المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الحشر سورة الحشر نزلت بعد سورة البيّنة، وتسمى: سورة النضير. أخرج - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: ‌ ‌سورة الحشر سورة الحشر نزلت بعد سورة البيّنة، وتسمى: سورة النضير. أخرج

‌سورة الحشر

سورة الحشر نزلت بعد سورة البيّنة، وتسمى: سورة النضير.

أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، فقال: قل: سورة النضير؛ يعني: أنها نزلت في بني النضير كما صرح بذلك في بعض الروايات. وهي مدنيّة - قال القرطبي -: في قول الجميع.

وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي، عن ابن عباس قال:(نزلت سورة الحشر بالمدينة).

وآيها أربع وعشرون آية، وكلماتها سبع مئة، وخمس وأربعون كلمة، وحروفها ألف وتسع مئة وثلاثة عشر حرفًا.

مناسبتها لما قبلها من وجوه (1):

1 -

أن في آخر السالفة قال: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} ، وفي أول هذه قال:{فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} .

2 -

أن في السابقة ذكر من حاد الله ورسوله، وفي أول هذه ذكر من شاق الله ورسوله.

3 -

أن في السابقة ذكر حال المنافقين واليهود وتولي بعضهم بعضًا، وفي هذه ذكر ما حل باليهود وبيان عدم فائدة تولي المنافقين إياهم.

وعبارة أبي حيان: مناسبتها لما قبلها (2): أنه لما ذكر في السابقة حال المنافقين واليهود وتولي بعضهم بعضًا .. ذكر هنا أيضًا ما حلّ باليهود من غضب الله عليهم وجلائلهم، وإمكان الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ممن حاد الله ورسوله رام الغدر بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأظهر العداوة بحلفهم مع قريش.

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

ص: 89

تسميتها: سميت سورة الحشر، وسورة النضير؛ لذكر حشر بني النضير، وإخراجهم من المدينة إلى الشام فيها.

الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الحشر ليس فيها منسوخ، وفيها ناسخ، وهو قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى

} الآية (7)، نسخ الله تعالى بها آية الأنفال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ

} الآية (1) من سورة الأنفال.

فضائلها (1): ومما ورد في فضلها: ما أخرجه الترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر .. وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات من يومه .. مات شهيدًا، ومن قرأها حين يمسي .. فكذلك". وقال: حديث حسن غريب.

ومنه: ما روى ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ سورة الحشر .. لم يبق شيء من الجنة والنار، والعرش والكرسي، والسموات والأرض، والهوام والريح، والسحاب، والطير والدواب، والشجر والجبال، والشمس والقمر، والملائكة، إلا صلوا عليه واستغفروا له، فإن مات في يومه أو ليلته .. مات شهيدًا". أخرجه الثعلبي، وفيه مقال.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

(1) الفتوحات.

ص: 90

بسم الله الرحمن الرحيم

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} .

المناسبة

قد عرفتَ مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها. وأما قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ

} الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما (1): أن الله سبحانه لما بين ما حل ببني النضير من العذاب العاجل؛ كتخريب بيوتهم بأيديهم، وتحريق نخيلهم وتقطيعها، ثم إجلائهم من بعد ذلك عن الديار إلى الشام دون أن يحملوا إلا القليل من المتاع .. ذكر هنا حكم ما أخذ من أموالهم،

(1) المراغي.

ص: 91

فجعله فيئًا لله ورسوله، ينفق مثله على أهله نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، ولا يقسم بين المقاتلة كالغنيمة؛ لأنهم لم يقاتلوا لأجله.

روي: أن الصحابة رضي الله عنهم طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة في بدر وغيرها بينهم، فبيّن سبحانه الفرق بين الأمرين: بأن الغنيمة تكون فيما أتعبتم أنفسكم في تحصيله وأوجفتم عليه الخيل والركاب، والفيء فيما لم تتحلوا في تحصيله تعبًا. وحينئذٍ يكون أمره مفوّضًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء.

قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بيّن مصارف الفيء فيما سلف، وذكر أنه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين .. ذكر هنا أنه أراد بهم فقراء المهاجرين الذين لهم هذه الصفات السامية والمناقب الرفيعة، ثم مدح الأنصار ساكني المدينة، وبالغ في مدحهم. فذكر لهم هذه الفضائل:

1 -

أنهم يحبون المهاجرين.

2 -

أنهم ليس في قلوبهم حقد ولا حسد لهم.

3 -

أنهم يفضلونهم على أنفسهم، ويعطونهم ما هم في أشد الحاجة إليه. وما ذاك إلا لأن الله عصمهم من الشحّ المردي والبخل المهلك الذي يدنِّس النفوس ويمنعها من اكتساب الخير وعمل البر. ثم ذكر أن التابعين لهم بإحسان - وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة - يَدْعُون لأنفسهم ومن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة. ويطلبون من الله أن لا يجعل في قلوبهم حقدًا وحسدًا لهم.

أسباب النزول

سورة الحشر سبب نزولها (1): ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل ومنهم

(1) أسباب النزول.

ص: 92

ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها، قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر، قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير". الحديث أخرجه مسلم أيضًا.

وما أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت غزوة بني النضير - وهم: طائفة من اليهود - على رأس ستة أشهر من غزوة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنا لهم ما أقَلَّتِ الإبلُ من الأمتعة والأموال إلا الحلقة؛ يعني: السلاح، فأنزل الله فيهم:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} إلى قوله: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} . فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، كان الله قد كتب عليهم ذلك. ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي. وأما قوله:{لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} فكان ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.

تنبيه: الحديث - أي: حديث الحاكم - ليس على شرط الشيخين؛ لأنهما لم يُخرجا لزيد بن المبارك ومحمد بن ثور، وهما ثقتان. فالحديث صحيح، لكن في قوله:(على شرطهما) نظر.

قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ

} الآية، سبب نزولها (1): ما أخرجه البخاري عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة، فنزلت:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} الحديث، أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وأبو داود، وأحمد، وابن جرير، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن ابن عباس في قول الله عز وجل:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} قال: اللينة: النخلة، {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} قال: استنزلوهم من حصونهم، قال: وأمروا بقطع النخل، فحك في صدورهم، فقالوا: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، ولنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله سبحانه: {مَا قَطَعْتُمْ

(1) أسباب النزول.

ص: 93