المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والثالث: دلالة المصنوعات على أن صانعها متصف بنعوت الجلال، مقدس - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: والثالث: دلالة المصنوعات على أن صانعها متصف بنعوت الجلال، مقدس

والثالث: دلالة المصنوعات على أن صانعها متصف بنعوت الجلال، مقدس عن الإمكان وما يتبعه.

وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حيًّا كان أو جمادًا، وتسبيحها: سبحان الله وبحمده. وهذا على الإطلاق. وأما بالنسبة إلى كل موجود: فالتسابيح مختلفة، فلكل موجود تسبيح مخصوص به من حيث ما يقتضيه نشأته، كما قال بعض الكبار. فإذا رأيت هؤلاء العوالم مشتغلين بالذكر الذي أنت عليه .. فكشفك خيالي غير صحيح لا حقيقي، وإنما ذلك خيالك أقيم لك في الموجودات، فإذا شهدت في هؤلاء تنوعات الأذكار .. فهو الكشف الصحيح، انتهى.

{وَهُوَ} سبحانه {الْعَزِيزُ} ؛ أي: ذو العزة القاهرة {الْحَكِيمُ} ؛ أي: ذو الحكمة الباهرة. وفي إيراد الوصفين بعد التسبيح إشارة إلى الباعث له والداعي إليه؛ لأن العزة أثر الجلال، والحكمة أثر الجمال، فله تعالى الاتصاف بصفات الكمال.

‌2

- قال المفسرون (1): نزلت هذه السورة في بني النضير - وهم: طائفة من اليهود من ذرية هارون أخي موسى عليه السلام وكان بنو النضير، وقريظة وبنو قينقاع في وسط أرض العرب من الحجاز وإن كانوا يهودًا، والسبب في ذلك: أن بني إسرائيل كانت تُغِير عليهم العماليق في أرض الحجاز، وكانت منازلهم: يثرب والجحفة إلى مكة، فشكت بنو إسرائيل ذلك إلى موسى عليه السلام، فوجه إليهم جيشًا وأمرهم أن يقتلوهم ولا يبقوا منهم أحدًا، ففعلوا ذلك، وترك منهم ابن مَلِكٍ لهم كان غلامًا حسنًا، فرقوا له. ثم رجعوا إلى الشام وموسى قد مات، فقالت بنو إسرائيل: قد عصيتم وخالفتم فلا نؤويكم، فقالوا: نرجع إلى البلاد التي غلبنا عليها ونكون بها، فرجعوا إلى يثرب، فاستوطنوها وتناسلوا بها إلى أن نزل عليهم الأوس والخزرج بعد سيل العرم، فكانوا معهم إلى الإِسلام، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم .. صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا وظهر على المشركين .. قال بنو النضير: والله إنه النبي الأمي الذي نجد نعته في التوراة، لا تُردُّ له راية. فلما غزا أُحدًا وهزم المسلمون .. ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ونقضوا

(1) الخازن بتصرف.

ص: 95

العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشًا، فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم، ودخل أبو سفيان في أربعين من قريش، وكعبُ بن الأشرف في الأربعين من اليهود المسجد الحرام، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، فنزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمره بقتل كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة - بفتح الميم - الأنصاري، وكان أخا كعب من الرضاعة، فقتله غيلةً - أي: خدعة - وذلك أنه أتاه ليلًا فاستخرجه من ييته بقوله: إني أتيتك لأستقرض منك شيئًا من التمر، فخرج إليه فقتله، ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم به؛ لأنه أضعف قلوبهم، وسلب قوتهم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح حَجَر على النبي صلى الله عليه وسلم من الحصن، فعصمه الله سبحانه منهم، وأخبره بذلك جبريل عليه السلام.

فلما قتل كعب بن الأشرف .. أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية يقال لها: زهرة، فلما سار إلهم النبي صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، فقالوا: يا محمد! واعية على إثر واعية، وباكية على إثر باكية، قال:"نعم". فقالوا: ذرنا نبك شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اخرجوا من المدينة"، فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب وأذَّنوا بالقتال، ودس المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه إليهم أن لا تخرجوا من الحصين، فإن قاتلوكم .. فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم .. لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة وحصنوها، ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك .. آمنا كلنا. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من اليهود، حتى كانوا في براز من الأرض، فقال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب الموت قبله، ولكن أرسلوا إليه كيف نفهم ونحن ستون؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك،

ص: 96

ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فيسمعون منك، فإن آمنوا بك .. آمنا بك وصدقناك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود معهم الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها - وهو رجل مسلم من الأنصار - فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعًا حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الغد صبحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به، فقبلوا ذلك، فصالحم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة - وهي: السلاح - وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم. قال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي. وقيل: أعطي كل ثلاثة نفر بعيرًا وسقاء، ففعلوا ذلك، وخرجوا من ديارهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حييّ بن أخطب؛ فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

فذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني: بني النضير {مِنْ دِيَارِهِمْ} ؛ أي: من بيوتهم التي كانت بالمدينة.

قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان، انتهى. أي: أمر بإخراج أهل التوراة؛ يعني: بني النضير من ديارهم. جمع دار. والفرق بين الدار والبيت: أن الدار دار وإن زالت حوائطها، والبيت ليس ببيت بعدما انهدم جدرانها؛ لأن البيت اسم لمبنى مسقف، مدخله من جانب واحد بني للبيتوتة، سواء كان حيطانه أربعة أو ثلاثة. وهذا المعنى موجود في الضُّفَّة إلا أن مدخلها واسع، فيتناولها اسم البيت. والبيوت اسم أخص بالمسكن، والأبيات بالشِّعر.

و {اللام} في قوله: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} للتوقيت كاللام في قوله: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، متعلقة بـ {أَخْرَجَ}؛ أي: عند أول حشرهم وسوقهم إلى الشام، وفي "كشف الأسرار": اللام لام العلة؛ أي: أخرجوا من ديارهم ليكون حشرهم إلى

ص: 97

الشام أول الحشر، والحشر معناه: إخراج جمع من مكان إلى آخر، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، إذ كان انتقالهم من بلاد الشام إلى جانب المدينة عن اختيار منهم، وهم أول في أخرج به من جزيرة العرب إلى الشام، فعلى هذا الوجه ليس الأول مقابلًا للآخر.

وسميت جزيرة؛ لأنه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات. قال الخليل بن أحمد: مبدأ الجزيرة من حفر أبي موسى، إلى اليمن في الطول، ومن رمل بِبِريش - وهو موضع بحذاء الإِحساء - إلى منقطع السماوة في العرض. والسماوة بالفتح: موضع بين الكوفة والشام. أو يقال: هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله عنه إياهم من خيبر إلى الشام، وذلك حين بلغه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يبقين دينان في جزيرة العرب". وقيل: آخر الحشر: حشر جمع الناس يوم القيامة؛ لأن المحشر يكون بالشام. قال عكرمة: من شك أن المحشر يوم القيامة في الشام .. فليقرأ هذه الآية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم:"اخرجوا" .. قالوا: إلى أين؛ قال: "إلى أرض المحشر". قال ابن العربي: الحشر أوّل وأوسط وآخر. فالأول: إجلاء بني النضير، والأوسط: إجلاء أهل خيبر، والآخر: يوم القيامة، انتهى.

{مَا ظَنَنْتُمْ} أيها المسلمون {أَنْ يَخْرُجُوا} ؛ أي (1): أن يخرج بنو النضير من ديارهم وبيوتهم بهذا الذل والهوان؛ بشدة بأسهم ووثاقة حصونهم؛ لأنهم كانوا أهل حصون مانعة، وعقار ونخيل واسعة، وأهل عَدد كثيرة وعُدد وافرة. {وَظَنُّوا}؛ أي: ظن بنو النضير ظنًا قويًا هو بمرتبة اليقين؛ لأن {أَنْ} لا تقع إلا بعد فعل اليقين أو ما نزل منزلته. {أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ} وحافظتهم {حُصُونُهُمْ} وقلاعهم {مِنَ} بأس {اللَّهِ} وعذابه وبطشه؛ أي: وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وقهره وبطشه. وقوله: {مَانِعَتُهُمْ} خبر مقدم، {حُصُونُهُمْ} مبتدأ مؤخر، والجملة خبر {أَنَّهُمْ} . وقدم الخبر وأسند الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم في عزة ومنعة لا يبالى بسببها، فتقديم المسند يفيد قصر المسند إليه على المسند. فإن معنى قائم زيد: أن زيدًا مقصور على القيام لا

(1) روح البيان.

ص: 98

يتجاوزه إلى القعود، وكذا معنى الآية: أن حصونهم ليس لها صفة غير المانعية، ويجوز أن يكون {مَانِعَتُهُمْ} خبر {أَنَّهُمْ} ، و {حُصُونُهُمْ} فاعل {مَانِعَتُهُمْ} لاعتماده على المبتدأ. ورجح الثاني أبو حيان، والأول أولى.

فإن قيل: ما المانع من جعل {مَانِعَتُهُمْ} مبتدأ {حُصُونُهُمْ} خبرًا، فإن كليهما معرفة؟

قلت: كون {مَانِعَتُهُمْ} نكرةً؛ لأن إضافتها غير مخصصة، وأن القصد إلى الإخبار عن الحصون.

{فَأَتَاهُمُ اللَّهُ} ؛ أي: أتى بني النضير أمرُ الله وقدره المقدور لهم {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} ولم يظنوا ولم يخطر ببالهم؛ أي: أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة، وهو: أنه سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم، وكانوا لا يظنون ذلك. وقيل: هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه، قاله ابن جريج، والسدي، وأبو صالح؛ فإنّ قَتْلَهُ ممَّا أضعف قوتهم، وقيل شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب. و {الفاء}: إما للتعقيب إشارة إلى أن البأس لم يكن متراخيًا عن ظنهم، أو للسبب إشارة إلى أنهم إنما أخذوا بسبب إعجابهم بأنفسهم وقطعهم النظر إلى صدرة الله وقوَّته.

{وَقَذَفَ} ؛ أي: ألقى الله سبحانه وتعالى، وأركز، وأثبت {فِي قُلُوبِهِمُ}؛ أي: في قلوب بني النضير {الرُّعْبَ} ؛ أي: الخوف الذي أرعبها وملأها، بحيث غير عقلهم، وأعجز أنفسهم، وشوش رأيهم، وفرق تدبيرهم؛ أي: ألقى في قلوبهم الخوف من المسلمين. والمراد (1) بالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم هو: الذي ثبت في "الصحيح" من قوله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب مسيرة شهر".

وجملة قوله: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} مستأنفة لبيان حالهم عند الرعب أو في محل النصب على الحال؛ أي: يخربونها بأيديهم ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة أفواه الأزقة، ولئلا تبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء .. حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها

(1) الشوكاني.

ص: 99

من داخل والمسلمون من خارج، ولينقلوا معهم بعض آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل. {وَ} بـ {أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} حيث كانوا يخربونها إزالة لمتحصنهم ومتمنعهم، وتوسيعًا لمجال القتال، وإضرارًا بهم، وإسناد هذا إليهم لما أنهم السبب فيه، فكأنهم كلفوهم إياه، وأمروهم به، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم:"من أكبر الكبائر: أن يسب الرجل والديه"، فقالوا: وكيف يسب الرجل والديه؟ فقال: "يساب الرجل، فيسب أباه فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه".

وقال الضحَّاك وقتادة: كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم.

وقال الزهري، وابن زيد، وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلت الإبل .. كانوا يستحسنون الخشبة أو العمود، فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها.

وقال الزهري أيضًا: يخربون بيوتهم بنقض المعاهد، وأيدي المؤمنين بالمقاتلة.

وقال أبو عمرو: بأيديهم بتركم لها، وبأيدي المؤمنين بإجلائهم عنها.

وقرأ الجمهور (1): {يخْربون} بالتخفيف. وقرأ الحسن، والسلمي، ونصر بن

عاصم، وأبو العالية، وأبو عمرو، وقتادة، والجحدري، ومجاهد، وأبو حيوة، وعيسى:{يخرِّبون} بالتشديد. والقراءاتان بمعنى واحد، إلا أن في التشديد معنى التكثير. وفيه إشارة إلى أن استناد الكفار إلى الحصون والأحجار والسلاح، وأن اعتماد المؤمنين على الله الملك الغفار؟ ولا شك أن من اعتمد على المأمن الحقيقي ظفر بمراده في دنياه وآخرته، وأن ما استند إلى ما سوى الله تعالى خسر خسرانًا مبينًا في تجارته.

{فَاعْتَبِرُوا} ؛ أي: فاتعظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار. {يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} والعقول والبصائر الكاملة، واتقوا مباشرة ما أدّاهم إليه من الكفر والمعاصي، وانتقلوا من حال الفريقين إلى حال

(1) البحر المحيط.

ص: 100

أنفسكم، فلا تعولوا على تعاضد الأسباب كبني النضير الذين اعتمدوا على حصونهم ونحوها، بل توكلوا على الله تعالى. وفي "عين المعاني": فاعتبروا بها خراب جميع الدنيا.

ومعنى الآية: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ أي (1): هو الذي أجلى بني النضير من المدينة بقوته وعزته وعظيم سلطانه. وكان هذا أول مرة حشروا فيها وأخرجوا من جزيرة العرب، لم يصبهم الذل قبلها؛ لأنهم كانوا أهل عزة ومنعة: وآخر حشر لهم: إجلاء عمر رضي الله عنه لهم من خيبر إلى الشام.

ثم بيّن فضل الله على المؤمنين ونعمته عليهم في إخراج عدوهم من ديارهم ولم يكن ذلك منتظرًا، فقال:{مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} ؛ أي: ما خطر لكم ذلك - أيها المؤمنون - ببال؛ لشدة بأسهم ومنعتهم، وقوة حصونهم، وكثرة عَددهم وعُددهم. وفي ذكر هذا تعظم النعمة؛ فإن النعمة إذا جاءت من حيث لا ترتقب .. كانت مكانتها في النفوس أعظم وكانت بها أشد سرورًا وابتهاجًا، والمسلمون ما ظنوا أن يبلغ الأمر بهم إلى إخراج اليهود من ديارهم، ويتخلصوا من مكايدهم وأشراكهم التي ما فتئوا ينصبونها للمؤمنين. وبذا قضى الله عليهم قضاءه الذي لا مرد له، وصدق الله {لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} .

ثم ذكر ما جرأهم على مشاكسة النبي صلى الله عليه وسلم وتأليب المشركين عليه، فقال:{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} ؛ أي: وظن بنو النضير أن حصونهم المنيعة القوية تمنعهم من أن ينالهم عدو بسوء، فلا يستطيع جيش مهما أوتي من بأس أن يصل إليهم بأذى، فاطمأنوا إلى تلك القوة، وأوقدوا نار الفتنة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمشركين طمعًا في القضاء عليه بعد أن أصبحت له الزعامة الدينية والسياسية في المدينة، وسيكون في ذلك القضاء عليهم لو صبروا، وقد غبروا وهم أصحاب السلطان فيها، لأنهم من وجه أهل كتاب، ومن وجه آخر أرباب النفوذ المالي فيها وأصحاب الثروة والجاه العريض.

ثم أكد ما سلف وقرره بقوله: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} ؛ أي: فجاءهم بأس الله وقدرته التي لا تدفع من حيث لم يخطر ذلك لهم ببال، وصدق

(1) المراغي.

ص: 101