المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

المهاجرة زوجها الكافر. أو المعنى (1): وإن ذهبت أزواجكم مرتدات - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: المهاجرة زوجها الكافر. أو المعنى (1): وإن ذهبت أزواجكم مرتدات

المهاجرة زوجها الكافر. أو المعنى (1): وإن ذهبت أزواجكم مرتدات إلى دار الشرك ولم يعطوكم المهور اللاتي دفعتم لهن ثم ظفرتم بالمشركين وانتصرتم عليهم .. فأعطوا الذين ذهبت أزواجهم من الغنيمة مثل ما أنفقوا. روي عن ابن عباس: أنه يعطي الذي ذهبت زوجته من الغنيمة قبل أن تخمس، أي: قبل أن تقسم أخماسًا، كما هي القاعدة في تقسيم الغنائم كما تقدم في سورة الأنفال.

قيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شداد الفهري. وفاطمة بنت أمية، كانت تحت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، وزوجها عمرو بن عبدور. وهند بنت أبي جهل، كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر رضي الله عنه. وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة كما في "الكشاف".

{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ} لا بغيره من الجبت والطاغوت {مُؤْمِنُونَ} فإن الإيمان به تعالى يقتضي التقوى منه تعالى. أي: وخافوا الله الذي أنتم به مصدقون، فأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه.

وقرأ الجمهور (2): {فَعَاقَبْتُمْ} بألف. وقرأ مجاهد، والزهري، والأعرج، وعكرمة، وحميد، وأبو حيوة، والزعفراني بشد القاف وحذف الألف، والنخعي والأعرج أيضًا وأبو حيوة أيضًا، والزهري أيضًا، وابن وثاب بخلاف عنه بتخفيف القاف مفتوحة. ومسروق النخعي أيضًا، والزهري أيضًا بكسرها، ومجاهد أيضًا:{فأعقبتم} على وزن أفعل.

‌12

- {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} : نداء تشريف وتعظيم {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ} حالة كونهن {يُبَايِعْنَكَ} ؛ أي: مبايعات لك؛ أي: قاصدات لمبايعتك على الإِسلام، فهي حال مقدرة. نزلت يوم الفتح. فإنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجال شرع في بيعة النساء. سميت (3) البيعة لأن المبايع يبيع نفسه بالجنة، فالمبايعة مفاعلة من البيع. ومن عادة

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

(3)

روح البيان.

ص: 227

الناس حين المبايعة: أن يضع أحد المتبايعين يده على يد الآخر لتكون معاملتهم محكمة مثبتة. فسميت المعاهدة بين المعاهدين مبايعة تشبيهًا لها بها في الإحكام والإبرام.

فمعنى مبايعة الأمة رسولهم: التزام طاعته، وبذل الوسع في امتثال أوامره وأحكامه، والمعاونة له، ومبايعته إياهم الوعد بالثواب، وتدبير أمورهم والقيام بمصالحهم في الغلبة على أعدائهم الظاهرة والباطنة، والشفاعة لهم يوم الحساب إن كانوا ثابتين على تلك المعاهدة قائمين بما هو مقتضى المواعدة، كما يقال: بايع الرجل السلطان، إذا أوجب على نفسه الإطاعة له، وبايع السلطان الرعية، إذا قبل القيام بمصالحهم وأوجب على نفسه حفظ نفوسهم وأموالهم من أيدي الظالمين.

أي: إذا جاءك المؤمنات قاصدات مبايعتك على الإِسلام و {عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} من الأشياء كائنًا ما كان، من حَجَر أو شجر، أو ملك أو إنس أو جن، أو شيئًا من الإشراك ظاهرًا أو خفيًا. والظاهر: أن المراد الشرك الأكبر. ويجوز التعميم له وللشرك الأصغر الذي هو الرياء.

فالمعنى: يبايعنك على أن لا يتخذن إلهًا غير الله، ولا يعملن إلا خالصًا لوجهه. وهذا كان يوم فتح مكة؛ فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعنه، فأمره الله تعالى أن يأخذ عليهن أن لا يشركن {وَلَا يَسْرِقْنَ}؛ أي: ولا يأخذن مال أحد بغير حق. ويكفي في قبح السرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن السارق. والسرقة لغة: أخذ ما ليس له خفية، وشرعًا: أخذ مال مخصوص، من موضع مخصوص، على وجه مخصوص، كما سيأتي. {وَلَا يَزْنِينَ}: والزنا: وطء المرأة من غير عقد شرعي. قال مُظهر الدِّين: الزنا في اللُّغة: عبارة عن المجامعة في الفرج على وجه الحرام. ويدخل فيه اللواطة، وإتيان البهائم، انتهى. قال صلى الله عليه وسلم:"يقتل الفاعل والمفعول به". وثبت أن عليًا رضي الله عنه أحرقهما، وأن أبا بكر رضي الله عنه هدم عليهما حائطًا. وذلك بحسب ما رأيا من المصلحة. وقال صلى الله عليه وسلم:"ملعون من أتى امرأته في دبرها". وأما الإتيان من دبرها في قبلها .. فمباح.

قال في "اللباب": اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واختلفوا في وجوب الكفارة على من جامع فيه.

ص: 228

فذهب أكثرهم إلى أنه لا كفارة عليه، فيستغفر.

وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه. انتهى.

وقال صلى الله عليه وسلم: "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه". وقيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت فيها من رسول الله شيئًا، ولكن أكره أن يحل لحمها وينتفع بها كذلك. ولعل إسناد الفعل إليها باعتبار تمكينها للزاني ومطاعتها له.

{وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} بأي سبب. وأريد به هنا: ما تفعله الجاهلية من وأد البنات؛ أي: دفنهن أحياء خوف العار والفقر. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي". ولعل (1) إسناد الفعل إلى النساء إما باعتبار الرضا به أو بمباشرته بأمر زوجها. وقيل: معناه: ولا يشربن دواء فيسقطن حملهن كما في "تفسير أبي الليث". وفي "نصاب الاحتساب": تمنع القابلة من المعالجة لإسقاط الولد بعدما استبان خلقه ونفخ فيه الروح. ومدة الاستبانة والنفخ مقدرة بمئة وعشرين يومًا، وأما قبله .. فقيل: لا بأس به كالعزل، وقيل: يكره؛ لأن مآل الماء الحياة، كما إذا أتلف مُحرم بيضة صيد الحرم .. ضمن؛ لأن مآلها الحياة، فلها حكم الصيد، بخلاف العزل؛ لأن ماء الرجل لا ينفخ فيه الروح إلا بعد صنع آخر، وهو الإلقاء في الرحم، فلا يكون مآله الحياة. وقرأ علي والحسن والسلمي:{ولا يُقَتِّلْنَ} مشددًا.

{وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ} وكذب {يَفْتَرِينَهُ} ؛ أي: يختلقنه {بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} ؛ أي: بسبب صبي ملتقط من غير أزواجهن يحملنه بين أيديهن وأرجلهن؛ أي: ولا يلحقن بأزواجهن ولدًا ليس منهم. والباء للتعدية. والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه؛ أي: يدهشه ويجعله متحيرًا، فيكون أقبح أنواع الكذب. والافتراء: الاختلاق، وقوله:{يَفْتَرِينَهُ} إما في موضع جر على أنه صفة لبهتان، أو نصب على أنه حال من فاعل {يَأْتِينَ} ، وقوله:{بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} متعلق بمحذوف هو حال من الضمير المنصوب في {يَفْتَرِينَهُ} ؛ أي: يختلقنه، مقدرًا وجوده بين أيديهن وأرجلهن، على أن يكون المراد، بالبهتان: الولد المبهوت به، كما ذهب إليه جمهور

(1) روح البيان.

ص: 229

المفسرين.

وليس المعنى على نهيهن عن أن يأتين بولد من الزنا فينسبنه إلى الأزواج؛ لأن ذلك نهى عنه بقوله: {وَلَا يَزْنِينَ} بل المراد: نهيهن عن أن يلحقن بأزواجهن ولدًا التقطنه من بعض المواضع. وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك في بطني الذي بين يدي ووضعته من فرجي الذي هو بين رجلي، فكنى عنه بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها؛ لأن بطنها الذي تحمله فيه بين يديها ومخرجه بين رجليها.

والمعنى: ولا يجئن بصبي ملتقط من غير أزواجهن، فإنه افتراء وبهتان لهم. والبهتان من الكبائر التي تتصل بالشرك.

{وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} ؛ أي: ولا يخالفن أمرك فيما تأمرهن به وتنهاهن عنه، على أن المراد من المعروف: الأمور الحسنة التي عرف حسنها في الدين فيؤمر بها، والشؤون السيئة التي عرف قبحها فيه فينهى عنها. كما قيل: كل ما وافق طاعة الله فعلًا أو تركًا .. فهو معروف، وكما روي عن بعض أكابر المفسرين من أنه هو: النهي عن النياحة والدعاء بالويل، وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه ونشره، وخمش الوجه، وأن تحدث المرأة الرجال إلا ذا رحم محرم، وأن تخلو برجل غير محرم، وأن تسافر إلا مع ذي رحم محرم. فيكون هذا للتعميم بعد التخصيص. ويحتمل أن يكون المراد من المعروف: ما يقابل المنكر، ويكون ما قبله للنهي عن المنكر، وهذا للأمر بالمعروف لتكون الآية جامعة لهما.

والتقييد بالمعروف مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا به للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، فإذا شرط ذلك في طاعة النبي صلى الله عليه وسلم .. فكيف في حق غيره؟ وهو كقوله:{إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، كما في "عين المعاني" فدل على أن طاعة الولاة لا تجب في المنكر. ولم يقل: ولا يعصين الله؛ لأن من أطاع الرسول .. فقد أطاع الله، ومن عصاه .. فقد عصى الله. وتخصيص الأمور المعدودة بالذكر في حقهن لكثرة وقوعها فيما بينهن مع اختصاص بعضها بهن. ووجه الترتيب بين هذه المنهيات: أنه قدم الأقبح على ما هو أدنى قبحًا منه ثم كذلك إلى آخرها، ولذا قدم ما هو الأظهر والأغلب فيما بينهن.

ص: 230

وقال صاحب "اللباب": ذكر الله تعالى في هذه الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة البيعة خصالًا ستًا هنّ أركان ما نهي عنه في الدين، ولم يذكر أركان ما أمر به، وهي أيضًا ست: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، والاغتسال من الجنابة. وذلك لأن النهي عنها دائم في كل زمان وفي كل حال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم أهم وآكد.

{فَبَايِعْهُنَّ} : جواب لـ {إِذَا} الشرطية، فهو العامل فيها، فإن الفاء لا تكون مانعة. وهو أمر من المبايعة. أي: إذا بايعنك على ما ذكر، وما لم يذكر؛ لوضوح أمره وظهور أصالته في المبايعة من الصلاة والزكاة وسائر أركان الدين وشعائر الإِسلام .. فبايعهن بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء. فإن المبايعة من جهة الرسول هو الوعد بالثواب، ومن جهة الآخر التزام طاعته كما سبق. وتقييد مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن لحثهن على المسارعة إليها مع كمال الرغبة فيها من غير دعوة لهن إليها. {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ}؛ أي: واطلب من الله سبحانه المغفرة لهن زيادة على ما في ضمن المبايعة من ضمان الثواب. والاستغفار: طلب المغفرة للذنوب والستر للعيوب. {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه {غَفُورٌ رَحِيمٌ} ؛ أي: مبالغ في المغفرة والرحمة، فيغفر لهن ويرحمهن إذا وفين بما بايعن عليه.

والمعنى (1): أي أيها النبي: إذا جاءك النساء المؤمنات مقدمات لك الطاعة، ملتزمات أن لا يشركن بالله شيئًا من صنم أو حجر، ولا يسرقن من مال الناس شيئًا، ولا يزنين، ولا يئدن البنات كما كن يفعلن ذلك في الجاهلية، ولا يلصقن أولاد الأجانب بأزواجهن كذبًا وبهتانًا، ولا يعصينك فيما تأمرهن به أو تنهاهن عنه؛ كالنوح وتمزيق الثياب وجز الشعر وشق الجيوب وخمش الوجوه، وأن لا تخلو امرأة بغير ذي رحم محرم .. فبايعهن على ذلك، والتزم لهن الوفاء بالثواب إن هنّ أطعنكم في كل ذلك، واطلب لهن المغفرة من الله، إنه هو الغفور الرحيم لهن إذا وفين بما بايعن عليه.

قال ابن الجوزي: وجملة من أحصي من المبايعات: أربع مئة وسبع وخمسون امرأة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء

(1) المراغي.

ص: 231