الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتحبا ما أحبه وتكرها ما كرهه .. فقد مالت قلوبكما إلى الحق والخير، وأديتما ما يجب عليكما نحوه صلى الله عليه وسلم من إجلال وتكريم لمنصبه الشريف. ثم ذكر سبحانه أنه حافظه وحارسه، فلا يضره أذى مخلوق، فقال: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ
…
} إلخ؛ أي: وإن تتعاونا على العمل بما يؤذيه ويسؤوه، من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره .. فلن يضره ذلك شيئًا؛ فإن الله ناصره في أمر دِينه وسائر شؤونه على كل من يتصدى لما يكرهه، وجبريل والمؤمنون الصالحون والملائكة مظاهرون له ومعينون.
وقد أعظم (1) الله سبحانه شأن نصرة نبيه على هاتين الضعيفتين للإشارة إلى عظم مكر النساء، وللمبالغة في قطع أطماعهما، في أنه ربما شفع لهما مكانتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند المؤمنين لأمومتهما لهم، وكرامة له صلى الله عليه وسلم، ورعاية لأبويهما، ولتوهين أمر تظاهرهما، ودفع ما عسى أن يتوهمه المنافقون من ضرره في أمر النبوة، وقهر أعداء الدين؛ إذ قد جرت العادة بأن الشؤون المنزلية تشغل بال الرجال، وتضيع زمنًا في تفكيرهم فيها، وقد كانوا أحق بالتفكير فيما هو أجدى نفعًا وأجل فائدة.
5
- ثم شرع سبحانه في تخويفهما، بأن ذكر لهما أنه صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يطلقكما، ثم إنه إن طلقكما لا يعود ضرر ذلك إلا إليكما؛ لأنه يبدله أزواجًا خيرًا منكما، فقال:{عَسَى رَبُّهُ} ؛ أي: حقق رب محمد صلى الله عليه وسلم {إِنْ طَلَّقَكُنَّ} وهذا شرط معترض بين اسم {عَسَى} وخبرها، وجوابه محذوف تقديره: إن طلقكن .. يبدله أزواجًا خيرًا منكن، أو متقدم على {عَسَى}؛ أي: إن طلقكن .. فعسى أن يبدله. {أَنْ يُبْدِلَهُ} ؛ أي: أن يعطي الله سبحانه محمدًا صلى الله عليه وسلم بدلكن {أَزْوَاجًا} مفعول ثان ليبدله وقوله: {خَيْرًا مِنْكُنَّ} صفة للأزواج، وكذا ما بعده من قوله:{مُسْلِمَاتٍ} إلى {ثَيِّبَاتٍ} . وفيه تغليب المخاطب على الغائبات، فالتقدير: إن طلقكما وغيركما، أو تعميم الخطاب لكل الأزواج بأن يكن كلهن مخاطبات لما عاتبهما بأنه قد صغت قلوبكما، وذلك يوجب التوبة.
فإن قلت: كيف أثبت الخيرية لهن بالصفات المذكورة بقوله: {مُسْلِمَاتٍ} إلى
(1) المراغي.
آخره مع اتصاف أزواجه صلى الله عليه وسلم بها أيضًا؟
قلت: المراد خيرًا منكن في حفظ قلبه ومتابعة رضاه مع اتصافهن بهذه الصفات.
وليس (1) في الآية ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يطلق حفصة، وعلى أن النساء خيرًا منهن، فإن تعليق الطلاق للكل لا ينافي تطليق واحدة، وما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه. يعني: أن هذه الخيرية لما علقت بما لم يقع لم تكن واقعة في نفسها، وكان الله عالمًا بأنه صلى الله عليه وسلم لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن .. أبدله خيرًا منهن، تخويفًا لهن، كقوله تعالى:{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} ، فإنه إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
قيل: كل {عَسَى} في القرآن واجب إلا هذا. وقيل: هو أيضًا واجب، ولكن الله علقه بشرط، وهو: التطليق، ولم يطلقهن. وفي "فتح الرحمن":{عَسَى} تكون للوجوب في ألفاظ القرآن إلا في موضعين:
أحدهما: في سورة محمد {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ} ؛ أي: علمتم أو تمنيتم.
والثاني: هنا، ليس بواجب؛ لأن الطلاق معلق بالشرط، فلما لم يوجد الشرط .. لم يوجد الإبدال، انتهى.
وقرأ الجمهور (2): {طَلَّقَكُنَّ} بفتح القاف، وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس بإدغامها في الكاف.
ثم وصف سبحانه الأزواج بقوله: {مُسْلِمَاتٍ} ؛ أي: مقرات باللسان {مُؤْمِنَاتٍ} ؛ أي: مخلصات بالجَنان .. فليس من قبيل التكرار - أو منقادات انقيادًا ظاهريًا بالجوارح مصدقات بالقلوب، أو قائمات بفرائض الإسلام، مصدقات بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبا لقدر خيره وشره. {قَانِتَاتٍ}؛ أي: مطيعات؛ أي: مواظبات على الطاعة، أو مصليات {تَائِبَاتٍ} من الذنوب {عَابِدَاتٍ}؛ أي: متعبدات، أو متذللات لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم {سَائِحَاتٍ}؛ أي:
(1) روح البيان.
(2)
البحر المحيط.
صائمات. سمى الصائم سائحًا؛ لأنه يسيح في النهار بلا زاد، فلا يزال ممسكًا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره.
وقال بعضهم (1): الصوم ضربان:
صوم حقيقي، وهو: ترك المطعم والمشرب والمنكح.
وصوم حكمي، وهو: حفظ الجوارح من المعاصي، كالسمع والبصر واللسان والسائح هو الذي يصوم هذا الصوم دون الأول. انتهى. أو مهاجرات من مكة إلى المدينة، إذ في الهجرة مزيد شرف ليس في غيرها، ما قال ابن زيد: ليس في أمة محمد سياحة إلا الهجرة، والسياحة في الأصل: الجولان في الأرض.
وقرأ الجمهور (2): {سَائِحَاتٍ} ، وعمرو بن فائد {سَيِّحات} . وهذه الصفات السابقة تجتمع، وأما الثيوبة والبكارة فلا يجتمعان في ذات واحدة لتنافيهما، فلذلك عطف أحدهما على الآخر في قوله:{ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} . ولو لم يعطف .. لاختل المعنى، فكأنه قيل: أزواجًا خيرًا منكن متصفات بهذه الصفات المذكورة المحمودة، كائنات بعضها ثيبات، تعريضًا لغير عائشة، وبعضها أبكارًا تعريضًا لها، فإنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وحدها بكرًا، وهو الوجه في إيراد {الواو} الواصلة دون {أو} الفاصلة؛ لأنها توهم أن الكل ثيبات أو كلها أبكار. الثيب تمدح من جهة أنها أكثر تجربة وعقلًا وأسرع حبلًا غالبًا، والبكر تمدح من جهة أنها أطهر وأطيب وأكثر ملاعبة ومداعبة غالبًا. وسميت الشيب ثيبًا؛ لأنها ثابت؛ أي: رجعت إلى بيت أبويها، وسميت العذراء بكرًا؛ لأنها على أول حالتها التي خلقت بها.
قال السيوطي - رحمه الله تعالى - (3): ذكر بعض أهل العلم أن في هذا إشارة إلى مريم البتول، وهي البكر، وإلى آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وأن الله سيزوجه عليه السلام إياهما في الجنة، كما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال أبو الليث: تكون وليمة في الجنة، وسيجتمع عليها أهل الجنة، فيزوج الله هاتين المرأتين؛ يعني: آسية ومريم، من محمد صلى الله عليه وسلم كما رواه معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبدأ بالثيب قبل البكر؛ لأن زمن آسية قبل زمن مريم، ولأن أزواج
(1) روح البيان.
(2)
المراغي.
(3)
روح البيان.
النبي صلى الله عليه وسلم كلهن ثيب إلا واحدة، وأفضلهن خديجة، وهي ثيب. فتكون هذه القبلية من قبلية الفضل والزمان أيضًا؛ لأنه تزوج الشيب منهن قبل البكر.
ثم إن المراد من الإبدال أن يكون في الدنيا، كما أفاده قوله تعالى:{إِنْ طَلَّقَكُنَّ} ؛ لأن نساء الجنة يكن أبكارًا، سواء كن في الدنيا ثيبات أو أبكارًا.
ومعنى الآية (1): أي عسى الله أن يعطيه صلى الله عليه وسلم بدلكن أزواجًا خيرًا منكن إسلامًا وإيمانًا، ومواظبة على العبادة، وإقلاعًا عن الذنوب، وخضوعًا لأوامر الرسول، بعضهن ثيبات وبعضهن أبكارًا، إن هو قد طلقكن.
والخلاصة: احذرن أيتها الأزواج من إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والتألب عليه والعمل على ما يسؤوه؛ فإنه ربما أحرج صدره فطلقكن، فأبدله الله من هو خير منكن في الدين والصلاح والتقوى وفي الشؤون الزوجية، فأعطاه بعضهن أبكارًا وبعضهن ثيبات.
ولا شيء أشد على المرأة من الطلاق، ولا سيما إذا استبدل خير منها بها.
ثم اعلم (2): أن في الآيات المتقدمة فوائد:
منها: أن تحريم الحلال غير مرضي، كما أن ابتغاء رضي الزوج بغير وجهه وجه ليس بحسن.
ومنها: أن إفشاء السر ليس في المروءة، خصوصًا إفشاء أسرار السلاطين الصورية والمعنوية لا يعفى، وكل سرّ جاوز الاثنين .. شاع؛ أي: المسر والمسر إليه، أو الشفتين.
ومنها: أن من الواجب على أهل الزلة التوبة والرجوع قبل الرسوخ واشتداد القساوة.
ومنها: أن البكارة وجمال الصورة وطلاقة اللسان ونحوها، وإن كانت نفاسة جسمانية مرغوبة عند الناس، لكن الإيمان والإسلام والقنوت والتوبة ونحوها نفاسة روحانية مقبولة عند الله، وشرف الحسب أفضل من شرف النسب، والعلم المديني
(1) المراغي.
(2)
روح البيان.