المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (40) قَالَ اللهُ عز وجل: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ - تفسير العثيمين: النور

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين 1347 - 1421 هـ

- ‌نَسَبُهُ وَمَوْلِدُهُ:

- ‌نَشْأَتُهُ العِلْمِيَّةِ:

- ‌تَدْرِيسُهُ:

- ‌آثَارُهُ العِلْمِيَّةُ:

- ‌أَعْمَالُهُ وجُهُودُهُ الأُخْرَى:

- ‌مَكانَتُهُ العِلْمِيَّةُ:

- ‌عَقِبُهُ:

- ‌وَفَاتُهُ:

- ‌الآية (1)

- ‌الآية (2)

- ‌الآية (3)

- ‌الآية (4)

- ‌الآية (5)

- ‌الآية (6)

- ‌الآية (7)

- ‌الآية (8)

- ‌الآية (9)

- ‌الآية (10)

- ‌الآية (11)

- ‌الآية (12)

- ‌الآية (13)

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌الآية (16)

- ‌الآية (17)

- ‌الآية (18)

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌الآية (21)

- ‌الآية (22)

- ‌الآية (23)

- ‌الآية (24)

- ‌الآية (25)

- ‌الآية (26)

- ‌الآية (27)

- ‌الآية (28)

- ‌الآية (29)

- ‌الآيتان (30، 31)

- ‌الآية (32)

- ‌الآية (33)

- ‌الآية (34)

- ‌الآية (35)

- ‌الآيتان (36، 37)

- ‌الآية (38)

- ‌الآية (39)

- ‌الآية (40)

- ‌الآية (41)

- ‌الآية: (42)

- ‌الآية (43)

- ‌الآية: (44)

- ‌الآية (45)

- ‌الآية (46)

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌الآية (49)

- ‌الآية (50)

- ‌الآية (51)

- ‌الآية (52)

- ‌الآية (53)

- ‌الآية (54)

- ‌الآية (55)

- ‌الآية (56)

- ‌الآية (57)

- ‌الآية (58)

- ‌الآية (59)

- ‌(الآية: 60)

- ‌الآية (61)

- ‌الآية (62)

- ‌الآية (63)

- ‌الآية (64)

الفصل: ‌ ‌الآية (40) قَالَ اللهُ عز وجل: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ

‌الآية (40)

قَالَ اللهُ عز وجل: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)} [النور: 40]

* * *

بعدما ضرب الله مثلًا لكافرٍ عمل يُرِيد التقرب إلى الله عز وجل؛ ضرب مثلًا آخر وهو قَوْله تَعَالَى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} .

قَوْلهُ: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} .

{أَوْ} ؛ هُنا لَيْسَت للشك بلا ريب؛ لأَن الله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن الشَّك؛ لأَن الشَّك إنما يَكُون لقُصور علم الْإِنْسَان أو لقُصور علم الشَّاكّ، أما الله عز وجل فعلمه واسمع، يعني لا يُمْكِن أنْ يقولَ الله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ} ؛ إما مثل هَذَا أو مثل هَذَا على سبيل الشَّكّ؛ كما تقول مثلًا: أنا رأيتُ هَذَا الشَّيء وهو يشبه كذا أو كذا، هَذَا لا يُمْكِن أن يَكُون في حق الله عز وجل، إذن فـ (أو) للتنويع، في قَوْلهُ:{أَوْ كَظُلُمَاتٍ} ، يعني: أو أعمالهم كظلمات

إِلَى آخِرِهِ.

قَوْلهُ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ} ؛ يَقُول المُفَسِّر رحمه الله: [السَّيِّئةَ {كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} عَمِيقٍ {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ} ، أَي: المَوجُ {مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ} ، أَي: المَوجُ الثَّاني {سَحَابٌ} ، أي: غَيْمٌ؛ {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ظُلْمَة الْبَحْر

ص: 277

وَظُلْمَة المَوْج الْأَوَّل وَظُلْمَة الثَّانِي وَظُلْمَة السَّحَاب {إِذَا أَخْرَجَ} ، أَي: النَّاظِر {يَدَهُ} فِي هَذِهِ الظُّلُمَات {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أَي: لَمْ يَقْرُب مِنْ {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ، أَي: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ الله لَمْ يَهْتَد} اهـ.

هَذَا قسم ثان من الْكُفَّار، وهَذَا التقسيم للتنويع كما تقدَّم، فالأول والله أعلم: في حال الكافر المجتهد الَّذِي عنْدَه فهم واجتهاد الَّذِي يظن أن عمله ينفعه، والثَّاني: في حال المقلد الَّذِي لا يدري وعنده جهل وضلال؛ فهو في ظلمة يسير مع الْكُفَّار وهو لا يدري.

قَوْلهُ: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} البحر: معْرُوف، واللجي: العميق، وكلما كَانَ البحر أعمق كَانَت ظلمته أَشَدّ.

قَوْلهُ: {يَغْشَاهُ مَوْجٌ} بمَعْنى يغطي هَذَا الكافر {مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} أيضًا أمواج عالية لكن ما حد الموج الثَّاني من الأوَّل؟ يعني ما الَّذِي يميز الموج الثَّاني عن الموج الأوَّل؟

الجواب: إما أن يُقال بالاتجاه يعني الأمواج تتلاقى، موج يأتي من هُنا والثَّاني أعلى منه أتى من جهة ثانية من أجل أن يتبَيَّن علو هَذَا على ذاك، أو أنَّها أمواج متلاحقة، مثلًا موج مقبل كارتفاع الجبل ووراءه موجٌ آخر أعلى منه، فإذا لحقه صار موجًا من فوقه موج، وأما أنَّه موج واحد فلا يُمْكِن أن يفصل بعضه عن بعض، ومن شاهد البحر وجد الْأَمْر كَذلِكَ، تجد أمواجًا متلاحقة، أحيانًا إِذَا انعكس الهواء تتقابل وأحيانًا تتلاحق، لكن هَذِهِ الأمواج المتلاحقة أيضا تجري، سبحان الله العَظِيم، مثل الدرج، يعني: بعضها فوق بعض، هَذَا هو ما ضربه الله سبحانه وتعالى في هَذَا المثل.

ص: 278

قَوْلهُ: {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} السَّحاب في الحقيقَة مراتب في الجو ولَيْسَ كما يغلب على ظننا أنَّه في طبقة واحدة، لا، بل في طبقات متباعدة جدًّا، وهَذَا يعرفه الْإِنْسَان إِذَا ركب الطَّائرة يجد أحيانًا سحابًا بينه وبين الطَّائرة من أسفل مثل ما بين السَّحاب والأَرْض، وسحاب فوقه بينه وبينه مثل ما بين الطَّائرة والأَرْض وهو بينهما، وهَذَا شَيْء معْرُوف ومشاهد، فالظَّاهِر والله أعلم أن قَوْلهُ:{مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} مثل قَوْلهُ: {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} بمَعْنى أن السَّحاب يكاد يَكُون ملاصقًا لهذه الأمواج، ويُمْكِن أيضا أن يُراد بالسَّحاب ما يشمل الضَّباب؛ لأَن حَقِيقَة الْأَمْر أن الضَّباب سحاب لأَنَّه ينسحب على الأَرْض، فإذا وجد ذَلِك صَارَت الظُّلْمة واضحة جدًّا، ولا شَك أن الضَّباب يقرب من سطح البحر، سواء كَانَ قريبًا أو بعيدًا، لكن أيهما أَشَدّ؟ إِذَا قرب أَشَدّ.

قَوْلهُ: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} انظر التهويل في هَذَا المثل يعني كَانَ يكفي أنْ يقولَ: {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} ، لكن لأجل تهويله في النَّفس وبَيان عظمته، قَالَ:{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} .

ثم ضرب مثلًا فقال: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} .

ما أقرب شَيْء لك؟ اليد مِنْ أقرب ما يَكُون إليك، بل هي أقرب شَيْء لك من الأعضاء المتحركة الَّتِي يُمْكِن أن تُرى، يُمْكِن أن تُخرج ويُمْكِن ألا تُخرج.

قَوْلهُ: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} هل معنى {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أنَّه يراها بصعوبة أو لا يراها؟

يَقُول النَّحويون: إن (كاد) إِثْباتها نفي ونفيها إِثْبات، فإذا قلت:"لم أكد أفعل" فمعناه: فعلت لكن بَعْدَ بُعْدٍ، فقَوْلهُ:{لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} على هَذِهِ القاعِدَة؟ رآها لكن

ص: 279

مع بُعْد الرؤية وصعوبتها، لكن الظَّاهِر كما قَالَ: آخرون من النَّحويين: إن (كاد) مثل غيرها نفيها نفي وإِثْباتها إِثْبات، لكن هي بمَعْنى قارب، فإذا قلت: كدتُ أفعل، أي: قاربتُ أن أفعل، لكن فأنت لم تفعل لكن قاربت، ولِهَذَا هي عُدَّت عند النَّحويين من أفعال المقاربة، فمن نفى أن يقارب الشَّيء فإنَّه قطعًا لم يفعله، ومن أثبت أنَّه مقاربٌ له فهو أيضًا قطعًا لم يفعله؛ وهَذَا معنى قولك: قاربتُ الفِعْل؛ أي: ولم أفعل، فإذا قِيلَ: لم يكد يفعل كذا.

ولم يسبق ما يدُلّ على فعله فإنَّه لم يفعله؛ أي: إن وجدت قرينة تدُلّ على فعله فهَذ القرينة هي الَّتِي تدُلّ على الفِعْل، فلو قلت: وصلت إلى البلد ولم أكد أصل، دل ذَلِك على وصولك، والقرينة قولك: وصلت، وأما قولك: ما كدت فلا يدُلّ على الوصول، لكن إِذَا قلت: سرت إلى البلد ولم أكد أصل، لا يَكُون واصلًا ولا مقاربًا للوصول ما لم يوجد دَليل.

فإذا لم يسبق شَيْء يدُلّ على الفِعْل فإنَّه يقين لم يفعل، مثل قَوْل عمر رضي الله عنه:"مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ"

(1)

، يعني: ما قاربت صلاة العصر، لكن هل صلّاها أو لم يصلّها؟ لم يصلّها، يعني: ما قاربت صلاة العصر حَتَّى قاربت الشَّمس الغروب، فلمَّا قَارَبَتْ الشَّمسُ الغروب قَارَبَتْ صلاة العصر، هو رضي الله عنه لم يصل إلَّا بعد الغروب مع النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام، لكن كأنه في الأوَّل لم يتهيأ له أن يقرب من الصَّلاة فضلًا عن أن يصليها، المَعْنى أنهم شغلهم الْكُفَّار عن قرب غروب الشَّمس فما قارب أن يصلي، ومقاربة الصَّلاة بالتهيؤ لها أي: ما تهيأتُ

(1)

أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، حديث رقم (4112)؛ عن جابر بن عبدِ الله.

ص: 280

للصلاة حَتَّى قاربت الشَّمس أن تغرب، ولِهَذَا صلى مع النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام صلاة العصر بعد غروب الشَّمس، فالحاصِل: أن في قَوْلهُ: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أثبتت المقاربة، لكن علمنا انتفاء الفِعْل من المقاربة؛ فقَوْلهُ:{لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} ، أي: لم يقرب أن يراها كما قَالَ المُفَسِّر.

إذن إِذَا كَانَ لم يقرب أن يراها فانتفاء الرؤية مِنْ بَابِ أَوْلَى.

وأما قَوْله تَعَالَى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71]، لَوْلا قَوْلهُ:(ذبحوها) لم تدُلّ الآية على أنهم ذبحوها، لكن المَعْنى أنهم ذبحوها بعد أن كانوا بعيدين عن الذبح لم يقصدوه ولا نووا أن يمتثلوا، بل قالوا لنبيهم: أتتخذنا هزوًا، بعد هَذَا البُعد عن الفِعْل وبعد أن أجيبوا بطلباتهم ذبحوها، فهم كانوا بعيدين عن الامتثال إلَّا أنَّه بعد الإلحاح وبعدما قالوا:{يُبَيِّنْ لَنَا} ، وبُيِّن كما طلبوا بعد ذَلِك أُجيب، وهَذَا مَثَلٌ في الحقيقَة يَنْبَغِي لِلإنْسان أن يعتبره بنَفْسِه وأنه عنْدَما يؤمر بالْأَمْر لا يَقُول: لماذا كذا ولماذا كذا؛ لأَن هَذَا خطير فقد قَالَ اللهُ عز وجل: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]، لِهَذَا يَجب على المُسْلِم إِذَا علم بالشَّرع أن يستسلم ولا بأس فيما بعد فيما يقرر علَى نفْسِه أنَّه ممتثل، لا بأس فيما بعد أن يسأل عن الحِكْمة؛ لأَن سؤال الحِكْمة لا ينافي الانقياد، لكن المُهِمّ أن يستسلم أولًا ولا يورد إيُرادات وشبهات، لماذا، ولماذا كذا وكذا، ثم بعد ذَلِك يفعل إِذَا شاء.

قَوْلهُ: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} يعني الَّذِي لم يجعل الله له نورًا لم يكن له نور، يَقُول المُفَسِّر رحمه الله: [أَي: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ الله لَمْ يَهتدِ} اهـ.

ص: 281

جعل المُفَسِّر هُنا النُّور نورًا معنويًّا؛ أي: من لم ينوِّر الله قلبه بالعلم والإِيمَان فلا أحد ينور قلبه فما له من نور.

لو قَالَ قَائِلٌ: ما الغرض من مثل هَذِهِ الآيات الَّتِي يذكرها الله سبحانه وتعالى، كقَوْله تَعَالَى:{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)} [الرعد: 33] وكقَوْلهُ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186]، وكقَوْلهُ:"مَنْ يَهْدِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ"

(1)

، وما أشبه ذَلِك، هل الغرض منها تقرير مذهب الجبرية كما استلوا بها أو الغرض شَيْء آخر؟

الجواب: قطعًا لَيْسَ الغرض من ذَلِك تقرير مذهب الجبرية؛ لأَن الجبرية مذهبهم باطل يبطله الحس والشَّرع والعقل والفطرة، لكن الغرض من ذَلِك ألا يعتمد الْأِنْسَان علَى نفْسِه وأن يلجأ دائمًا إلى الله عز وجل في طلب الهداية وطلب النُّور وطلب التَّوفيق وغير ذَلِك، وإلَّا فمن المعْلُوم أن الله لا يقرر أمرًا باطلًا يبطله بالعقل والحس.

فعلى كل حال يَقُول الله عز وجل: إِذَا لم يجعل الله لِلإنْسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وقد أتى بالجُمْلَة الأسْمية الدالة على الثُّبوتِ والاستمرار {فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} وأكّد انتفاء النُّور عنه بـ {مِنْ} الزائدة في قَوْلهُ:{مِنْ نُورٍ} ؛ لأَن {مِنْ} زائدة و {نُورٍ} مُبْتَدَأ مؤخر؛ أي: فلَيْسَ له نورٌ.

فإذن نعلم بهَذَا أن الله سبحانه وتعالى هو الَّذِي يتصرف في ملكه كما يشاء، وأن من أعطاه الله النُّور فهو على نور من ربه، ومن لم يعطه الله نورًا فما له من نور، ومن أين يأتيه النُّور وقد حجب الله النُّور عنه.

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم (867).

ص: 282

ولكن اعلم أيضًا أن حجب الله النُّور عن العَبْد لَيْسَ منعًا لفضله تبارك وتعالى فإنَّه سبحانه وتعالى ذو الفَضْل العَظِيم والعطاء أحب إلَيْه من المنع، والهداية أحب إلَيْه من الإضلال، لكن لأَن المرء نفسه هو الَّذِي منع عن نفسه هَذَا النُّور، واقرأ قَوْل الله تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، واقرأ قَوْل الله تعالى:{فَإِنْ تَوَلَّوْا} يعني عن الحَقّ وأعرضوا عنه {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ} [المائدة: 49]، يتبَيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجب النُّور عنه بسبب نفسه فهو الَّذِي لم يهتدِ.

فعلى كل حال هَذِهِ الآية تدُلّ على أنَّه يَنْبَغِي بل يَجب على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأنه يسأله أن ينور قلبه؛ لأَن {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} هَذَا منطوق الآية، مفهوم الاصلة من جعل الله له نورًا فلا أحد يحجب عنه نور الله عز وجل.

* * *

ص: 283