المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والأدب الشرعي هما الحسب المحسوب من الفضائل. فعلى العاقل: أن - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: والأدب الشرعي هما الحسب المحسوب من الفضائل. فعلى العاقل: أن

والأدب الشرعي هما الحسب المحسوب من الفضائل. فعلى العاقل: أن يتحلى بالورع، وهو: الاجتناب عن الشبهات، والتقوى وهو: الاجتناب عن المحرمات، ويتزين بزين المكارم والأخلاق الحسنة، والأوصاف الشريفة المستحسنة.

‌6

- ولما وعظ سبحانه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم موعظة خاصة .. أتبع ذلك بموعظة عامة للمؤمنين وأهليهم، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {قُوا أَنْفُسَكُمْ} ؛ أي: احفظوا أنفسكم، وبعِّدوها من النار بترك المعاصي، وفعل الطاعات أمر من الوقاية، بمعنى الحفظ والحماية كما سيأتي. والأنفس: جمع نفس، والمراد بالنفس هنا: ذات الإنسان، لا النفس الأمارة، {و} قوا {أَهْلِيكُمْ} بالنصح والتأديب؛ لأن رب المنزل راع، وكل راع مسؤول عن رعيته. ومعنى وقايتهم: حملهم على طاعة الله وإلزامهم أداء ما فرض عليهم.

وقرىء (1): {وأهلوكم} بالواو عطفًا على الضمير في {قُوا} ، وحسن العطف للفصل بالمفعول، و {أَنْفُسَكُمْ} واقع بعده في التقدير؛ أي: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، ولما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه فجعلت ضميرهما معًا على لفظ المخاطب. وأصله: أهلين، جمع أهل، حذفت النون للإضافة، وقد يجمع على أهالي على غير قياس، وهو كل من في عيال الرجل ونفقته، من المرأة والولد، والعبد والأمة، ويفسر بالأصحاب.

{نَارًا} عظيمة هائلة {وَقُودُهَا} ؛ أي (2): ما توقد به تلك النار يعني: حطبها. فالوقود - بالفتح -: اسم لما توقد به النار من الحطب وغيره والوقود - بالضم - مصدر بمعنى الاتقاد. وقرىء به على تقدير مضاف؛ أي: أسباب وقودها، أو بالحمل على المبالغة. {النَّاسُ}؛ أي: كفار الإنس والجن، وإنما لم يذكر الجن أيضًا لأن المقصود تحذير الإنس، ولأن كفار الجن تابع لكفار الإنس؛ لأن التكذيب إنما صدر أولًا من الإنس. {وَالْحِجَارَةُ}؛ أي: تتقد بالحجارة أيضًا اتقاد غيرها بالحطب. ففيه بيان لغاية إحراقها وشدة قوتها، فإن اتقاد النار بالحجارة مكان الحطب من الشجر يكون من زيادة حرها. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم".

(1) البحر المحيط.

(2)

روح البيان.

ص: 472

وعن ابن عباس: هي حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حرًا إذا أوقد عليها، ولها سرعة الاتقاد ونتن الرائحة وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالأبدان، فيكون العذاب أشد. وقيل: وقودها الناس إذا صاروا إليها، والحجارة قبل أن يصيروا إليها. وقرن الناس بالحجارة لأنهم نحتوها، واتخذوها أربابًا من دون الله، قال تعالى:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} .

والمعنى (1): يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله! ليعلم بعضكم بعضًا ما تتقون به النار وتدفعونها عنكم، إنه طاعة الله تعالى وامتثال أوامره، ولتعلموا أهليكم من العمل بطاعته ما يقون به أنفسهم منها، واحملوهم على ذلك بالنصح والأدب. قال ابن جرير: فعلينا أن نعلم أولادنا الدِّين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب. ونحو الآية: قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} ، وقوله:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} . روي: أن عمر رضي الله عنه قال حين نزلت هذه الآية: نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"تنهونهن عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهن بما أمركم الله به، فيكون ذلك وقاية بينهم وبين النار". وأخرج ابن المنذر، والحاكم في جماعة آخرين عن علي رضي الله عنه: أنه قال في الآية: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم.

وفي الآية إيماء إلى أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من فرائض الدين وتعليمها لؤلاء. وجاء في الحديث: "رحم الله رجلًا قال: يا أهلاه! صلاتَكم، صيامَكم، زكاتَكم، مسكينَكم، يتيمَكم، جيرانَكم؛ لعل الله يجمعكم معهم في الجنة.

{عَلَيْهَا} ؛ أي: على تلك النار العظيمة {مَلَائِكَةٌ} تلي أمرها وتعذيب أهلها، وهم: الزبانية التسعة عشر وأعوانهم، فليس (2) المراد بـ {على} الاستعلاء الحسي، بل الولاية والقيام، والاستيلاء والغلبة على ما فيها من الأمور. {غِلَاظٌ}؛ أي: غلاظ القلوب. جمع غليظ، بمعنى خشن خال قلبه من الشفقة والرحمة. {شِدَادٌ}؛ أي: شداد القوى. جمع شديد، بمعنى القوي؛ لأنهم أقوياء لا يعجزون عن الانتقام من أعداء الله على ما أمروا به. وقيل: غلاظ الأقوال، شداد الأفعال،

(1) المراغي.

(2)

روح البيان.

ص: 473

أقوياء على الأفعال الشديدة، يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم. وقيل: غلاظ على أهل النار، شداد عليهم لا يرحمونهم إذا استرحموهم؛ لأن الله سبحانه خلقهم من غضبه، وحبب إليهم تعذيب خلقه لا لذة لهم إلا فيه، فمقتضى جبلَّتهم تعذيب الخلق بلا مرحمة كما أن مقتضى جبلة الحيوان الأكل والشرب، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، أو كما بين المشرق والمغرب، يضرب أحدهم بمقمعة ضربة واحدة، فيهوون في النار سبعين ألفًا من أهل النار.

وقيل: الغلاظ: ضخام الأجسام، والشداد: الأقوياء.

{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ} سبحانه {مَا أَمَرَهُمْ} ؛ أي (1): لا يعصون أمره في عقوبة الكفار وغيرها، على أنه بدل اشتمال من {اللَّهَ} ، و {مَا} مصدرية؛ أو: لا يعصونه فيما أمرهم به، على نزع الخافض، و {مَا} موصولة؛ أي: لا يمتنعون من قبول الأمر كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة، بل يلتزمونه ويعزمون على إتيانه. فليست هذه الجملة مع التي بعدها في معنى واحد. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}؛ أي: يؤدون ما يؤمرون به من تعذيب الكفار من غير تثاقل وتوان، وتأخير وزيادة ونقصان. وقال القاضي: لا يعصون الله ما أمرهم فيما مضى، ويستمرون على فعل ما يؤمرون به في المستقبل. وقال الزمخشري. فإن قلت (2): أليست الجملتان في معنى واحد؟

قلت: لا، فإن معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره، يلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به من تعذيب الكفار، لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه، انتهى.

وقال بعضهم (3): لعل التعبير في الأمر أولًا بالماضي مع نفي العصيان بالمستقبل؛ لما أن العصيان وعدمه يكونان بعد الأمر، وثانيًا بالمستقبل؛ لما أن أمرهم بعذاب الأشقياء يكون مرة بعد مرة. قال بعض الكبار: في هذه الآية دليل على عصمة جميع الملائكة السماوية، وذلك لأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة فيهم مطيعون بالذات، بخلاف البشر والملائكة الأرضية الذين لا يصعدون إلى

(1) روح البيان.

(2)

الكشاف.

(3)

روح البيان.

ص: 474