الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجه الرابع: أن التخصيص يصحُّ طلبُه وجودًا وعدمًا من الربّ لعبده ومن العبد لربّه، بأن يقال: إما
(1)
خصُّوا هذه الصورة الفلانيّة، [ق 118] وذلك متحققٌ لكونه أمرًا وجوديًّا.
الوجه الخامس: لو لم يكن وجوديًّا لكان نقيضُه وهو عدم التخصيص وجوديًّا، لامتناع خلو النقيضين، لكن ليس بموجود لكونه مما يصحُّ وصفُ المعدوم به، والوجودي لا يكون صفةً للمعدوم. وإذا لم يكن النقيضُ وجوديًّا كان التخصيص وجوديًّا. وربما استدلَّ بعضُهم على أنه فعلٌ بهذا الدليل، لأن نقيضه ليس بفعلٍ، لأن الفعل أمر وجودي، وعدم التخصيص ليس بوجودي، فلا يكون فعلًا، وإذا لم يكن نقيضه فعلًا ثبت أنه فعلٌ، إذ لو لم يكن هو ولا نقيضُه من الأفعال لم يكن مقدورًا، وهو محال. وفي هذين نظرٌ، لأنه يمكن أن يُمنَع كونُ عدم التخصيص ليس وجوديًّا، لأنه عبارة عن إبقاء العموم بحاله، وكونه بحيث يصحُّ أن يوصف بعدم تخصيص العموم، فإنه لا عمومَ فيه حتى يُنفَى عنه تخصيصُه. نعم يصحُّ أن يُوصَفَ بعدم التخصيص المبتدأ، أو بعدم التخصيص مطلقًا، إذا عُنِيَ به عدمُ هذا النوع، أما عدم تخصيص العموم فممنوع.
واعلم أن حقيقة الأمر أن
التخصيص مشتملٌ على أمر وجودي وعدمي
، فإن حقيقتَه لا تقوم بدونهما. وبهذا يندفع هذا السؤال، لكن على العبارة الثانية سؤال، وهو أنه يمكن أن يقال: التخصيصُ ليس فعلًا ولا عدمَ فعلٍ، وليس بمقدور، إذا عُنِيَ به عدمُ الإرادة، والإرادة صفة أزلية، فلا تكون مقدورةً وإن
(2)
(1)
في الكلام نقص ظاهر.
(2)
الأصل: «وإذا» والصواب ما أثبتناه.
كان المراد مقدورًا، وكذلك عدم الإرادة الأزلية واجب العدم، فيمتنع أن يكون مقدورًا وإن كان ما عُدِمَتْ إرادتُه مقدورًا
(1)
، فبينَ الصفةِ ومتعلَّقِ الصفة فرقٌ ظاهر. وهذا مبنيٌّ على أصول أهل السنة أن الإرادة صفة أزلية وإن كان تعلُّقُها حادثًا، وقد يوصف بأنه إرادةٌ أيضًا
(2)
. وأما القدرية فيقول أكثرهم: إن الإرادة فعل من الأفعال، وهل هي نفس الخلق والأمر أو صفةٌ قائمةٌ لا في محلٍّ؟ بينهم في ذلك خلاف معروف ليس هذا موضعه.
الوجه السادس: أن يقال: أجمع المسلمون على إمكان قياس التخصيص، فإما أن يكون التخصيص أمرًا وجوديًّا أو لا يكون وجوديًّا، لكن المناسبة تتحقق فيه مع ذلك، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، إذ ليس غرضنا إلا تعديةَ الحكمِ من صورة التخصيص إلى صورة أخرى، وهذا أمرٌ ممكنٌ بالضرورة.
واعلم أن تقرير الجدليِّ ضعيف من وجوه:
أحدها: أن التخصيص الذي يتكلم فيه هنا أن يُخرَجَ من [ق 119] اللفظ بدليل منفصلٍ مَا لولا ذلك الدليلُ لوجبَ دخولُه في اللفظ، ولا يكون تخصيصًا حتى يكون اللفظ شاملًا له، وهل يُشترط في تسميته تخصيصًا أن يجوز إرادة المتكلم له؟ فيه خلافٌ بين الناس، مبناه أن ما خرج بدليل العقل الظاهر وقرائن الأحوال ونحوها من الدلائل التي تمنع فهم صورة التخصيص من اللفظ العام هل يُسمَّى تخصيصًا؟ وأكثر الناس يسمونه تخصيصًا، والنزاع لفظي. وعند ذلك فقوله:«الثيبان يُرجَمانِ» أو قوله: «الثيبُ بالثيب جَلْدُ مائةٍ والرجمُ» ، وقوله:«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»
(3)
لا يقتضي عمومُه إلّا رجمَ من زَنَى، وكذلك قوله:
(1)
الأصل: «مقدور» .
(2)
في هذا التقرير إجمال، وقد بيَّن المصنف مذهب أهل السنة والفِرق المخالفة لهم في صفة الإرادة في «مجموع الفتاوى»:(16/ 301 فما بعدها).
(3)
تقدم تخريجها.
«الثيبان يُرجَمان» [أنَّ] كلَّ ثيّب يُرجم، وإنما المراد الزانيان الثيبان يُرجَمان، والزانيان البكرانِ يُجلَدانِ. وقوله:«الثيب بالثيب» أبلغُ، فإن الباء تدلُّ على فعل الزنا، وقد صرّح به في اللفظ الثالث.
وإن كان المراد الثيبان الزانيان إما بنفس اللفظ أو بسياق الكلام، فنقول: من شَهِدَ عليه بالزنا أهلُ الذمة ومن تُرَدُّ شهادتُه، لا نُسلِّم أنه زانٍ حتى يدخل في عموم اللفظ، أكثر ما في الباب أنه قد أخبرَ جماعةٌ من الفساق أنه زانٍ، وذلك لا يُوجِبُ أن يكون زانيًا لا في الحقيقة ولا في الحكم الشرعي، أما في الحقيقة فلجواز كذبهم، ولهذا يُحَدُّون حدَّ القَذْفِ عند كثير من الفقهاء. وبالجملة فعلى المخصِّص أن يبين أن هذا زانٍ، وأنَّى يقدر على ذلك!
وقوله: «ظهر زناه بشهادة أهل الذمة» دعوى محضة، وإلّا فلا ظهورَ بقول من كذَّبه الله وأوجب عليه الحدَّ.
وقوله: «على معنى عدمِ إرادتِه مع تناول اللفظ له» .
قلنا: عدم الإرادة مسلَّمٌ، وأما تناول اللفظ فغير مسلَّم، ولا يكون التخصيص تخصيصًا حتى يتبين عدمُ مراد المتكلم بعض الصور التي يتناولها اللفظ.
الثاني: لو سلَّمنا أن صورة الإجماع مخصوصة فلماذا يجب تخصيص صورة النزاع؟
قوله: «بالقياس عليه» .
قلنا: ولِمَ قلتَ: إنّ القياس يُوجِبُ تخصيصَ العام، ولم تَذكر عليه دليلًا، والدليل على خلافِه أن المقتضي لوجوب سائر الصور موجود، وهذا اللفظ العام المجرَّد عن قرينة التخصيص للصورة التي لم تُخَصَّ.
وإنما قلنا: إن هذا هو المقتضي لأن المقتضي إما اللفظ المطلق كما ذكرناه، أو اللفظ بشرطِ بُقْيَاه على العموم، فلو كان شرطًا لم يَجُزْ لأحد أن يستدلَّ بالعموم على فردٍ من أفراده حتى يعلم أن سائر الأفراد مرادة منه، [و] حتى يعلم أن الفرد الأول مراد، فيتوقف العلم بإرادة كل واحدٍ من الأفراد على العلم بإرادة الآخر، وهو دور باطل.
فإن قلتَ: الشرط هو عدم التخصيص [ق 120] لهذا الفرد ولسائر الأفراد، لا العلم بإرادته.
قلتُ: فعلى هذا لا يجوز الاستدلالُ به على فردٍ حتى أبحث عن جميع أفراد العام، وأبحث عن جميع المخصِّصات لجميع الأفراد، فإذا لم أجد شيئًا من المخصِّصات لشيء من الأفراد عملتُ به في صورة واحدة. ومعلومٌ أن أفراد العام قد تفوق الإحصاءَ والعدَّ، والأدلة المعارضة لحكم العموم في كل فرد قد تتعدد وتكثر، فلو لم يَجُز العمل بالعام في صورة من الصور إلا بعدَ أن يُعلَم أو يَغلِبَ على الظن انتفاءُ كلِّ ما يعارضُ العمومَ في كل فرد من أفراد العموم= لتوقفَ الاستدلالُ به على طرفي البرّ، ومعلومٌ أن هذا فاسد.
وأيضًا فإن الصحابة والتابعين أجمعوا على العمل بالعمومات المخصوصة في الكتاب والسنة، إذ قيل: إن أكثر العمومات مخصوصةٌ، ولو لم يكن المقتضي للعمل بها ثَمَّ لما جاز العمل بها بدون المقتضي، والمقتضي
إما دلالة اللفظ أو غيره، والثاني منتفٍ، لأن الأصل عدم الغير، ولأنا رأيناهم لا يتوقفون عند سماع اللفظ على غيره، ورأيناهم يَعزُونَ الحكمَ إلى اللفظ، ولأن القضايا المتعددة إذا اشتركت في حكمٍ وسببٍ غَلبَ على الظن أن ذلك السبب هو الموجب للحكم، فإذا كان اللفظ هو المقتضي مع تخصيصه وهو موجود وجبَ العملُ به.
وأيضًا فلو لم يكن اللفظ مقتضيًا لشيءٍ من الأفراد إلَّا بشرط اقتضائه لسائرها، لكان التخصيصُ إخراجًا لجميع الأفراد عن اقتضاء اللفظ لها، وذلك تعطيل اللفظ، فوجب أن لا يكون التخصيص جائزًا، لإفضائِه
(1)
إلى تعطيل اللفظ، وفي إجماع أهل اللغة والشريعة بل إجماع الأمم على جوازه ووقوعه وحُسْنِه ما يَمنعُ هذا. وإذا ثبتَ أن المقتضي قائم، فلم يعارضه إلا قياس التخصيص، والقياس لا يجوز أن يعارض النص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ:«بم تَحكُم؟» قال: بكتاب الله، قال:«فإن لم تجد؟» قال: فبسنة رسول الله، قال:«فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلُو. قال: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضِي رسولَ الله»
(2)
. فصوَّب النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا على تركه العملَ باجتهاد الرأي [عند وجود ما يُحكَم به في الكتاب والسنة. والقياس يكون باجتهاد الرأي]
(3)
، بل هو أخص الاستنباطات باجتهاد الرأي، فوجب أن يكون تركه عند وجود ما يُحكَم به في الكتاب والسنة صوابًا، ومن وجدَ العامَّ المخصوصَ فقد وجدَ ما يحكم به في الكتاب والسنة، فيكون تركُه
(1)
الأصل: «الاقتضابه» .
(2)
سبق تخريجه (ص 207).
(3)
زيادة ليستقيم المعنى، ولعلها سقطت لانتقال النظر.
للقياسِ صوابًا، وإذا كان صوابًا لم يكن القياس حجةً على هذا التقدير، لأن ترك الحجة الشرعية ليس بصوابٍ، فعُلِمَ أنه ليس بحجة.
وأيضًا [ق 121] فإن الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، والمتنازعان إذا احتجَّ أحدُهما بعموم والآخر بقياس، فعليهما أن يردّاه إلى الله والرسول، والعموم كلامُ الله وكلام رسوله، والرد إليه يُوجِبُ إحقاقَ قولِ المحتجّ به وإبطال قول [الآخر]
(1)
.
وأيضًا فإن العموم كلام الله أو الرسول، ودالٌّ بنفسه على مقصود الشارع، ومرادُه لا يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل ثم على استخراج العلة ثم على ثبوتها في الفرع
(2)
، وذلك إنما يُعلَم باجتهادنا واستنباطنا، والخطأ سريعٌ إلى أهل الاستنباط، فوجبَ تقديمُ ما يَبعُد عن الغلط على
(3)
ما يقرب إليه.
واعلم أن هذه الأسولة وإن كان لها غَورٌ وفيها كلام طويلٌ، إلا أن القصدَ هنا إيرادُ سُؤالٍ متوجهٍ من هذه الجهة، وإن كان يمكن أن يكون عنه أجوبةٌ صحيحة، فإن مثل هذه الأسولة أفتَحُ لباب الفائدة من الأسولة المعوجَّة المعكوسة.
الثالث: سلَّمنا جوازَ تخصيص هذا العموم بالقياس، لكن بأيّ قياس؟ أبالقياس الجلي أو بمطلق القياس؟ الأول مسلَّم، والثاني ممنوع
(4)
، فعليك
(1)
هنا كلمة مطموسة في الأصل.
(2)
الأصل: «الشرع» .
(3)
الأصل: «إلى» .
(4)
الأصل: «الأول ممنوع والثاني مسلَّم» والصواب ما أثبتناه.
أن تبيِّن أن هذا القياس من الأقيسة الجلية. وهذا لأنَّ القياس الجلي مثل ما تكون علتُه منصوصةً، أو يكون في معنى الأصل، أو أولى منه بالحكم، إما أن تكون دلالته سمعيةً أو عقليةً ظاهرةً لا تتوقف على كثير بحث ونظر، ولهذا يشترك فيه العلماء والعامة، فجرى مجرى النص، فإن التخصيص به تخصيص
(1)
بالنص. أما الخفي مع كثرة تطرق الخطأ إليه، فإذا أطلق الشارع لفظًا عامًّا ظاهرًا في العموم، وأراد منّا أن لا يُعمَل به في بعض الصور، لأن في بعض الأحكام معانيَ خفية إذا استنبطت فُهِمَ منها عدمُ إرادة تلك الصور= كان ذلك شبيهًا بالتلبيس والتدليس، وهو غير جائز على الشارع، ومتى جوَّزنا ذلك لم نَثِقْ بمقتضى شيء من العمومات والظواهر.
الرابع: سلّمنا جواز التخصيص بكل قياس، لكن لا بدَّ أن يكون القياس صحيحًا، فإن الإجماع منعقدٌ
(2)
على امتناع تخصيصه بقياس فاسدٍ، فعليك أن تُبيِّن صحةَ القياس، وإنما تتبين صحة القياس إذا ثبتَ اشتراكُ الأصل والفرع في الموجب للحكم في الأصل.
قلنا: لا نُسلِّم أنه إنما كان لدفع الضرر. وأما المناسبة التي ادعاها فلم يُبيِّنها، ونحن نُبيِّنها لنكشِف سِتْرَها، وذلك أنه يقول: دفعُ الضرر مناسبٌ لعدمِ الوجوب، بمعنى أنه يَحسُن في نظر العقلاء أن يُضافَ أحدُهما إلى الآخر ويُنسَب إليه، لأن دفعَ [ق 122] الضرر أمرٌ مطلوبٌ، وعدم الوجوب
(1)
الأصل: «تخصيصًا» .
(2)
الأصل: «ينعقد» .
طريقٌ صالح له، وإذا رأينا مباشرةَ الحكيم الطريقَ الصالح لتحصيل أمر مطلوب، يغلبُ على ظننا أنه إنما باشره لأجل ذلك المطلوب. فلو رأينا الشرع قد منع الوجوب في صورة التخصيص، ورأينا هذا المنع طريقًا إلى دفع الضرر عن المرجوم، غلب على ظننا أنه إنما فعل ذلك لدفع الضرر، فيكون عدمُ الوجوب مضافًا إلى دفع الضرر، وصورةُ القياس يحصل فيها ضررٌ بتقدير وجوب الرجم، فيكون دفعه علةً لعدم الوجوب، فينتفي الوجوب لإرادة دفعه. هذا تقريره، وهذا أفسد مما ذكره في فصل القياس، ويتبيَّنُ فساده من وجوه:
أحدها: لا نسلِّم أن التخصيص إنما كان لدفع الضرر، وذلك لأنّ دفع الضرر أمر مانع من الوجوب، والتعليل بالمانع يعتمد قيام المقتضي، لأنه إذا كان المقتضي منتفيًا كان انتفاءُ الوجوبِ لانتفائه، وإذا كان لانتفائه لم يكن لوجود المانع، لئلا يتوارد على المعلول الواحد بالعين علَّتانِ لا تستلزم إحداهما الأخرى، فإن ذلك لا يجوز. وإذا كان التعليل بالمانع يعتمد قيام المقتضي في الأصل، فعليك أن تُبيِّن قيامَ المقتضي في صورة التخصيص، وأنت لم تُبيِّن ذلك، فلا يكون التعليل بالمانع مقبولًا.
الثاني: أن الحكم في الأصل معلَّلٌ بعدم المقتضي، لأنَّ المقتضي لوجوب الرجم الزنا المعتبرُ بشروطه، بالمناسبة الصحيحة بالدوران، بل بالنص والإجماع، وصورة النقض لم يثبت فيها المقتضي، لأن ثبوته إنما يكون بطريقه الشرعي، وشهادةُ الكفار والفسَّاق ليست طريقًا شرعيًّا. وإذا كان معللًا بعدم المقتضي لم يعلَّل بوجود المانع، وهذا منعكس في الفرع، فإن المقتضي وهو الزنا قائم فيه، لأن التقدير ما إذا ثبتَ زناه بإقراره أو ببينة، وإنما الكلام في كون كفره مانعًا أو إيمانه شرطًا.
فإن قال: دفعُ الضرر عمن لم يَزنِ مناسبٌ لعدم وجوب الرجم، وإنما اندفع
(1)
الرجمُ للضرر فيه.
قلتُ: عدمُ الوجوب يكفي فيه عدم المُوجِب، ولا يُحتاج في عدم الوجوب إلى إفضائه إلى دفع الضرر.
الثالث: قوله: «التخصيص ثَمَّ إنما كان لمناسبة دفع ضرر وجوب الرجم مع عدم الإيجاب في صورة النقض» .
قلنا: لِمَ قلتَ: إنه كان كذلك؟ فإن قال: لأني وجدتُ هذا الوصفَ مناسبًا للحكم، فيغلبُ على الظن إضافته إليه، قلنا: إنما يفيد غلبةَ الظن إذا لم يزاحمه وصفٌ آخر لم يكن اعتقاد موجبية أحدهما بأولى من الآخر، أو بأولى من اعتقاد موجبيتهما. وفي صورة النقض كما أن دفع الضرر [ق 123] مناسب لعدم الإيجاب، فشهادة الفاسق مناسبة للتوقف فيها وعدم الحكم، كما دلَّ عليه قوله:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، لأنه لا يُؤمَنُ عليه الكذبُ أو المجازفة، ولا يستأهل أن يُنصَب منصبَ الائتمان على الدماء والأموال والفروج، وينفذ قولُه في غيره، لأن التوقف عما لا يُعلَم حقيقته أمرٌ مطلوبٌ في نظر العقلاء، فإذا رأينا الشارع قد أمر الحاكم بالتوقف عن الحكم بشهادة الكفار والفساق، غلبَ على الظن أنه إنما أمر بذلك لكونه مظنة الكذب
(2)
أو مستحقًّا للاستخفاف والإهانة، لأن ذلك طريق صالحٌ لتحصيل هذا الغرض، وإذا كان هذا الوصف مناسبًا لم يجز
(1)
الأصل: «الدفع» .
(2)
بعده في الأصل كلمة غير واضحة لعلها: «البيّن» .
إضافة الحكم إلى المشترك خاصة، لأن من أعطى رجلًا فقيرًا قريبًا عالمًا، فظنَّ ظانٌّ أنه إنما أعطاه لمجرد علمِه أو قرابته كان مجازفًا، فكذلك إضافة الحكم إلى ما به الاشتراك مع صُلُوح ما به الامتياز للإضافة غير جائز.
فإن قيل: فهبْ أن فِسْقَ الشهود مناسبٌ لردّهم، لكن إنما كان ذلك لأجل أن قبول شهادتهم يُفضِي إلى الضرر بالمشهود عليه، وإذا كان مطلوبه أحدَ الشيئين لأجل الآخر لم تكن إضافة الحكم إلى أحدهما مانعًا من إضافته إلى الآخر.
قلنا: هذا إن سُلِّم فإنه تعليلٌ بنوع خاص من الضرر، فلا يلزم التعليل بجميع أنواع الضرر [أو] بمطلق الضرر، لأن مطلق الضرر وبعض أنواع الضرر موجود في صور كثيرة، وقد وجبَ الرجم، فلو علَّلنا بمطلق [الضرر] لزمَ انتقاضُ العلة، وإن عللنا بالضرر الناشئ من شهادة الفساق لزم اطرادُها، والتعليل بما يطرد أولى من التعليل بما ينتقض.
الرابع: أن نقول: التخصيص لم يكن بمطلق دفع الضرر، بل لأنه قبولٌ لشهادةِ الفاسق المناسبة للردّ، أو لأنه إضرارٌ بمن لم تثبت منه خيانة، وذلك يناسب التحريمَ والمنعَ، لأن هذه الأوصاف قد أومأ إليها النص ودلَّ عليها الإجماعُ، فيكون أولى من تلك، ولأنها مطَّردةٌ فتكون أولى من المنتقضة.
الخامس: [إما أن] تدعي أن حصول الضرر مانعٌ من وجوب الحدّ مطلقًا
(1)
، أو مانعٌ من وجوب الحد بعد وجود الزنا، فإن عينتَ الثاني لم ينفعك.
(1)
تكررت في الأصل عبارة «مانع في وجوب الحد مطلقًا» .
وإن قال: هو مانع، إلا إذا حصلَ الإحصان الذي اشترطه ونحو ذلك، أو مانع [ق 124] على الإطلاق، لكن ترك مدلول الدليل مقرونًا بمانعٍ لا يُبطِل دلالتَه.
قلنا: فالمناسبة التي ادعيتَها لا تدلُّ على هذا التفصيل.
واعلم أنّا ذكرنا ما يختصُّ بهذا النوع، وإلا فقد تقدم في فصل القياس الكلامُ المحقَّقُ في إبطال جنس ما يستدلون به من الأقيسة.
قال الجدلي
(1)
: (أو نقول: التخصيص ثابت هنا، وإلّا لما ثبتَ ثمةَ بالنافي للتخصيص، وهو المقتضي لوجوب الرجم. أو نقول: لم يرد الفرع أصلًا، وإلا لأريدَ مع الأصل بالمقتضي للإرادة).
هذان تقريرانِ آخرانِ لقياس التخصيص، فإنهم يُثبِتون التخصيصَ في الفرع بأنواعٍ من جنس أدلتهم من التلازم والتنافي وغيرهما، مثل أن يقول: التخصيص ثابت في صورة النزاع، وإلا لما ثبت في صورة الإجماع بالنافي للتخصيص مطلقًا، أو بالنافي للتخصيص السالم عن معارضة ثبوت التخصيص في صورة النزاع، فإنه معارض للنافي للتخصيص.
وإنما قلنا: إن النافي للتخصيص قائم، لأن الخطاب العام مقتضٍ لإرادة جميع الأفراد، ودالٌّ على ذلك عند جميع الطوائف إلّا عند من لا يُبالَى به من الواقفة [و] نحوهم، ولأنه لو لم يكن الخطاب العام مقتضيًا للشمول والعموم لما صحَّ أن يعارَض به ما يناقضه في صورة التخصيص، وحينئذٍ فيَبطُل الاعتراضُ به، ولا يحتاج المستدل أن يقول: خُصَّ منه صورة
(1)
«الفصول» (ق 6 أ).
الإجماع فيُخصَّ صورةُ النزاع. وإذا كان الخطاب العام موجبًا للشمول والعموم فذلك ينافي عدم الشمول، والتخصيص مستلزم لعدم الشمول، فالمقتضي لشمول الخطاب العام نافٍ للتخصيص، وهو المطلوب.
وأيضًا فإنه بتقدير التخصيص يتعارض الخطاب العام والدليل المخصص، وذلك مقتضٍ لترك أحدهما، لأنه إن أبقَى العامَّ على عمومه ترك العمل بالمخصص، وإن لم يُبقِ على عمومه ترك العمل به في صورة التخصيص.
أو يقال: إن عملَ بالمعارض الخاص لزمَ تركُ العمل العام في قدره، وإن لم يعمل به تركَ الخاصَّ، وإذا كان ذلك التقدير موجبًا للتعارض كان خلاف الأصل.
وأيضًا فإن تخصيص الصورة من الخطاب الذي يقتضي الوجوب لا يكون إلا بعد قيام ما يقتضي الوجوب، ويكون التخصيص تركًا لموجب ذلك المقتضي، فيكون ذلك المقتضي مما ينافي التخصيص.
ومثل أن يقول: تخصيص صورة الإجماع مع عدم تخصيص [صورة] النزاع لا يجتمعان، لأن المشترك بينهما إن كان مانعًا من [ق 125] الإرادة ثبتَ التخصيص، وإن لم يكن مانعًا انتفى التخصيص لوجود النافي له السالم عن معارضة مانعية المشترك من الإرادة.
ومثل أن يقول: الفرع غير مرادٍ من النص، لأنه لو أريد لأريدَ مع الأصل للمقتضي للإرادة، ولا يتحقق إرادتهما، فلا يتحقق إرادة الفرع.
فإن قال: ولا يتحقق إرادة الأصل صحَّ أيضًا.
قيل: يمكن المعارضَ أن يعدِّيه بأن يقول: لو لم يُرَد الفرعُ لأريدَ مع الأصل، ولا يتحقق إرادته. كما يمكنه المقابلة لو قال المستدل: لو أُريدَ الفرعُ لأُريدَ الأصلُ، ولا يتحقق إرادته، بأن يقول: لو لم يرد الفرع لأريد الأصل، ولا يتحقق إرادته، والأجود الفرق، فإنه إذا قال: لو لم يرد الفرع لأريد مع الأصل، فإنه ادعى إرادتَهما على تقدير عدم إرادة أحدهما، ومعلومٌ أنه إذا لم يرد أحدهما لا يتحقق إرادتهما.
فإن قيل: المدعَى إرادتهما على تقدير عدم إرادة الفرع وحده.
قيل: أولًا: هذا خلاف معنى الكلام، فإن عدم إرادة الفرع أعمُّ من عدمِ إرادته بصفة الانفراد وبصفة الاجتماع.
وثانيًا: إن المستدلَّ يقول: قولي «ولا يراد الأصل» أي لا تنحصر الإرادة فيه ولا تتدخل فيها، والمعترض لا يمكنه أن يقول: لو لم يرد بوجهٍ ما لا يدفع الأصل.
ثم من عادتهم أن يقول الخصم: لا أسلِّم قيامَ المقتضي اللازم على هذا التقدير، فإنه إذا أريد الفرع قد لا يُراد الأصل بالمانع من إرادته خصوصًا، وهو أنَّ في إرادته مع إرادة الفرع زيادةَ تركِ العمل بما ينفي إرادتهما، فإن المانع من إرادتهما إذا تُرِكَ العملُ به في الفرع ثم تُرِكَ في الأصل ازدادت مخالفة الأصل.
فيقال له: لا نسلِّم قيامَ المانع على تقدير إرادة الفرع.
فيقول: هو واقع في الواقع، فيكون واقعًا على التقدير.
فيقال له مثل ما قيل في التلازم، وقد تقدم الكلام في ذلك، وبيَّنا فسادَ ما
ذكر الجدليُّ أنه يقرر به القياس المخصص، وذلك من وجوه:
أحدها: أن يقول: التخصيص ثابت في عدم الإحصان المدَّعى، وهو زنا الكافر مثلًا، لأنه لو لم يكن ثابتًا هناك لما ثبتَ في صورة الإجماع، وهو الزنا الذي لم يثبت ونحوه، لأن النافي للتخصيص ثابت، وهو المقتضي لوجوب الرجم، وهو شمول اللفظ له.
فيقال له: لا نُسلِّم أنه لو لم يثبت هنا لما [ق 126] ثبتَ في صورة الإجماع. أما في هذا المثال الذي ذكرَه فلأن تلك المسألة غير مندرجة في عموم اللفظ، ولا مقتضي للوجوب فيها، وإذا لم تكن مخصوصةً ولا مقتضِيَ فيها للوجوب فقوله:«لو لم يكن التخصيص لم يثبت في صورة الإجماع» [باطل]، ولكن لا يلزم من عدم ثبوت التخصيص ثبوتُ وجوبِ الرجم إلّا إذا ثبتَ دخولُه في العام.
الوجه الثاني: أنّا لا نسلِّم التلازمَ، وأما النافي للتخصيص فهو إنما ينفي التخصيص على التقديرات الواقعة في الواقع، أو على التقديرات التي لا تنافيه، لأنه لو نفاه على كل تقديرٍ لنَفاه على تقدير عدم النافي ووجوده، وعلى تقدير عدم الرسول ووجوده، وعلى تقدير وجود الزنا وعدمه، وعلى كل تقدير باطل، وهذا محال، فعُلِمَ أنه إنما ينفيه على كل تقدير واقعٍ أو تقديرٍ لا ينافيه. فإذا ادعيتَ قيامَ المانع من التخصيص في الأصل على تقدير عدم التخصيص في الفرع، فإن كان عدم هذا التخصيص واقعًا لم يصحَّ دعوى التخصيص حينئذٍ، وإن لم يكن واقعًا لم يصح دعوى قيام النافي للتخصيص في الفرع. إن لم يكن واقعًا فلا يصح الاستدلال على وقوعه،
وإن كان واقعًا لم يصح الاستدلال بالنافي على تقدير غير واقع، لاسيما الاستدلال بالنافي للتخصيص على تقدير التخصيص.
الوجه الثالث: أن المانع من التخصيص في صورة النزاع موجود، وهو العموم ونحوه كما تقدم، فيكون امتناع التخصيص واقعًا لقيام مقتضيه، فيكون التخصيصُ غيرَ واقع، وإذا كان التخصيص في صورة النزاع غيرَ واقع في الواقع لم يكن المقتضي للوجوب النافي للتخصيص في صورة الإجماع واقعًا على هذا التقدير، لأنه يكون واقعًا على تقدير عدم الواقع، فيكون الواقع مستلزمًا لغير الواقع، وذلك جمعٌ بين النقيضين، وهو محال.
الوجه الرابع: النافي للتخصيص قد ترك العمل به في صورة الإجماع بالإجماع، فلا يبقى نافيًا للتخصيص في الأصل ولا مقتضيًا، للإجماع على عدم نفيه للتخصيص وعدم اقتضائه للوجوب في هذه الصورة، فلا يصحُّ الاستدلال به.
الوجه الخامس: أن تخصيص الأصلِ [ق 127] واقع في الواقع بالإجماع، فيكون واقعًا على تقدير عدم التخصيص في الفرعِ، لأنه لا منافاةَ بين تخصيص الأصل وعدم تخصيص الفرع، إذ لو تنافيا لكان إذا خصَّصنا صورةً يلزم تخصيصُ كل صورة، وهو خلاف الإجماع.
الوجه السادس: أن النافي للتخصيص لا اختصاصَ له بتقدير التخصيص في الفرع وعدمه، فإمّا أن يكون دالًّا على التقديرينِ أو لا يكون دالًّا، وليس دالًّا على التقديرين بالإجماع، فتعيَّن أن لا يكون دالًّا على التقديرين، أعني تقدير التخصيص في الفرع وعدمه، وإذا لم يكن دالًّا على انتفاء التخصيص في الأصل بطلَ الاستدلالُ به.
الوجه السابع: أن النافي للتخصيص نَفَى التخصيصَ في الصورتين، فإذا التزم مخالفته في إحداهما بالإجماع لم يجب أن يلتزم مخالفته في الأخرى، لما فيه من تكثير مخالفة النافي.
الوجه الثامن: أنه إما أن يكون النافي للتخصيص قائمًا أو لا يكون، فإن لم يكن بطلَ الاستدلالُ، وإن كان قائمًا فهو نافٍ للتخصيص في الفرع، فإمّا أن ينتفي التخصيص في الفرع أو يتعارض مقتضيه ونافيه، وكلاهما ينقض الاستدلال.
التاسع: أن يقال: ليس [النافي] للتخصيص ثابتًا، لأنه لو كان ثابتًا لما ثبتَ التخصيصُ في الأصل بالنافي له.
واعلم أن فسادَ هذا الكلام له طرق كثيرة، وقد تقدم في التلازم طرفٌ من ذلك.
وأما قوله: «أو نقول: لم يرد الفرع أصلًا، وإلّا لأريد مع الأصل بالمقتضي للإرادة» وهو اللفظ العام، وإرادته مع الأصل محال، فإرادتُه محالٌ. وقد علمتَ أن في حصول المثال الذي ذكره يمكن منع المقتضي للإرادة أن اللفظ غير عام كما قدمناه، لكنا نسامحه في ذلك، لأن القصد الكلام على مثل هذا التركيب الفاسد، فنقول: لا نسلِّم أنه لو أريد لأريد مع الأصل، فإن هذه الملازمة ممنوعة.
قوله: «المقتضي للإرادة» .
قلنا: المقتضي للإرادة يقتضي إرادتَه على كل تقديرٍ أم على كل تقديرٍ واقع؟ فإن ادعى الأولَ فهو ممنوع باطل، وإن ادعى الثاني فإرادة الأصل غير واقعة، فقوله:«لو أُريدَ لأريدَ مع الأصل بالمقتضي» معناه أن المقتضي يقتضي
إرادتهما، مع العلم بأن أحدهما
(1)
غير مراد.
ثم نقول: إذا كان الأصل يقتضي إرادتهما، وقد ترك هذا الأصل في حكم الأصل، كان تركًا للدليل، وترك الدليل على خلاف الأصل، فتكون كثرته على خلاف الأصل، فلا يلزم تركُ الدليل [ق 128] في الفرع، لما فيه من تكثير مخالفة الأصل.
واعلم أن قوله: «لو أريد لأريد مع الأصل بالمقتضي للإرادة» هو بعينه معنى قوله: «لو لم يخصّ الفرع لما خصّ الأصل بالنافي للتخصيص» ، فإن إرادة الحكم هو عدم تخصيصه، والمقتضي للإرادة نافٍ للتخصيص، فكلُّ ما قدمناه على التقدير الأول يأتي هاهنا.
قال
(2)
: (ولئن منع التلازم
(3)
بالمانع فنقول: المانع غير متحقق على ما ذكرتم من التقدير، وإلا لوقع التعارض بينه وبين المقتضي على ما عُرِفَ).
يقول: إن منعَ المعترضُ التلازمَ أي إرادة الأصل على تقدير إرادة الفرع أو عدم التخصيص في الأصل، وذلك المانع هو النصوص المختصة بالأصل أو الإجماع المختص به أو المناسبة المختصة به. أو يقول: لو أريدَ الأصلُ للزم زيادة ترك العمل بما ينفي الحكم، فإن الأدلة المانعة للوجوب تَنفي إرادتَهما، وإذا تركنا العمل به فيهما زادَ تركُ العمل بها، وذلك منتفٍ. أو يقول: لا أسلِّم أنه لو لم يثبت التخصيص في الفرع لما ثبتَ في الأصل، أو لا أسلِّم أنه لو أريد الفرع لأريد الأصل، لأن النافي للإرادة ــ وهو الإجماع
(1)
الأصل: «إحداهما» .
(2)
«الفصول» (ق 6 أ).
(3)
في «الفصول» : «اللازم» .
والضرر اللاحق ــ يمنع الوجوب والإرادة في الأصل، وذلك يقتضي أن يكون مانعًا على هذا التقدير، كما قرِّرَ في التلازم أن المانع مستمرٌّ في الواقع، فيكون مانعًا على هذا التقدير.
فإنه يجاب
(1)
بأن يقال له: المانع الواقع في الواقع غيرُ واقع على تقدير إرادة الفرع أو عدم التخصيص فيه، لأنه لو كان واقعًا للزم التعارضُ بين المقتضي للوجوب أو المقتضي للإرادة وبين المانع من ذلك، والتعارض بين الأدلة على خلاف الأصل.
وهذا شبيهٌ بما ذكره في التلازم، حيث ألزمَ السائلَ تعارضًا يلزمُ منه تركُ أحدِ الدليلين، فيكون على خلاف الأصل، بخلاف ما إذا منع ثبوت أحدهما على التقدير، فلا يكون تركًا لأحدهما، وتركُ أحدهما على تقديرٍ ليس تركًا له في نفس الأمر كما تقدم، لأن أحد الأمرين لازمٌ في نفس الأمر، وهو إمّا عدم الدليل أو وجود مدلوله، وهذا التقدير غير واقع، لأنه تقدير عدم تخصيص غير واقع، فلا يضرُّ إذا لزمَ عليه تركُ العمل بالنافي.
واعلم أن هذا الجواب ليس بصحيح كما تقدم في التلازم، وذلك أن المعترض يقول: لا أسلِّم ثبوتَ التلازم كما قررناه، ولا يحتاج أن يُسنِدَ منعَه إلى وجود مانع، بل يمنعه ويقرر منعَه من الوجه الذي بيناه، وهو أنّا لا نُسلِّم وجود المقتضي والإرادة في الأصل على تقدير الملزوم، من الوجوه التي تقدمت. ويمكن المعترض تقرير كلامه بوجهٍ آخر نحو مما قرَّر المستدل [ق 129] كلامه في اللازم، وكما قرر كلامه هنا في جوابه، بأن يقول: لو لم
(1)
هذا جواب «إن منع المعترضُ
…
» في أوَّل الكلام.
يُرَد الفرعُ أو لم يُخَصّ الفرعُ لزمَ مخالفةُ المقتضي، لأن المقتضي لإرادته والنافي لتخصيصه قائم، ولو كان تخصيص الأصل وعدم إرادته مستلزمًا لتخصيص الفرع وعدم إرادته لزمَ التعارضُ بين المقتضي لإرادة الفرع والنافي
(1)
لإرادته، لأن العموم يقتضي إرادتَه، وقياسه على الأصل يقتضي عدمَ إرادته، والتعارضُ يستلزمُ تركَ أحدِ الدليلين، وهو خلاف الأصل.
أو يقول: المقتضي لوجوب الرجم غير موجودٍ على تقدير استلزام التخصيص في الأصل التخصيصَ في الفرع، لأنه لو كان موجودًا تعارض المقتضي لوجود الرجم في الفرع والمانعُ وهو الملازمة، والمعارضة على خلاف الأصل. وهذا الكلام هنا في غاية الحسن، وهو أحسن من إيراده في جواب هذا السائل.
نعم يَرِدُ عليه أنه تركَ المقتضي في الأصل، فيقال: ما كان على خلاف الأصل، فتكثيرهُ على خلاف الأصل، فيجب الاحتراز عن مخالفة الأصل مهما أمكن.
فهذه أجوبةٌ محققة يبطُلُ بها كلام المستدل على هذا الوجه، وكذلك منعه اللازم صحيح والمانع صحيح.
وقول المستدل: «إن المانع غير متحقق، لأنه لو تحقق لوقع التعارض» .
قلنا: هذا مُقابَلٌ بمثلِه، فإنه لو تحقق المقتضي لإرادة الأصل لوقعَ التعارضُ بينه وبين المانع منه، والتعارضُ على خلاف الأصل. وأيضًا فالتعارض واقعٌ في الواقع، فلا يضرُّ التزامُه على هذا التقدير. وقد تقدَّمَ
(1)
في الأصل: «الثاني» تصحيف.
الكلامُ على مثل هذا في التلازم.
قال المصنف
(1)
: (ولئن قال: لِمَ قلتم بأن التخصيصَ عبارةٌ عما ذكرتم؟ فنقول: بالنقل وعمومه موارد استعمال اسم التخصيص في الشرع).
اعلم أن التخصيص في الأصل مصدر خَصَّصْتُ الشيءَ أُخصِّصُه تخصيصًا، ويقال: خَصَصْتُه أخُصُّه
(2)
خصوصًا، واختصصتُه أختَصُّه اختصاصًا، إذا جعلتَه خاصًّا في نفسه أو في اعتقادك واعتقادِ غيرِك، أي عينًا أو علمًا. وكذلك عظّمتُه وشرَّفتُه، أي جعلتُه عظيمًا في نفسِه أو جعلتُه عظيمًا في نفسي، وكذلك كثيرٌ من الأفعال المتعدية. وتخصيصه إفرادُهُ من غيرِه، وله في باب العموم عدةُ معانٍ:
أحدها: أن التخصيص إفراد الشيء بالحكم أو بالذكر، بمعنى أنك لم تَقرِنْ به غيرَه، مثلَ أن تقول: زيدٌ قائمٌ، «الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها»
(3)
(4)
. فهذا هو التخصيص المبتدأ، لأنك لم تُخرِجه من عموم لفظيّ شَمِلَه وغيرَه. وهذا [ق 130] التخصيص إن عُلِمَ أنه تخصيصٌ في الحكم فلا كلام، وإن لم يُعلم فهل يدل تخصيصُه بالذكر على تخصيصه بالحكم؟ فيه الاختلاف المشهور بين القائلين بالمفهوم ودلالته والمانعين من الاستدلال به.
الثاني: أن تقول: خصصتُه إذا أخرجتَه من لفظك العام بإرادتك عدمَ
(1)
«الفصول» (ق 6 أ).
(2)
الأصل: «أخصصه» والصواب ما أثبتناه.
(3)
حديث أخرجه مسلم (1421) عن ابن عباس.
(4)
حديث أخرجه البخاري (2287) ومسلم (1564) عن أبي هريرة.
دخوله، أو بعدم إرادتِك دخولَه، وهذا هو الأصل في تخصيص العام. فإذا قيل: إن الله سبحانه خصَّ من قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] العبد والكافر والقاتل، فمعناه أنه لم يُرِد دخولهم في الحكم، بل أراد عدم دخولهم. وكذلك المتكلم من الخلق إذا قال: من دخل داري من نسائي فهي طالقٌ، واستثنى بقلبه «إلا زينب» نفعَه هذا الاستثناءُ فيما بينه وبين الله، وفي قبوله في الحكم خلاف مشهور، لكن هذه الإرادة ــ أعني إرادة الله سبحانه أو إرادة المتكلم ــ لما كانت خفيَّةً
(1)
عن الخلق جعل ما يدلُّ عليها مخصَّصًا، والمستدلُّ بذلك الدليل مخصِّصا. فهذا هو المعنى الثالث.
والرابع من معاني التخصيص: فإنّا نقول: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَرِث المسلمُ الكافرَ»
(2)
خصَّ آية المواريث، وقولُه:«لا يُقطع السارق إلا في رُبُع دينارٍ»
(3)
خصَّ آية السرقة. أو نقول: قولُه: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] خصَّ قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، وقوله:{أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: 226]. ويقال: فلان يخصِّصُ هذه الآية أي يعتقد أنها خاصةٌ بدليلٍ اقتضى ذلك، ثم إنك تقول: خصصتُ العامّ بكذا أي جعلتُه مخصوصًا ببعض أفراده، وخصصتُ هذه الصورة من العامّ، أي جعلتُها مخصوصةً من حكمه. فالمخصوص يُقال على العامّ الذي أُخرِج منه شيء، وعلى ما أُخرج من العامّ.
(1)
الأصل: «غنيا» .
(2)
أخرجه البخاري (6764) ومسلم (1614) عن أسامة بن زيد.
(3)
أخرجه البخاري (6790) ومسلم (1684) عن عائشة.
إذا فهمتَ هذا فقول المصنف: «تخصيص الشيء من العامّ عدمُ إرادتِه مع تناول اللفظ له» كلام جيد، إذ لو لم يكن اللفظ متناولًا لما كان تخصيصَ العام في شيء، بل كان تخصيصًا مبتدأً أو كلامًا مبتدأً، وإذا كان اللفظ متناولًا له وهو مراد فليس بمخصوصٍ، بل مرادٌ من اللفظ يَبْقَى
(1)
على مقتضَى العموم.
ومَنْعُ السائل هنا لا وجهَ له، فإنَّ مَنْعَ دلالة اللفظ إنما يستقيم إذا كان اللفظ في الكتاب أو السنة، وقد استدلّ به على حكم، فيحتاج أن يبيّن دلالته عليه، أما لفظ التخصيص الذي يُستعمل هنا فهو لفظٌ من ألفاظ العلماء واصطلاحهم، مثل القياس والتلازم والمناسبة [ق 131] والدوران، فلا وجهَ لمنعه.
يُبيِّن ذلك أن المستدل يمكنه تقريرُ دليله بدون التعرض لهذا اللفظ، بأن يقول: حكم الأصل لم يُرَد من هذا اللفظ العام بالإجماع، فلذلك حكم الفرع لا يكون مرادًا بالقياس عليه، إلى آخر الكلام.
أو يقول: إخراج حكم الأصل من اللفظ إنما كان للقدر المشترك بينه وبين الفرع.
أو يقول: الخطاب بالعام الذي لم يتضمن حكم الأصل إنما كان للقدر المشترك بينه وبين الفرع.
فإن استدلاله غير متوقف على تفسير هذا اللفظ، فما وجه الاعتراض على معناه دون معنى القياس والدوران والتلازم وغيرها، إلّا أنه في الجملة في الكلام عليه تكثير للفائدة، لكن هو منعٌ غير متوجه. ومن أهم الأشياء
(1)
في الأصل: «ينفي» تصحيف.
على المناظر تمييز المُنُوعِ القادحة والمعارضات الصحيحة من المُنُوع التي لا يضرُّ منعُها والمعارضاتِ التي لا يضرّ وجودُها، لاسيما أهل هذه الطريقة، فإن أولهم كانوا يزعمون أن طريقتهم تجمع نَشْر الكلام
(1)
وتصونه عن الخبط وعدم الضبط، لكن الذي دعاه
(2)
إلى ذلك أن التخصيص قد يكون مسلمًا في صورة الإجماع، وقد لا يكونُ كذلك، كالصورة التي مثّل بها، فإن الإجماع فيها مركب، وذلك لأنه إنما لم يجب الرجم فيها عند أبي حنيفة ومالك لعدم الإحصان الذي هو الشرط، ولم يجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه لأن شهادة أهل الذمة لا تقبل عندهم، فانتفى الرجمُ لعدم البينة به، فيحتاج أن يبيّن التخصيص في هذه الصورة، بأن
(3)
يبين عدم إرادتها إجماعًا مع تناول اللفظ لها.
قوله: «فنقول بالنقل وعمومه مواردَ استعمال اسم التخصيص في الشرع» .
اعلم أن معنى اللفظ يثبتُ بالنقل عن أهل اللسان الذين خُوطِبنا بلغتهم، أو بالنقل عن العلماء بلغتهم الذين طلبوا علمها وبحثوا عنها، أو بالنقل عن أهل العرف إن كان اللفظ عُرفيًّا، أو بالنقل عن أهل العرف الخاص إن كان اللفظ اصطلاحيًّا كألفاظ الفقهاء والنحاة ونحوهم. أو يثبت بالاستعمال المجرد، وهما ظاهران، لكن لفظ التخصيص لفظ اصطلاحي عِلْمي
(4)
،
(1)
في الأصل: «بشر الكلام» .
(2)
الأصل: «ادعاه» .
(3)
في الأصل: «أن» .
(4)
الأصل: علم، ولعل الصواب ما أثبت.
المرجعُ فيه إلى أهل الفقه وأسبابه، فيُرجَع فيه إلى النقل عنهم، وهم قد ذكروا في تفسير الخصوص هذا المعنى الذي قاله إما باللفظ الذي قاله أو بما يُشبِهه، مثل أن يقال: إخراج ما لم يرد باللفظ العام ونحو ذلك. وأما عموم المعنى موارد استعمال اللفظ بحيث لا يستعمل اللفظ في مورد إلا وذلك المعنى الكلي موجود فيه، فإن ذلك يدلّ على أن ذلك [ق 132] المعنى هو مفهوم ذلك اللفظ ومسمّاه ومعناه، ثم منهم من يقول: ذلك المعنى حقيقة ذلك اللفظ، ومنهم من يقول: ذلك اللفظ حقيقة [المعنى، ومنهم من] يقول: الحقيقة استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، فيجعل الحقيقة تارةً عبارة عن اللفظ وهو المشهور، وتارةً عن المعنى، وتارةً عن استعمال اللفظ في المعنى، والأمر في ذلك واسعٌ.
هكذا زعم أصحابُ هذا الجدل ونحوهم، والتحقيق أنه لا يُكتفَى بذلك حتى يعمّ موارد الاستعمال، ويختص بها بحيث لا يوجد في غيرها، وإلّا فلو وُجِدَ فيها ووُجِدَ في غيرها كان معنى لفظ أعم من ذلك اللفظ. مثال ذلك لفظ «حيوان» ، فإذا وجدناهُ يُقال للإنسان والفرس والطير والأسد والثور وغير ذلك من الدوابّ، فقلنا: معنى الحيوان هو الجسم الحسّاس النامي المتحرك بالإرادة، لأنّا وجدنا هذا المعنى يعمُّ مواردَ استعمال لفظ الحيوان. وكذلك لفظ «إنسان» وجدناه يَرِدُ على الأسود والأبيض والعربي والعجمي والطويل والقصير والصغير والكبير من الآدميين، فقلنا: معنى الإنسان هو الحيوان الناطق، أو هو الآدمي أو هو البشري أو نحو ذلك من التفسيرات المطابقة، لأن هذا المعنى عام لموارد استعمال لفظ الإنسان في اللغة.
والتحقيق أن يقال: هذا المعنى ــ المدَّعَى أنه مفهوم اللفظ ومسماه وأنه
حقيقة اللفظ أو اللفظ حقيقة فيه ــ مطابقٌ لموارد استعمال اللفظ عمومًا وخصوصًا، وملازم للفظ وجودًا وعدمًا، ودائرٌ معه نفيًا فيه
(1)
؛ أو عموم المعنى موارد الاستعمال ولزومه لها أو تلازم اللفظ والمعنى في الاستعمال يدلُّ على أنه معناه. أو دوران إرادة هذا المعنى من اللفظ مع اللفظ وجودًا وعدمًا دليلٌ على أن المدار حقيقةٌ في الدائر ودليلٌ عليه وموجبٌ له في الاستعمال اللغوي.
وإيضاح هذا المعنى المدَّعَى أنه حقيقة اللفظ له ثلاثة أقسام:
إمّا أن يكون أعمَّ من اللفظ، كمعنى الجسم النامي بالنسبة إلى لفظ الحيوان، وكمعنى الحساس والمتحرك بالإرادة الحيوانية إلى لفظ الإنسان.
وإمّا أن يكون أخصَّ منه، كمعنى الصاهل والناطق والباغم والراعي بالنسبة إلى لفظ الحيوان، وكمعنى العربي والعجمي بالنسبة إلى لفظ الإنسان.
وإمّا أن يكون مساويًا له ومطابقًا في العموم والخصوص، كما ذكرناهُ من معنى الحيوان والإنسان بالنسبة إلى [ق 133] لفظهما.
فإذا قيل: عموم المعنى موارد استعمال اللفظ يوجب كون ذلك المعنى حقيقة في اللفظ.
قيل له: قد يعمُّ موارد استعمال ذلك اللفظ وموارد استعمال غيره، كمعنى الجسم النامي، فإنه يعمُّ موارد استعمال لفظ الحيوان والإنسان ولفظ نبات ومعدن، ويعم معنى الجسم لفظ سماء وأرض وتراب وماء وهواء ونار
(1)
كذا، والسياق يقتضي:«نفيّا وثبوتًا» .
وغير ذلك، فلو كان مجرَّد عموم المعنى موارد الاستعمال دليل الحقيقة كان لا يشاء أحدٌ أن يجعل الألفاظ حقيقةً في أعمَّ من معناها إلا فعل ذلك، واحتجَّ بعموم المعنى المدَّعى موارد استعمال ذلك اللفظ، كما يعمّها ما هو مساوي
(1)
لمعنى اللفظ، وإذا كانت هذه الدعوى مستلزمةً وجودَ الباطل كانت باطلةً.
فإن قيل
(2)
: اختصاص ذلك المعنى بموارد ذلك اللفظ أن
(3)
لا يكون اللفظ مستعملًا في غير ذلك المعنى، أو كون اللفظ لا يُوجَد إلّا والمعنى العام معه، وإذا كان عدميًّا لم يجز أن يُجعَل جزءًا من المقتضي لوجوهٍ:
أحدها: أن الأمر العدمي لا يجوز أن يكون علةً ولا جزءًا من العلة، وإلّا لجاز إسنادُ الحوادث إلى أمور عدميّة، حتى لا تكون دالَّةً على وجود الصانع، وهو مع كونه خلافَ إجماع الأمم معلومُ الفسادِ بالضرورةِ.
الثاني: أن وجود ذلك المعنى العام في غير موارد لفظ حيوان وإنسان مع كون ذلك المعنى حقيقة اللفظ، كما منع كون معنى الجسم والنامي حقيقة لفظ حيوان وإنسان، لأن حقيقة اللفظ لا بدَّ أن تكون موجودةً حيثُ ما وُجِد اللفظ، هذا موجب اللفظ ومقتضاه، فلما وُجِدَ ذلك المعنى بدون اللفظ دلَّ على أنه ليس بحقيقة. وصار هذا مثل النقض في الحدود والأدلة والعلل والشروط والقضايا الكلية، فإن النقض يُفسد الحدَّ بالاتفاق، وإن كان في إفساده للعلة خلاف، وكون اللفظ حقيقةً في كذا هو من باب الحدود
(1)
كذا الأصل.
(2)
جوابه في الصفحة التالية.
(3)
الأصل: «اذ» .
اللفظية، لأن الحدَّ تارةً يكون بحسب الاسم، وتارةً يكون بحسب الوصف، فالحدُّ بحسب الاسم أن يضع اللفظ فيقول: ما حدُّ هذا اللفظ؟ أي ما هو المعنى الذي هو مقصود هذا اللفظ ومرادهُ؟ وذلك لا بدَّ أن يساويه في العموم والخصوص، وإذا كان وجود المعنى بدون اللفظ نقضًا ومانعًا يجب على المستدلِّ الاحترازُ عنه، لأنَّ تكليفَه ذلك يُفضِي إلى شططٍ عظيم ومشقة شديدة، لاحتياجه إلى بيان عدم النقض في كل صورة، فيكون ذلك من وظيفة المعترض، لأن غرضه [ق 134] يَحصُل بالنقض في صورة واحدةٍ.
الثالث: أن المعنى في صور الاستعمال يقتضي كونَه حقيقةً، وعدم وجوده مع وجود الاستعمال يقتضي كونه ليس بحقيقة، فيكون هذا معارضًا، وذكر المعارض إنما يجب على المعترض. وهذا الوجه قريبٌ من الذي قبله.
فيقال
(1)
: الجواب من وجوه:
أحدها: أنّا لا نسلِّم أن اختصاص المعنى العام بموارد الاستعمال أمر عدمي، وذلك أن معناه أن معنى ذلك المعنى مستلزم لموارد استعمال اللفظ، كما أنه إذا وجدت موارد استعمال اللفظ فلا بدَّ من وجود المعنى، وهذا هو التلازم بعينه، مثل تلازم الحدّ والمحدود، والعلة المعينة والمعلول، ونحو ذلك. وهذا أمر وجودي، بل لا فرق بين عموم المعنى موارد استعمال اللفظ وعموم اللفظ موارد المعنى ومواضعه، بل استعمالُ العموم في اللفظ أكثر من استعمال العموم في المعنى، حتى اتفق الناس على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقةً، واختلفوا في كونه من عوارض
(1)
جواب «فإن قيل» .
المعاني. فلو جاز أن يُدَّعَى أن عموم اللفظ لموارد المعنى عدميٌّ
(1)
جاز أن يُدَّعى أن عموم المعنى لموارد اللفظ عدمي.
ثم الذي يدلُّ على أنه وجودي أن نقيضه
(2)
لا عموم ولا خصوص ولا لزوم ولا وجود كما بيَّناه، وهذه المشتقات كلها عدمية، بدليل جواز وصف المستحيل بها، وصفةُ المستحيل لا يجوز أن تكون وجوديةً، للزوم اجتماع النقيضين، ولامتناع وجود الممتنع، وإذا كان أحد النقيضين عدميًّا كان الآخر وجوديًّا.
وأما ما ذكره من كون معناه أن ذلك المعنى لا يُفهَم في غير موارد اللفظ أو لا يكون اللفظ مستعملًا في غير ذلك المعنى، فإن هذه المعاني لازمة وتابعة للأمر الوجودي الذي هو وجود اللفظ حيث يوجد المعنى، كما أن كون المعنى العام يتخلف عن موارد اللفظ وكون اللفظ لا يكون موجودًا بدون المعنى العام أمر عدمي، لكنه لازم عن الأمر الوجودي الذي [هو] عموم المعنى موارد الاستعمال. وهذا شأن كل متلازمين، فإن وجود كلٍّ منهما مستلزمٌ لوجود الآخر، وانتفاؤه محقِّقٌ لانتفائه.
ولا يقال: إن التلازم أمر عدميٌّ، بل هو وجوديٌّ مستلزمٌ لعدميّ، واستلزامه للعدم لا يوجب أن يُجعَلَ هو العدم، ولا يجعل العدم جزءًا من حقيقة، وإلّا لتوقَّف فهمُ الحقيقة على فهم كونِه ضِدًّا لكلِّ ضِدٍّ، وهو مُبطل، ولكان عدمُ كلٍّ من الضدين جزءًا من حقيقة الضدِّ الآخر، ووجود الحقيقة
(1)
الأصل: «عدميًّا» .
(2)
الأصل: «تقضيه» ، ولعل الصواب ما أثبتناه.
متوقفٌ على وجود أجزائها، فيكون وجودُ [ق 135] كلٍّ منهما متوقفًا
(1)
على عدم الآخر، بمعنى أن يكون عدمُه علةً وسببًا لوجوده، أو مقوِّمًا ومحققًا لوجودِه، لأنّ أجزاء الحقيقة هي كذلك، والعلة والمقوَّم
(2)
متقدم على المعلول المقوّم تقدُّمًا
(3)
ذاتيًّا، فيكون عدمُ كلّ منهما متقدمًا على الآخر تقدّمًا ذاتيًا، ومعلومٌ أن وجود أحدهما مؤثر في عدم الآخر إمّا تأثيرًا ذاتيًّا، أو بجَرَيانِ العادة، فيكون وجودُه متقدمًا على عدم الآخر، فلو كان وجوده متوقّفًا على عدم الآخر توقُّفَ المعلولِ على العلّة لزمَ الدور.
وأيضًا فلو كان عدمُ الضدِّ جزءًا من وجودِ ضدّه لكان عدم الممتنعات جزءًا من الوجود الواجب، وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
وأيضًا فلو كان عدم الضدّ جزءًا من الضدّ الآخر، وكلّ حقيقة فلها ضدّ، لكان العدم جزءًا من علَّةِ كلِّ موجود.
والمعترض فرَّ من بعض هذه المحاذير، فكيف يلتزمُها كلَّها، وهذا ظاهر، فتبيَّنَ بهذا أن عمومَ المعنى مواردَ اللفظ وعموم اللفظ مواردَ المعنى ليس واحدٌ منهما
(4)
عدميًّا. وهذا إنما أوضحناه لأن بعض هؤلاء الجدليين ادَّعى ذلك.
الجواب الثاني: لو سلَّمنا أنه عدميٌّ فلا فرقَ بينه وبين عموم المعنى موارد اللفظ، والعلم بذلك ينتهي عند تصوره، فما لزمَ في أحدهما لزمَ في الآخر.
(1)
الأصل: «متوقف» .
(2)
الأصل: «والقوم» .
(3)
الأصل: «تقدم» .
(4)
الأصل: «منها» .