تكونُ المرأةُ خَبِيثَةً في مسألَة اللِّعانِ إلَّا لو ثبتَتْ علَيْها هذِه التُّهمَة، وإذا ثبتت فإنَّ هَذا أمرٌ نادر، وفي اللِّعان لو لَاعَن الزَّوجُ ثبَت الحدُّ حتَّى ولو لم يأتِ بأرْبَعة شُهداءَ، بخلَاف غيْرِه.

والقَواعِدُ العامَّةُ لا ينقُضها اختلافُ فرْدٍ مِن أفرَادِها، فقدْ تتوفَّرُ الأَسْباب لكِنْ تُوجَدُ معَها موانِعُ تمْنَع هَذه الأَسْباب، كما يَرِد علينا كَثيرًا أنَّ الشَّارع جعَل هَذا الأمْرَ سببًا لكِن قد يتخلَّف حُكْمه لوُجودِ مانِعٍ أقْوَى منَ السَّبب، وكذَلِك في بعْضِ الأحْكَام الشَّرْعية قد تُوجد أَسْباب الصِّحَّة وأَسْباب الاستِحْقاق، لكِنْ يُوجَد مانِعٌ يمْنَعُها، وهَذا كَثيرٌ في الأحْكَام الشَّرْعية، وفِي الأخْبَار، وفِي القَواعِد العامَّة.

قوْله: {أُولَئِكَ} أي الإِشارَة إلى الطَّيِّبين والطَّيِّبات {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، رقم (1015).

ص: 145

أي مما يُقَال فِيهم، ومثَّل المُفسّر لهم بعَائِشَة رضي الله عنها وصفوانَ بْن أميَّة رضي الله عنه الَّذي قد رُمي بها كما وَرد فِي القِصَّة.

لكِن قِصَّة الإِفْك في حَقِيقتها لَيْست طعنًا في عَائِشَة وصفوانَ رضي الله عنهما فقَط، ولكنَّها طعْن فِيهما وفي النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وفي أَبي بَكْر رضي الله عنه، فهؤُلاءِ الطَّيِّبون مُبرَّؤون مما يُقَال فيهم.

قوْله: [{لَهُمْ} لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيبات {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فِي الجْنَّة]، أي هؤُلاءِ لهم مَغْفِرة عَلى ذُنوبِهم، ورزقٌ كَريم على طاعَاتِهم، فإنَّ الذَّنب يناسِبُه المَغْفِرة، والأعْمال الصَّالحة يناسِبُها الرِّزق الكَريم؛ لأنَّ مَن فعل حسَنةً يُجْزى بعشْر حسناتٍ إلى سبْع مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كَثيرَةٍ، فنفهم من هَذا أن هؤُلاءِ الَّذين قِيل علَيْهم ما قِيل قد حَصل لهم تكْفِيرُ سيِّئات ومَغْفِرةُ ذُنوب وكذَلِك رِفعَة درجاتٍ، وهَذِه أيضًا فرْدٌ مِن أفْراد القَاعِدَة العامَّة من أنَّه لا إنسانَ يُصيبُه همّ ولا غمّ ولا أذَىً إلا كفَّر الله عنه بذَلِك حتَّى الشوكةُ يُشاكها

(1)

، يكفِّر الله بها عنه.

وهل يُرفع للْمَرء بما يُؤذِيه درجاتٌ؟

نَقُول: لو أنَّه تلقَّى هَذا الأذَى بالصَّبر علَيْه فإنَّه يُرفع لهُ بِها درجَاتٍ، وإلَّا كانت تكفيرا لسيِّئاتِه فقط؛ ووجْه ذَلِك أنَّ ما أصابَهُ منَ الأَذى ليْسَ بيَدِه، وإنَّما منَ الله عز وجل، وعلَيْه فإنَّ الله سبحانه وتعالى لن يجْمَع على المرْء بيْن العُقوبَتَيْن، فيُكفِّر بها عنْه مِن سيِّئاتِه، ثم إذا هُو صَبر على هَذا الأَذى يكُون قد حصَل منْه فعِل فيُجزى علَيْه خيرا.

(1)

أخرجه البخاري: كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، رقم (5640)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، رقم (2572).

ص: 146

وهنا قَال عز وجل: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فهؤُلاءِ أُصيبوا مُصيبةً عظيمةً، ولا شكَّ أنَّهم صَبروا حتَّى فرَّج الله عنهم هَذِه الغُمَّة، فكان جزاءُ ما أُصِيبوا بِه في هَذِه القضيَّة أن حصَلَتْ لهم المَغْفِرة، وفي مُقابلَةِ الصَّبْر حصَل لهم الرِّزق الكَريم.

ووَصْف الرِّزق هنا بأنه كَريم ليْس لأنه ذو شُعُور فيُوصَف بالكَرم، فالرَّجُل مثلًا لَه شُعُور وإرادَةٌ فيَجُوز أن يُوصَف بالكَرم، لكنَّ اليَوْم قد وُصف هُنا بالكَرم رغم أنَّه لا إرادةَ له؛ لأنَّ المرادَ بالكَريم هُنا الشَّيْء الطَّيِّب الحسَن، كما في قوْل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم لمعاذ:"إيَّاكَ وَكرَائِمَ أَمْوَالهِمْ"

(1)

، وكرائِم جمع كَريمة.

إذِن فالرِّزق الكَريم هو الرِّزق الحسَن، ويشْمَل هَذا الشَّيْء الكَثير.

من فوائد هَذِه الآيَة:

الفَائِدَة الأُولى: إثبات الحِكْمَة لأحْكَام اللهِ عز وجل الشَّرْعيَّة والقدَرِيَّة؛ فهَذِه الآية جمعت بيْن أحْكَامٍ شرعيَّةٍ وقدَرَّيةٍ، واللهُ عز وجل منَ النَّاحية القدرِيَّةِ جعل لكلِّ شيْءٍ ما يُناسبه، وكذَلِك منَ النَّاحية الشَّرْعيَّة يَنْبغي أن نُنزل لكُلِّ شيْء ما يُناسِبُه.

الفَائِدَة الثَّانية: أنَّه يجِب عَلى الإِنْسان أن يُنْزِل النَّاس منازِلهم، فلا يصِفُ الطَّيِّبَ بالخُبْث، ولا الخبيثَ بالطَّيِّب، لأنَّ في هَذا معاكَسةً للقدَر والشَّرْع معًا، مع أنَّه يتضمَّن مفاسِد حين تصِفُ شخصًا خَبِيثًا بالطَّيِّب فتكُون بذَلِك رفعْت عنه وصفه كذبًا وزورًا، ثم إنَّك لو فعلْت هَذا تكون قد خدَعت النَّاس به، فالطَّيِّب يُوصَف بالطَّيِّب، والخبيث يُوصَف بالخُبْث، ولا يجوز للإِنْسان أن يتعدَّى ذَلِك.

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في فقرائهم، رقم (1496)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم (19).

ص: 147

الفَائِدَة الثالثة: فيها دَليلٌ على أنَّ الله سبحانه وتعالى يبَرِّئ أهل الرَّجُل الطَّيِّب العَفيف منَ الخُبْث؛ لأنَّ الطَّيِّبات للطَّيِّبين، والطَّيِّبون للطَّيِّبات، وهَذا من حِكْمَة الله عز وجل، أن الإِنْسانَ كُلَّما كان طيبًا نظيفًا وطاهرًا، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُهيئ له أهلًا بهَذِه المثابة جزاءً وِفاقًا، والأمْرُ كذَلِك بالعَكْس فيما لو كان خَبِيثًا، ولا سيَّما فيما يتعلَّق بالعِفَّة.

وهَذا شيْء لو تأمَّله الإِنْسانُ لوجده كَثيرًا، لا نَقُولُ أنَّه مُطلَقٌ وعامٌّ، فهَذا لا يمْنَع أن يكونَ هُناك حالاتٌ مُسْتثناة، وإنَّما هَذا هو الغَالِب في الواقِع، أنَّ المرْء ذا الخُلُق الخَبيث يكون أهلُه كذَلِك؛ لأنَّه لم يحْمِ نفسَه حتى يحمِيَه اللهُ عز وجل.

الفَائِدَة الرَّابعة: وفيها دَليلٌ على أنَّ مِن رحَمة اللهِ سبحانه وتعالى أنَّه يدافِع عمَّن لا يستحِقُّ ما وُصِف به من أوْصافٍ خَبِيثَة؛ لأنَّ هَذِه الآية دِفاعٌ بيِّنٌ واضِح عنْ عَائِشَة رضي الله عنها.

الفَائِدَة الخامِسَة: فيها دَليل على أنَّ مَن أُصِيب بمصيبةٍ قوْليَّة أو فعلَيَّة فإنَّ الله تَعالَى يَغْفر له، فإِنْ صَبر فلَهُ أجْر أيضًا.

الفَائِدَة السَّادسة: أنَّ مِن رحْمَة الله عز وجل بالإِنْسان الطَّيِّب أنَّه سبحانه وتعالى يدْفَع عنه أَسْباب الشرِّ، كما أنَّه يحمِيه عن الفِتَن، ومنَ الدَّفع عنه بالأحكام الشَّرْعيَّة حذُ القذف.

وكذلك يُهيِّئ له ما يحْمِيه منَ الأُمور القدرية، وأَذْكُر هنا قِصَّة جرَت على رجُلٍ مِن مدينَتِنا، وقدْ كان هَذا الرَّجُل معروفًا بالوَرَع، الَّذي يُعتَبر مِن أكْمَل ما يكُون، ذَهب في يوْمٍ ليَحْمِل من أرضِه خشبًا لأهْلِه، وكان جارُه في الأرْض قد جمَع كوْمَةً

ص: 148

لهُ مِن خشب، فأناخ هَذا الرَّجُل عنْد خشب جارِه ليَحْمِله وهو يظنُّه خشبَه، فلمَّا حمله على بَعيرِه وأرادَ أن يُقوِّمه رفض البعيرُ أنْ يقُوم، فنزَّل الحِمْل كلَّه فقام البعير، فلمَّا تأمَّل حولَه عرف أنَّه كان قد حَمل على البَعِير خشبَ جارِه، فوقَاه الله عز وجل أن يحْمِل خشبًا ليْس له، وهَذا من حِمايَة الله عز وجل، وهَكَذا فإنَّ من حِماية اللهِ للعَبْد لو عرف من نيَّته الأمانَة والعِفَّة فإنَّه يُبعد عنه أَسْباب الفساد.

بخلَاف المرْء الخبيثِ الَّذي يعلَمُ اللهُ منه أنَّه يَمِيل للشَّرِّ والفساد فإنَّه قد تتهيَّأُ له أَسْبابُ الشَّرِّ والفساد حتى يقَع فيه.

ومن أمْثِلة دفع الله سبحانه وتعالى الخُبْث عن الطَّيِّب ما جاء في قِصَّة جُريجٍ العابِد، فقدِ اتهمَتْه امرأَةٌ بغِيٌّ في نفسِها، وجاءت بطِفْل مِن راعٍ فاتَّهمت جُريجًا فيه، لكنَّ الله سبحانه وتعالى أنطق الطِّفل في المهْدِ فأشار إلى الرَّاعي وقَال هَذا أبي، فبرَّأه الله مما اتَّهمته به

(1)

، وهَذا شيْءٌ قدرِيّ.

قَال المُفَسِّر رحمه الله: [وَقَدْ افْتَخَرَتْ عَائِشَة بِأشْيَاء مِنْهَا أَنَّهَا خُلِقَتْ طَيِّبة وَوُعِدَتْ مَغْفِرَة وَرِزْقًا كَرِيمًا]، أي كأنَّها رضي الله عنها فهمت أن هَذِه الآية قد نزَلت فِيها، فكانَتْ تفتَخِر بها، والمرادُ بالافْتخار هنا التَّحدُّث بنعمة اللهِ، لا إظهارُ العُلوِّ على النَّاس.

فالافْتِخارُ يكونُ بوَجْهين:

الأوَّل: أن يتحدَّث المرءُ بنعمة الله عز وجل علَيْه، وهَذا افتِخار طيِّبٌ، وهو مما

(1)

أخرجه البخاري: كتاب المظالم والغصب، باب إذا هدم حائطا فليبن مثله، رقم (2482)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة، رقم (2550).

ص: 149

أمَر اللهُ به، ومنه قوْله النَّبيّ صلى الله عليه وسلم:"أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ"

(1)

، ومنه ما رُوي عن صفيَّة رضي الله عنها أنَّها كانَتْ تفتَخِر على زوْاجَات النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أن اللهَ زوَّجَها في السَّماء

(2)

.

الثَّاني: أن يفتَخِر الإِنْسانُ ليُظْهر فضلَه على غيْرِه، ويعلوَ بِه على غيْرِه، وهَذا لا يجُوز، قَال الله تَعالَى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18)} [لقمان: 18]، فهَذا الفَخْر الَّذي منَ الخُيَلاء الَّذي لا يُحبُّه الله عز وجل.

* * *

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم، رقم (2278).

(2)

أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم، رقم (7421).

ص: 150