المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

نفسه؛ لتعدد الآلهة الباطلة، ولا يفيد التوحيد الحق. و {إِلَّا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٢٩

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: نفسه؛ لتعدد الآلهة الباطلة، ولا يفيد التوحيد الحق. و {إِلَّا

نفسه؛ لتعدد الآلهة الباطلة، ولا يفيد التوحيد الحق. و {إِلَّا هُوَ} مرفوع على: البدلية في محل المنفي، أو من ضمير الخبر المقدر لـ {لَا} والخبر قد يقدر: موجود، فيتوهم أن التوحيد يكون باعتبار الوجود لا الإمكان، فإن نفي وجود إله غير الله لا يستلزم نفي إمكانه. وقد يقدر: ممكن، فيتوهم أن إثبات الإمكان لا يقتضي الوقوع، فكم من شيء ممكن لم يقع. وقد يقدر: لنا، فيتوهم أنه لا بد من مقدر، فيعود الكلام أيضًا.

والجواب: أنه إذا كان المراد بالإله المعبود بالحق كما ذكر .. فهو لا يكون إلا رب العالمين مستحقًا لعبادة المكلفين، فإذا نفيت الألوهية على هذا المعنى عن غيره تعالى، وأثبتت له سبحانه .. يندفع التوهم على التقادير كلها.

‌23

- {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} كرره للتأكيد والتقرير، ولإبراز الاعتناء بالتوحيد؛ لكونه حقيقًا بذلك. {الْمَلِكُ}؛ أي: المتصرف بالأمر والنهي في جميع خلقه، المالك لهم، فهم تحت ملكه وقهره وإرادته. {الْقُدُّوسُ}؛ أي: الطاهر عن كل عيب، المنزه عما لا يليق به. وقيل: هو الذي كثرت بركته، أو البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانًا ما.

وقرأ الجمهور (1): {الْقُدُّوسُ} بضم القاف. وقرأ أبو السمال، وأبو دينار الأعرابي بفتحها. وكان سيبويه يقول: سبوح قدوس بفتح أولهما، وحكى أبو حاتم عن يعقوب، أنه سمع عند الكسائي أعرابيًا فصيحًا يقرأ: القَدوس بفتح القاف. قال ثعلب: كل اسم على فعول .. فهو مفتوح الأول إلا السبوح، القدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان. وقال بعضهم: المفتوح قليل في الصفات كثير في الأسماء، مثل التنور والسمور والسفود وغيرها.

{السَّلَامُ} ؛ أي: الذي سلم من كل النقائص، وكل آفة تلحق الخلق. فإن قلت (2): على هذا التفسير لا يبقى بين القدوس والسلام فرق، فيكون كالتكرار، وذلك لا يليق بفصاحة القرآن؟.

قلت: الفرق بينهما: أن القدوس إشارة إلى براءته عن جميع العيوب

(1) البحر المحيط والشوكاني.

(2)

الخازن.

ص: 164

والنقائص، في الماضي والحاضر، والسلام إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب والنقائص في المستقبل، فإن الذي يطرأ عليه شيء من ذلك تزول سلامته ولا يبقى سليمًا. وقيل: السلام هو المسلم على عباده في الجنة، كما قال:{سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه، وبه قال الأكثر. وقيل: المسلم لعباده، وهو مصدر وصف به مبالغة.

{الْمُؤْمِنُ} ؛ أي: الذي وهبَ لعباده الأمن من عذابه. وقيل: المصدق لرسله بإظهار المعجزات. وقيل: المصدق للمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، والمصدق للكافرين بما أوعدهم به من العذاب .. وقال مجاهد: المؤمن الذي وحد نفسه بقوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .

وقرأ الجمور (1): {الْمُؤْمِنُ} بكسر الميم على صيغة اسم الفاعل من آمن؛ بمعنى: أمن. وقرأ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين - وقيل: أبو جعفر المدائني -: بفتحها؛ بمعنى: المؤمن به، على الحذف. وقال أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة؛ لأن معناه: أنه كان خائفًا فأمنه غيره.

{الْمُهَيْمِنُ} قال ابن عباس: أي الشهيد على عباده بأعمالهم، الرقيب عليهم الذي لا يغيب عنه شيء. وقيل (2): هو القائم على خلقه برزقه، وأنشد في معناه:

أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيّهِ

مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِيْ الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ

يقال: هيمن يهيمن، فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء. قال الواحدي: وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله: مؤيمن، بوزن مفيعل، من آمن يؤمن، فقلبت همزته هاء، فيكون بمعنى المؤمن. والأول أولى. وقيل: المهيمن اسم من أسماء الله تعالى، هو أعلم بتأويله، وأنشدوا في معناه:

جَلَّ الْمُهَيْمِنُ عَنْ صِفَاتِ عَبِيْدِهِ

وَلَقَدْ تَعَالَى عَنْ عُقُولِ أُوْلِي النُّهَى

رَامُوا بِزَعْمِهِمُ صِفَاتِ مَلِيْكِهِمْ

وَالْوَصْفُ يَعْجَزُ عَنْ مَلِيْكٍ لَا يُرَى

{الْعَزِيزُ} ؛ أي: الذي لا يوجد له نظير، وقيل: القاهر، وقيل: الغالب الذي لا يغالب، وقيل: القوي. {الْجَبَّارُ} : قال ابن عباس: الجبار هو العظيم،

(1) البحر المحيط.

(2)

الخازن.

ص: 165

وجبروت الله: عظمته. فعلى هذا (1): هو صفة ذات. وقيل: هو من الجبر، وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم أصلحته بعد الكسر، يعني: الذي يغني الففير ويجبر الكسير. فعلى هذا هو صفة فعل. وهو سبحانه وتعالى كذلك، يجبر كل كسير ويغني كل فقير، وقيل: هو الذي يجبر الخلق ويقهرهم على ما أراد. قال الفراء: من أجبره على الأمر .. قهره، قال: ولم أسمع فعالًا من أفعل إلا في جبار من أجبر، ودراك من أدرك. وسئل بعضهم عن معنى الجبّار، فقال: هو القهار الذي إذا أراد أمرًا .. فعله، لا يحجزه عنه حاجز. وقيل: الجبار هو الذي لا ينال ولا يدانى. والجبار في صفة الله تعالى صفة مدح، وفي صفة الناس صفة ذم. وكذلك {الْمُتَكَبِّرُ} في صفة الناس صفة ذم؛ لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر والعلو، وذلك نقص في حقه؛ لأنه ليس له كبر وعلو، بل له الحقارة والذلة، فإذا أظهر الكبر .. كان كذابًا في فعله، فكان مذمومًا في حق الناس. وأما المتكبر في صفة الله تعالى .. فهو صفة مدح؛ لأن له جميع صفات العلو والعظمة، ولهذا قال في آخر الآية:{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ؛ أي: تنزيهًا له تعالى عما يشركون به أو عن إشراكهم، فكأنه قيل: إن بعض الخلق يتكبر فيكون ذلك نقصًا في حقه، أما الله تعالى .. فله العلو والعظمة والعزة والكبرياء، فإن أظهر ذلك .. كان ضم كمال إلى كمال. قال ابن عباس: المتكبر هو الذي تكبر بربوبيته فلا شيء. وقيل: هو الذي تكبر عن كل سوء. وقيل: هو المتعظم عما لا يليق بجماله وجلاله. وقيل: هو المتكبر عن ظلم عباده. وقيل: الكبر والكبرياء: الامتناع. وقيل: هو ذو الكبرياء. وهو الملك سبحان الله عما يشركون؛ أي: من ادعاء الكبر لأنفسهم.

ومعنى الآية (2): أي هو الله سبحانه، المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، المنزه عن كل عيب ونقص، الذي أمن خلقه أن يظلمهم، وهو الرقيب عليهم كما قال:{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ، وقال:{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} . والذي عزّ على كل شيء فقهره، وغلب الأشياء بعظمته وجبروته، فلا تليق الجبروتية إلا له ولا التكبر إلا لعظمته، كما ورد في "الصحيح":"العظمة إزاري والكبرياء ردائي. فمن نازعني واحدًا منهما عذّبته". تنزه ربنا عما

(1) الخازن.

(2)

المراغي.

ص: 166