الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واعلم أن المعنى المرادَ من اللفظ لا بدَّ أن يكون جائزَ الإرادة؛ لأنه لو [لم] يكن جائزَ الإرادة لكان ممتنع الإرادة، والممتنع غيرُ واقع، فلا يكون مرادًا، وهذا ظاهر كما ذكره.
لكن لفظ «إلَّا وأن يكون» ليس بلفظٍ جَيِّد، وكان حقُّه أن يقول:«إلَّا ويكون» ، أو:«إلا أن يكون» ، كما يعرفه أهلُ العربيَّة.
وقوله: «والمعنى من جواز الإرادة أنه لو ذكر وأراد ما أراد لا يُخَطَّأ لغةً» .
وهذا في كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام أهل العلم الذين يَنْتَحونَ في كلامهم نحوَ اللغةِ العربية، وإلَّا فكلامُ العامة في العقود والأيْمان ونحو ذلك يكون المعنى جائز الإرادة منه مع تَخْطِئتهم لغةً.
واعلم أنَّ هذا التفسير قد يتوجَّه، وقد يُناقَشُ صاحِبُه بأن يقال: دلالةُ اللفظِ على المعنى يكون باعتبار الحقائق الثلاث: اللغوية والشرعية والعرفية، فلو ذكر اللفظَ وأرادَ [ق 250] ما يدلُّ عليه بطريق الحقيقة الشرعية أو العرفية
(1)
لخُطِّئ لغةً، إلَّا أنَّه قد يقول: الحقيقةُ الشرعية والعرفية لغةٌ أيضًا. ويَرِدُ عليه ــ أيضًا ــ أن المعاني التي تستحيل من الشارع أن يريدها بكلامه مع صلاح اللفظ لها معاني لو ذكر اللفظ وإن بدت منه لم يُخَطَّأ المريد لغةً، وهو
(2)
مخطئ الإرادة إما عقلًا أو شرعًا.
و
جميعُ وجوه الخطأ منفيةٌ عن الشارع
، فلا يكون جائز الإرادة، وهذا
(1)
الأصل: «العربية» !
(2)
الأصل: «وهي» !
كما لو قال الرجل: بيعُ الكعبةِ جائز، مِن قوله:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]؛ لأنه لو ذكر اللفظ وأرادَ هذا المعنى لم يُخَطَّأ لغةً، وكذلك نَهْيُه صلى الله عليه وسلم أن يَسْقي الرجلُ ماءَه زَرْعَ غيرِه
(1)
، لو
(2)
أرادَ به الزرعَ الذي في التراب= لم يُخَطَّأ لغةً، وإرادَتُه من الشارع محالٌ قطعًا.
واعلم ــ أصلحك الله ــ أن وجوه الأدلة السمعية معروفة قد ذكرها الناسُ قديمًا وحديثًا، وقد يتفرَّد هؤلاء ــ أهلُ الجدلِ المُمَوَّه من الخراسانيين ــ بقولهم:«جواز الإرادة يقتضي الإرادة» ، وخرجوا في ذلك عما عليه أهل الأصول والفقه، وأهلُ الجدل المتقدِّمون منهم ومن غيرهم، والمتأخِّرون من العراقيين وغيرهم، وما عليه أهلُ الخلاف في جميع الأعصار والأمصار، إلا من سلك سبيلَهم، فإنَّ هؤلاء لم يُعرِّجُوا على هذا الكلام ولم يلتفتوا إليه، ولم يستدلّوا في شيءٍ من كلامهم وكتبهم بمثل هذا الدليل، ولو ذكر ذلكَ أحدٌ لتَجافَوْه وطعنوا عليه ولم يلتفتوا إليه.
وقول المصنف: «يقال في الخلافيات: جوازُ الإرادة مما
(3)
يوجب
(1)
الأصل: «ما زَرَعَ غيرُه» !، ولفظ الحديث: «لا يحل لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسْقي ماءَه زَرْعَ غيره
…
» أخرجه أحمد: (28/ 119 رقم 16990 و 16997)، وأبو داود رقم (2158)، والترمذي رقم (1131)، وابن حبان «الإحسان» رقم (4850)، والبيهقي:(7/ 449) وغيرهم من حديث رُويفع الأنصاري رضي الله عنه.
قال الترمذي: «حديث حسن» . وصححه ابن حبان.
ويشهد له حديث ابن عباس عند أحمد رقم (2318)، والحاكم:(2/ 137) وصحَّحه.
(2)
الأصل: «أو» ، والمثبت الصواب.
(3)
الأصل: «ما» ، وسبق تصويبها (ص 444).
الإرادة».
يعني به: خلافيات أهلِ الجدل المُمَوَّه، وإلا فالخلافيات المشهورة عند كلِّ الطوائف لا يلتفتون فيها إلى هذا الكلام.
ونحن نذكرُ ما احتجُّوا به على هذه القاعدة ونُبيِّنُ تزييفَه، ثم ندلّ على فسادها. وقد احتجَّ لها هذا المصنِّف بشيئين:
أحدهما: أنه دار ظنُّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي المواضع التي أريدت [و] في ظنِّنا إرادتها وهي جائزةُ الإرادة، مما لا تنحصر كثرةً، وأما عدمًا ففي المواضع التي لم تُرَد ولم يُظَن إرادتها، وهي غير جائزِة الإرادةِ، وذلك أيضًا مما لا ينحصر، ودوران الأمر مع الشيءِ وجودًا وعدمًا يدلُّ على أنَّ المدارَ عليه الدائر.
وهذا المسلك ليس بشيء؛ لأنَّا لا نُسَلِّم دوران ظنّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا وعدمًا؛ لأن معنى الدوران: أن يوجد الدائر في كلِّ صورة من صُوَر وجود المدار [ق 251]، أو في كلِّ صورة تحقَّقْنا وجودَ المدار فيها، وفي صورٍ متعدِّدة، مع عدم تخلُّف الدائر في مواضع لم يكن قد دارَ معه وجودًا
(1)
.
ومعلومٌ أنَّ الصور التي تخلَّف
(2)
فيها ظنّ الإرادة عن جواز الإرادة أضعاف أضعاف الصور التي اقترنَ فيها ظنُّ الإرادة بجواز الإرادة، وذلك لأن كلَّ لفظٍ فإنه يجوز أن يُرادَ به كلُّ واحدٍ من مَجازاته، بمعنى أنه لو أُرِيْدَ
(1)
لعل في الكلام نقصًا.
(2)
الأصل: «تختلف» ، ولعل الصواب ما أثبت.
منه لم يكن خطأً. ومعلومٌ أن مجازات الألفاظ أضعاف الحقائق، فإنَّ الاستعارة والتشبيه والتعريض والكناية والإضمار والتقديم والتأخير لا يكادُ يُحصى، وإنما يُرَاد في الغالب إما الحقيقة أو واحدٌ من مجازاتها، فَعُلِمَ أنَّ المعاني التي تجوز إرادتها ولم تُرَد أكثر من المعاني التي أُرِيدت.
وكذلك الألفاظُ المشتركة والمنقولة والمغيَّرة
(1)
شرعًا نقلًا وتغييرًا شرعيَّين أو عُرْفيَّين إنما يريد بها المتكلِّم في الغالب أحدَ المعنيين، مع أن المعاني الأُخَر جائزة
(2)
الإرادة ولم تُرَد.
وكذلك أسماء الأجناس التي هي الغالبة على اللغات كثيرًا ما يُراد بها تعريف ماهيتها
(3)
فتكون سائرُ الصور جائزة الإرادة ولم تُرَدْ.
وكذلك كلُّ عامٍّ مخصوص ومطلق قد قُيِّد، فإن المواضع التي لم ترد منه جائزة الإرادة ولم تُرَد.
وكذلك ــ أيضًا ــ الألفاظ الكُلية يجوز أن يُراد بها في الإثبات خبرًا وطلبًا كلُّ فرد من أفرادها، ومعلومٌ أن تلك الأفراد لم يُرَدْ منها إلا واحد، أو لم يُرَدْ منها شيء؛ بل
(4)
أريدت الحقيقة
(5)
من حيث هي هي.
وهذا بابٌ واسع فمن تأمَّل كلَّ لفظٍ في كلام متكلِّمٍ رأى أنه يجوز أن
(1)
غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبت.
(2)
الأصل: «جائز» .
(3)
كلمة غير مقروءة، ولعلها ما أثبتّ.
(4)
الأصل: «بلى» .
(5)
تحتمل: «حقيقة» .
يُراد به من المعاني ما شاء الله، والمتكلِّم لم يُرِد إلا واحدًا من تلك المعاني، فكيف يقال:«دارَ ظنُّ الإرادة مع جواز الإرادة وجودًا» ، وتخلُّفُ الظنِّ عن هذا الجواز أكثرُ من وجودِهِ معه؟!
فإن قال: إنما أُريد بالدوران وجوده معه في عدة صور.
قلنا: لا نُسَلِّم أن الدوران بهذا التفسير فقط يفيد شيئًا، وإنما يفيده التفسير الذي تقدَّم.
وقد يقال أيضًا: لم يَدُر عدم ظن الإرادة مع عدم جواز الإرادة عدمًا؛ لأن كثيرًا من الناس يظنون إرادة ما لا تجوز إرادته، لعدم علمهم بدلالات الألفاظ وبجواز ما يجوز أن يكون مرادًا، لكن هذا مكبوت مغلوب بالنسبة إلى نقيضه.
الوجه الثاني
(1)
: لا نُسَلِّم أنه دار ظن الإرادة مع جواز [ق 252] الإرادة في شيءٍ من الصور؛ لأنَّ دوران الظن معه.
أمَّا إذا رأينا الشيء جائز الإرادة ظنَّنا أنه مراد، أو حصل ظنُّنا بأنه مراد، وإذا رأينا غير جائز الإرادة انتفى ظنُّنا بإرادته، والمرجعُ في هذا إلى ما يجده الناس، ونحنُ إذا اعتقدنا أنَّ هذا الشيء جائز الإرادة فقط، من غير ضميمة أخرى؛ لم يَبْنِ ذلك لنا ظنًّا، ولم يَقْتَضِ لنا رأيًا، ولا يوجب لنا اعتقادًا.
ومن ادَّعى أنَّ ظنَّه بوقوع الإرادة يحصل عنه اعتقاده، لأن الشيءَ جائزُ الإرادة= فقد ادَّعى على العقول خلاف ما جَبَلها الله عليه، على أنَّا لا نجد
(1)
من الرد على صاحب «الفصول» ، والوجه الأول هو المذكور (ص 473) من قوله: «وهذا المسلك ليس بشيءٍ
…
».
ذلك، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها.
ولو ثبتَ له حصولُ الإرادة [لحصول]
(1)
الظن عند جواز الإرادة لاستغنى عنه إثباته بالدوران، ولو أنَّه قال: حصول الإرادة دار مع جواز الإرادة لكان أجود.
وإن قال: إنما أُرِيْد الظن حَصَل مقارنًا لجواز الإرادة في كثيرٍ من الصور، ولا أدَّعِي أنه هو الموجب للظن.
قلنا: هذا القدر غير موجب؛ لأن الجواز هو المقتضي للظنِّ، وأنه هو دليلُه ومقتضيه؛ لأن الاعتقادات الحاصلة في النفس عن أدلةٍ إنما تحصل بعد شعور النفس بتلك الأدلة، والظن الحاصل
(2)
بالإرادة حاصل مع أن الشعور بجواز الإرادة وحده غير حاصل.
الثالث: أن يقال: الدوران إنما يفيد العِليَّة إذا لم يزاحم المدارَ مدارٌ آخر، وهنا قد زاحمه مدارات أُخر، فإنَّ ظن الإرادة قد دار مع كونه معنى اللفظ، أي هو الذي ينبغي للمتكلم أن يُعَيِّنه بلفظه، ودار مع كونه حقيقة اللفظ، ودار مع كونه دلَّ الدليلُ على إرادته، ودار مع كونه يجب إرادته، ودار مع كون اللفظ دالًّا عليه، فإنه ما من معنًى من هذه المعاني إلا وُجِدَ الظنُّ معها في صورٍ كثيرة، وانتفى في صور كثيرة، فلماذا يجب أن يقال: المقتضي للظنِّ هو جواز الإرادة دون سائر هذه المعاني، ودون غيرها؟!
بل إذا أنصف العاقلُ وجدَ الظنَّ بالإرادة في كلِّ موضع له سبب
(1)
زيادة يستقيم بها السياق. أو تقدّر بكلمة نحوها.
(2)
الأصل: «الحاصلة» .
وموجب غير السبب الذي له في الموضع الآخر من غير أن يخطر بباله أن جواز الإرادة هو السبب، وكلُّ سبب من تلك الأسباب يدور الظنُّ معه وجودًا وعدمًا.
الرابع: أنَّ الظن الحاصل بإرادة معنى كلّ كلمةٍ يدورُ مع أسبابٍ خاصةٍ بتلك الكلمة، فالظنُّ الحاصل بإرادة الأمر [ق 253] دار مع صيغة «افْعَل» المجرَّدة، أو ما يقوم مقامها وجودًا وعدمًا، والظنُّ الحاصل بإرادة كلِّ المُسَمَّيات من الليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والسماء والأرض، دارَ مع الصِّيَغ المخصوصة الموضوعة لهذه المعاني على وجهٍ يَطَّرِدُ في كلِّ موارده، وينعكس في غير موارده.
فإن قيل: القَدْر المشترك ــ وهو ظنُّ الإرادة ــ دار مع القدر المشترك ــ وهو جواز الإرادة ــ فيكون مطلق الظنِّ ناشئًا عن مطلق الجواز.
قلتُ: هذا ممنوع ــ كما تقدَّم بيانُه ــ بل ظنُّ إرادة كلِّ معنى دارت
(1)
مع أسبابٍ خاصةٍ به من وضع اللفظ ومعرفة
(2)
دلالته، وتلك الأسباب تستلزمُ كونَ المعنى جائز الإرادة، كما أنَّ كلَّ واحد من شبع [زيد]
(3)
وشبع عمرو دار مع قدرٍ مخصوصٍ من الأكل يختصُّ به، فلو قيل: إنَّ مسمَّى الأكل يقتضي مُسَمَّى الشبع، لأنه هو القدر المشترك= كان غلطًا، وإنما القَدْر المشترك الأكل المُشْبِع، أو أكل الكفاية، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وذلك يستلزم حركةَ فَكِّه عند الأكل، أو حصول الطعام
(1)
كذا ولعل الصواب: «دار» .
(2)
الأصل: «ومعرفته» .
(3)
سقطت من النسخة.
في معدته، وإن لم يكن ذلك وحدَه كافيًا في حصول الشبع، لكن هو لازمٌ من لوازم الشبع.
المسلك الثاني
(1)
: قولهم: «إذا كان جائز الإرادة يكون مرادًا، لأنه لو لم يكن مرادًا فلا يخلو إما أن كان
(2)
غيره مرادًا، أو لم يكن مرادًا، فإن لم يكن مرادًا يلزم تعطيلُ النصِّ، وإن كان مرادًا ولم يكن جائز الإرادة لزم إرادة ما لا يجوز إرادته، وإن كان غيره مرادًا وهو جائز الإرادة يلزم اختلال الفهم، فقد خرج الانقسام بين كونه مرادًا وبين عدم كونه مرادًا».
والاعتراضُ عليه أن يقال: لا نُسَلِّم أنَّ غيره إذا كان مرادًا ــ وهو جائز الإرادة ــ يلزم اختلال الفهم، ولم يذكر على ذلك دليلًا، ولا شكَّ أن هذا باطل؛ لأن الاختلال إنما يلزم إذا لم يكن لكلِّ لفظٍ صيغةٌ مخصوصةٌ تدلُّ على المراد الأصليّ من غيره.
فإن أكثر ما يقول: إن المعنيين إذا كان كلُّ منهما جائز الإرادة وقد أُريدَ أحدُهما دون الآخر لزم اختلال الفهم بفهم المعنى الذي ليس بمراد، فوجب أن لا يكون جائز الإرادة إلَّا مرادًا.
قلنا: إنما يلزم اختلال الفهم [عند] من اعتقد أن مجرَّد جواز الإرادة يقتضي الإرادة بالمفسدة الناشئة من اعتقاد هذا الاعتقاد، مع كونه غير مطابق يلزم
(3)
إثبات أيّ حقيقةٍ شاء الإنسان بالمفسدة [ق 254] الناشئة من اعتقادها
(1)
المسلك الأول مضى (ص 448).
(2)
كذا، ومثله في «الفصول» ، وتقدم هناك (ص 445) بلفظ «يكون» .
(3)
تحتمل: «للزم» .
بتقدير عدمها، وحينئذٍ فتكون الحقائق تابعة للعقائد حتى يُحكم بثبوت كلِّ مُعْتَقد خشيةَ فسادِ الاعتقاد، وهذا أحد أنواع السَّفْسَطة.
الثاني
(1)
: نقول: إذا كان غيره مرادًا فلابدَّ أن يدلَّ دليلٌ على إرادته، إما كونه حقيقة اللفظ وقد تجرَّدَ عن القرائن، أو كونه مجاز اللفظ الذي اقترنَ به ما يقتضي إرادة مجازِه، أو كونه فردًا من أفراد حقيقته، أو كونه أحد معنَيَي اللفظ المشترك الذي دلَّ دليل على أنَّه هو المراد، أو على أنّ الآخر ليس بمراد. واستقراءُ اللغات يدلُّ على أنَّ كلَّ متكلَّم قَصَدَ الإفهام إنَّما يُعْلم مراده بأمر زائد على مجرَّد جواز الإرادة، وعلى التقدير فلا اختلال للفهم.
الثالث: تدَّعِي أنَّ كل ما جاز إرادته فإنه لابدَّ أن يكون مرادًا، أو تدعي أن الأصل فيه أن يكون مرادًا، فإن ادَّعيت الأول ففساده معلوم بالاضطرار، وإن ادَّعيت الثاني فقد سلَّمْتَ تخلُّف الإرادة عن جواز الإرادة في مواضع.
فنقول: تلك المواضع التي كان المعنى [فيها] جائزَ الإرادة ولم يُرَد لابد أن يكون قد اقترن بالمعنى الآخر المراد ما دلَّ على أنه هو المراد، ونحن
…
(2)
كلَّ الألفاظ من هذا القسم فيُعْلَم المراد بما هو دليلٌ عليه في كلِّ موضع بحسبه.
الرابع: إذا كان جائز الإرادة، فإن دلَّ دليلٌ على أنه مراد فلا كلامَ فيه، وإن لم يدلَّ دليلٌ سوى كونه جائز الإرادة، فإنه يجوز أن يكون مرادًا، ويجوز أن لا يكون مرادًا، وإلَّا لوجَبَ التلازم بين جواز الإرادة ووجودها في جميع
(1)
في الرد على صاحب «الفصول» في مسلكه الثاني (ص 453) وتقدم الوجه الأول هناك بقوله: «والاعتراض عليه أن يقال
…
».
(2)
كلمة لم أتبينها، لعلها:«ثبوت» أو نحوها.
المواضع، وهو خلافُ إجماع العقلاء. فنقول حينئذٍ: هذا المعنى جائز عدم الإرادة، فلا يخلو إما أن يكون مرادًا، أو لا يكون، فإن لم يكن مرادًا بطل الاستدلال، وإن كان مرادًا لزم إرادة ما يجوز أن يكون مرادًا، ويجوز أن لا يكون مرادًا من غير دليل يُبَيِّن رُجْحان أحدهما، وذلك تكلُّمٌ بما لا يُفهم، وتكليفٌ لما لا يُطاق، ونَصْب دليل لا دِلالَة فيه.
وإن قالوا: إرادة المعنى راجحة.
قلنا: عدم إرادته راجحة
(1)
لإعضادها بالأصل، بل نقول: إذا جاز أن يكون مرادًا وجاز أن لا يكون مرادًا، كان ترجيحُ أحدِهما على الآخر لغير مرجِّحٍ باطلًا، فالواجب التوقُّف عن الجزم بأحدِهما حتى يأتي ما يرجِّحُه.
فإن قالوا: هو ثابت الإرادة إلا
(2)
عند وجود مُعَارِض.
قلنا: بل هو غير مرادٍ إلا عند وجودِ ما يدلُّ على الإرادة، ولا شك أن نسبة عدم الحكم إلى عدم مُقْتَضِيه أولى من نِسْبَته إلى وجودِ مانعٍ منه، لما في الثاني من التعارض بين [ق 255] المقتضي والمانع.
ولهم مسلك ثالث
(3)
: وهو أنه لابدَّ أن يُرَاد باللفظ ما هو جائز الإرادة؛ لأنه إذا عدم ذلك فإما أن لا يُراد معنى، أو يراد ما لا يجوز إرادته، وكلاهما ممتنع، فثبتَ أنَّ إرادةَ المعنى الجائزةِ إرادتُه واجبة، وهي تدفع عن اللفظ
(1)
كذا، والصواب:«راجح» ولا يقال: إن التأنيث للمضاف إليه، فإن المعنى يفسد حينئذٍ وهو أن تكون الإرادة راجحة. والمطلوب أن عدم الإرادة راجح.
(2)
تحتمل: «لا» .
(3)
تقدم المسلك الأول (ص 448)، والمسلك الثاني (ص 453) وذانك المسلكان نصَّ عليهما صاحب «الفصول» ، وهذا والذي يليه لم ينص عليهما.
هذين الفسادين، فحينئذٍ إذا فرض معنًى جائزُ الإرادة كان المقتضي لإرادته قائمًا، وإن لم يدل على عينه، فإن المقتضي للحكم يعمل علمَه، وأيُّ
(1)
محلٍّ وُجِد، وإنما التعيينُ بمنزلة الطُّرُق التي كل منها محصِّل للغرض، فلا يضر أيُّها سُلِك. فإذا أُريدَ منه هذا المعنى حصل الغرضُ المطلوبُ مما يقتضيه نفس استعمال اللفظ، فيكون المقتضي للإرادة ثابتًا.
وهذا المسلك أيضًا ليسَ بشيءٍ؛ لأن وجودَ معنى جائز الإرادة لابد منه، وتعيّنه بهذا المعنى إذ هذا المعنى
(2)
إنّما يكونُ طريقًا إذا لم تكن فيه مفسدة، وهذا فيه مفسدة، وهو التعرض بحمل اللفظ على ما لم يُرَد به.
وأيضًا: فهذا إنما يقتضي أنَّ هناك معنًى ما جائز الإرادة، فإذا أبدى الخصمُ معنًى من المعاني جائز الإرادة اندفع الحاجة إلى ذلك المعيّن؛ لأن المقتضي يقتضي معنًى ما جائز الإرادة، فإذا حصلت المزاحمة لم يكن أحدُهما بأولى من الآخر، والمقتضي لا عمومَ له، وحينئذٍ فلا يمكن الاستدلال بهذه القاعدة؛ لأنه ما من لفظٍ إلا ويمكن الخصمَ أن يذكرَ فيه معنًى جائزَ الإرادة في نفس الأمر. فإنَّا نعلمُ أنَّ اللفظ له معنى جائزُ الإرادة، لكن اندفاع المفسدة ليس موقوفًا علينا
(3)
ولا على تَعْييننا.
ولهم مسلك رابع: وهو أنَّ مفسدة عدم الحمل أشد من مفسدة الحمل، إذ المعنى إذا كان مرادًا، فلم يعتقِدْه مرادًا لزم إبطال مقصود الشارع قطعًا، أما إذا لم يكن مرادًا واعتقدناه مرادًا فلا بدَّ أن نَحْمله على كلِّ جائز الإرادة،
(1)
كذا بالأصل، ولعلها:«بأيّ» .
(2)
كذا في الأصل.
(3)
تحتمل: «علمنا» .
وحنيئذٍ فنكون قد علمنا ببعض المقصود.
والدليلُ على أنَّ مجرَّد جواز الإرادة لا يقتضي حصولَ الإرادة وجوه:
أحدها: إما أن يقتضيه [في] كلِّ حال، أو في بعض الأحوال، فإن كان الأول لزم إرادة ما تجوز إرادته من كلِّ لفظ، وهو خلاف المعلوم بالاضطرار، وإن كان الثاني فلابدَّ أن يتميَّز الحال فيها الاقتضاء عن غيرها، وحينئذٍ فإما أن ينضمَّ إلى جواز الإرادة قَيْد عَدَمي، أو قَيْد وُجُودي، فإن كان الأوَّل بأن يقال: جواز الإرادة يقتضي الإرادة ما لم يعارضه بما يمنع الإرادة، أو ما لم يعارضه كونه مجازًا، كان النافي للمجاز أقوى من [ق 256] جواز الإرادة المقتضي لإرادة المجاز ونحو ذلك. أو قَيْد وجودي بأن يُقال: لابدَّ أن يستعمل اللفظ على وجهٍ يقتضي أن ذلك المعنى مرادٌ به، فإن كان الأول يلزم كون التعارض بين المقتضي والمانع، ولزم أن لا يفهم أحدٌ معنًى من لفظٍ حتى يَعْلَم انتفاءَ جميع الموانع، ويستشعر ذلك، ولزم أن تكون الأمور العدمية
(1)
أبعاضًا للأدلة والعلل، وهذا كلُّه خلاف الأصل إن لم نقل: هو ممتنع.
ثم نقول: حال اللفظ قبل وجود المانع إن كان مثله بعد وجودِه، لَزِم ترجيح الشيء على مِثْله، وإن كانت صفتُه الثبوتيَّة قبل وجودِ المانع أكمل منها بعد وجودِه، فهو القسم الثاني فَثَبت أنه
(2)
لا يفيد الإرادة إلَّا
(3)
بوصفٍ وجودي ينضمُّ إلى جواز الإرادة، فيكون مجموع ذلك هو المقتضي، فلا
(1)
تحتمل: «العدية» .
(2)
هكذا استظهرتها.
(3)
الأصل: «لا» !
يكون مجرَّد جواز الإرادة هو المقتضي.
فإن قيل: هذا يلزم في كون الأصل في الكلام هو الحقيقة، وأن الأصل في الأمر الإيجاب، والأصل في الصيغة العامة الشمول.
قيل: تلك المواضع قام الدليل [فيها] على أن تلك الأدلة عند تجرّدها تقتضي مدلولاتها، فكان ذلك راجحًا على ما ذكرناه هنا، بخلاف جواز الإرادة، فإنه لم يقم دليلٌ على اقتضائها الإرادة.
الثاني: أنه إذا كان جائز الإرادة فإما أن يتوقَّف وقوع إرادته على شيءٍ غير جوازها، أو لا يتوقَّف، فإن لم يتوقف لزمَ كون الشيء الجائز يترجَّح طرفُ وجودِه على طرف عدمه من غير مرجِّح زائد، وهو باطل، وإن توقَّف وقوع الإرادة على شيء زائد على جوازها كان المقتضي لوقوع الإرادة هو ذلك الشيء الزائد، فلا يكون جواز الإرادة موجبًا للإرادة، وهذا واضح.
الثالث: كون الجواز يقتضي الوجوب، أو يقتضي الوقوع، تعليقٌ على الشيء ما لا يقتضيه، وقلبٌ للحقائق، وذلك لأن أسباب الجواز تُخْرج الشيءَ من حَيِّز الامتناع فقط، أو من حَيِّز الامتناع والوجوب. وأسبابُ الوجوب تُخرج الشيءَ من حيِّز الإمكان والامتناع. وأسبابُ الوقوع تُخرج الشيءَ من حَيِّز العدم، فإذا حلَّ
(1)
بأنه يصير الشيءُ جائزًا جاعلًا له موجودًا أو واجبًا فقد صار الممكن واجبًا أو موجودًا، مع قَطْع النظر عن غير الإمكان، ومعلوم أنَّ هذا باطل.
الرابع: إذا جعلنا الشيءَ مرادًا لله ولرسوله بمجرَّد عِلْمنا بأنه يجوز أن
(1)
كذا بالأصل، ولعلها:«قال» .
يراد من اللفظ؛ فقد قلنا على الله ما لا نعلم، وقَفَونا ما [ق 257] ليس لنا به علم، وذلك حرامٌ بنصِّ القرآن، وذلك لأنَّ عِلْمنا بأنه جائز الإرادة علم بأنَّ المتكلِّم لو أراده لم يكن لاحنًا، أو لم يكن متكلِّمًا بغير العربية، أو علم بأنَّ المتكلّم له أن يريده، وإذا عَلِمنا أن الله ــ سبحانه ــ له أن يريد المعنى، أو له أن يشاء الفعل، ثم أخبرنا عنه بأنه قد شاءه، وأنه قد أراده من غير دليلٍ زائد، دلَّنا على أنه أراده، لا علمنا بأن له أن يريده، كُنَّا قد أخْبَرنا عنه بأكثر مما عَلِمْنا منه، والعلمُ به ضروري، وذلك قولٌ على الله ما لا نعلم.
الخامس: أن كونه جائز الإرادة إما أن يعنى به جائز الإرادة لغة، بمعنى أنَّ كلَّ عربيٍّ لو أراد ذلك المعنى من ذلك اللفظ لم يكن خارجًا عن لغته، أو جائز الإرادة من كلِّ وجهٍ، بمعنى أنَّ الله ورسوله إذا أراده لا يلزم منه محذور من مخالفة الأصول في قَلْب الحقائق، فإن عَنَى المعنى الأول فنحنُ نعلم باضطرار أنَّ مجرَّد كون العربي يجوز أن يريد المعنى من اللفظ لا يقتضي ذلك أنَّ الله ــ سبحانه وتعالى ــ ورسوله أراده، فإنَّ العربي من حيث هو كذلك يريد الحقَّ والباطلَ، والهوى والضلال، والكفر والإيمان، والله ورسوله منزَّهٌ عن ذلك، وإن أريد القسم الثاني
(1)
بطل قولهم، فإنهم لا يثبتون جواز الإرادة إلا لغةً.
(1)
رسمها في الأصل: «النافي» .