الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أكثر المتكلمين المنتسبين إلى السنة ينفونها، ويقولون: لا معنى لكون الشيء عالمًا قادرًا، إلّا نفس قيام العلم والقدرة به، وأما حالٌ يُوجِبُها له العلم والقدرة فكلَّا. وهؤلاء يُبطِلون ما يُدَّعَى في هذا الموضع من العلّة والمعلول، ويَردُّون ذلك إلى اعتبارات عقلية وأحكام ذهنية يتبعها الأسماء واللغات. فعلى قولِ هؤلاء فلا فرقَ بين قولنا: عِلْمِ الشيء وكونه عالمًا في الوجود الخارجي. وهذا القول أصوب.
وأما مَن يُثبِت الأحوال فيقولون: إن لفظ العلم والقدرة ونحوهما يدلُّ على الصفة وعلى الحال، وإذا أرادوا تمييز [ق 143] الحال قالوا: كون الشيء عالمًا وكونه قادرًا.
وعند نُفاةِ الصفات هذه الألفاظ تدلُّ على الحال بانفرادها.
فقد اتفقت الطوائف على أن
لفظ المصدر يدلُّ على تمام المقصود
، وهذا ظاهر، فإن الحال لازمةٌ للصفة لزومًا خارجيًّا وذهنيًّا، وليس للحال مقصودٌ زائدٌ على ثبوت الصفة. فواضعُ اللغة الحكيمُ أدرجَها في لفظةٍ. يُبيِّن ذلك أنه لو كانت الحال ثابتةً، ولا يدلُّ عليها لفظ المصدرِ لكانت اللغاتُ ــ خصوصًا اللغة الحكيمة ــ عاريةً عن الدلالة على هذه المعاني الكثيرة المحتاج إلى التعبير عنها، وذلك لا يجوز.
الثالث: أنه لو لم يدلّ المصدرُ على الحال لكان استعمالُه أولى، وذلك لأنّ المتكلم إن قصد الإثبات فإذا أثبتَ المصدرَ ثَبتت الحالُ، وإن قصد النفي فإذا نفى المصدرَ انتفت الحالُ. أما إذا استعمل هذه الألفاظ وقيل: إنها تدلُّ على الحال، فإذا أثبتها أثبت المصدر، أما إذا نفاها فقد لا ينتفي المصدر، لاعتقاد المتكلم أو المستمع أنه لا حقيقة لها في الخارج حتى
يلزمَ من انتفائها انتفاءُ الصفة.
مثال ذلك قول المصنّف: «ولئن منع العموميّة» ، فإن العموميّة إن كانت هي العموم فلا كلام، وإن قيل: هي حالٌ للَّفظِ أوجبَها العموم، فلفظ العموم يدلُّ عليها نفيًا وإثباتًا، وأما لفظها فلا يلزم من مَنْعِه مَنْعَ هذه الحالِ منعُ العمومِ، لجواز أن يعتقد أن هذه الحال لا حقيقةَ لها.
وأيضًا فقد يعتقد أن العمومية صفة ثابتة للعامّ، بخلاف العموم فإنه عارض، لأن مسمّى المصدر حدثٌ، فإذا منع الصفة الثابتة لم يلزم أن يمنع الصفة العارضة، فكان قولنا «منع العموم» أجود.
وعلى ما قلنا فالعموم يدلُّ على هذه الصفة، سواء كانت ثابتةً أو عارضةً في النفي والإثبات. هذه لغة العرب، وقول النحويين:«المصدر يدلُّ على الحدث أو الحدثان» توسُّعٌ في العبارة، لأن الغالب على مسمَّيات المصادر في أفعال الخلق أن تكون حادثة، وإلّا فقولنا:«علم الله، ويعلم، وهو عالم، وله علم» ليس في ذلك ما يدلُّ على حدوث صفةٍ أصلًا، وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك. وبالجملة فتسميتُها حدثًا وحدثانًا اصطلاحٌ نحوي لا وضعٌ لغوي.
الرابع: أن استعمال هذه الألفاظ التزامٌ لثبوت الحال، وفي ذلك ما فيه، أما استعمال لفظ المصدر فهو خلوصٌ عن هذا الالتزام، ولا حاجةَ بالمستعمل إلى التزامِ أمرٍ [ق 144] باطلٍ ومختلفٍ فيه من غير حاجةٍ ولا فائدة. بل لو قيل: عدمُ هذه الألفاظ دليلٌ على عدم معانيها التي يعتقدها مُثبِتُو الأحوال، إذ لو كانت ثابتةً لوجبَ أن لا تَعرَى أذهانُ جميع أهل اللغات عن إدراكها، وتنفرد به شرذمةٌ من المتكلمين. ولو أدركتْ أذهانُهم ذلك لوجبَ
أن تكون لها عبارةٌ عنها كسائر المعاني المشتركة بين الأمم إمّا مفرد أو مركَّبٌ، [و] لكان هذا أولى من التزامِ ثبوت الحال واستعمالِ هذه العبارات.
الخامس: أن الحال إن لم تكن ثابتةً فلا حاجةَ إلى هذه العبارات، وإن كانت ثابتةً فلا بدَّ أن تشتمل العبارات اللغوية على الدلالة عليها، خصوصًا كلام الله وكلام رسولِه وكلام العلماء والحكماء من أمته، فإنه لا يجوز أن يَعْرَى عمّا يبيِّنُ هذه الحقائق، وعلى التقديرين فلا حاجة إلى هذه الألفاظ الغريبة.
فهذا هو الجواب عن كون هذه الألفاظ تدلُّ على الأحوال. وأما قولهم: «تدلُّ على خصوص النسبة إلى الفاعل والمفعول» فإضافةُ المصدر إلى أحدهما يُغنِي عن ذلك، بأن يقول: عِلْم فلانٍ أو العِلْمُ بكذا، أو يقول: كون الشيء عالمًا أو كونه معلومًا.
واعلم أن من حكمة لغة العرب أن لا يُضيفوا هذه المصادر، ويُضيفوا المصادر التي للأسماء، أعني بالإضافة: النسبة بالتأنيث، وهو قولهم: الذكوريّة والعبودية، ولا يقولون: الضَّربيّة والقَتليّة والضاربيَّة والقاتليّة، وذلك لأن ذلك المصدر إنما أُخِذ من الاسم، فكأنه قيل: المعنى الذي به كان العبدُ عبدًا أو الذكر ذكرًا، أو المعنى الذي أوجبَه كونُه ذكرًا وكونُه عبدًا، وذلك المعنى الذي به صار العبد عبدًا هو مقتضٍ لكونِه عبدًا، والمعنى الذي أوجبه كونُه عبدًا هو معلولُ كونِه عبدًا، وكونُه عبدًا هو الحال والصفة المعبَّر عنه بالمصدر، فأُضِيف إلى هذا المعنى كلُّ ما
(1)
هو لازمٌ وكلّ ما هو تابعٌ له، إما بكونه مقتضيًا له أو بكونه إنما كان من أجله. أما الضرب والقتل فهما
(1)
الأصل، «كما» .
أصلٌ للفعل على الوجه المشهور، فلم يُنْطَق قَبْلهما باسم يشتقان منه، فلو أضيفا لأضيف الأصل إلى الفرع، وذلك لا يجوز، بخلاف المواضع التي نُطِقَ فيها بالاسم قبل المصدر. ألا ترى أن قولك:«ضارب» و «قاتل» إنما يَنطِق به من نَطقَ بقتل وضرب، وقولك:«عبد» و «رجل» ينطق به قبل الرجولية وقبل العبودية. وقولهم: «الخُصوصية» و «الخَصوصية» فهو ــ والله أعلم ــ ليس بمصدر، وإنما هو الصفة والحال التي أوجبها المصدر، فإن [ق 145] من خُصَّ بأشياءَ فلا بدّ أن تبقى له صفة أوجبها الخصوص.
السادس: أن هذه الألفاظ فيها تكلُّفٌ وتقعُّرٌ وتنطُّعٌ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنّ الله يُبغِض البليغَ من الرجال، الذي يتخلَّل بلسانِه كتخلُّل الباقرةِ بلسانها»
(1)
. وقال: «إنّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مجلسًا منّي يوم القيامةِ الثَّرثارون والمتفيهقون المتشدِّقون»
(2)
. وهي تُفضِي إلى اللَّدَد، وفي «الصحيحين»
(3)
عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبغضَ الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصِم» . وفي «صحيح مسلم»
(4)
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلَكَ المتنطِّعون» قالها ثلاثًا. وفي «الصحيحين»
(5)
عنه صلى الله عليه وسلم قال: «أهل النار كلُّ جعظريّ جَوَّاظٍ مستكبرٍ» .
(1)
أخرجه أحمد (6543، 6758) وأبو داود (5005) والترمذي (2853) عن عبد الله بن عمرو، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(2)
أخرجه أحمد (17732، 17743) وابن حبان (482، 5557) من حديث أبي ثعلبة الخشني، والترمذي (2018) عن جابر وقال: هذا حديث حسن غريب.
(3)
البخاري (2457) ومسلم (2668).
(4)
برقم (2670).
(5)
البخاري (6071) ومسلم (2853) عن حارثة بن وهب.
وهي خروجٌ عن البيان الذي امتنَّ الله بتعليمه حيث يقول: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1 - 4]، وتكلُّفٌ في المنطق الذي هو خاصَّة الإنسان التي انفصل بها عن سائر أنواع الحيوان، وتشبُّهٌ بالأعاجم فيما أحدثوه من الدندنة والطنطنة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبُّه بالأعاجم فيما أحدثوه من الهيئات
(1)
، فإن العجم مأمورون أن يتبعوا هَدْيَ العرب من الصحابة والتابعين، وكذلك متأخرو العرب مأمورون أن يتبعوا هَدْيَ الأولين كما قال:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} إلى آخر الآية [التوبة: 100]. فحَكَم بالرضَى لمن اتبعَ السابقين بإحسان. وقال صلى الله عليه وسلم لما صلَّى قاعدًا: «لا تُعظِّموني كما تُعظِّم الأعاجمُ بعضُها بعضًا»
(2)
، وقال في بعض ما أمر به:«لا تشبَّهوا بالأعاجم»
(3)
. وكتب عمر إلى العراق: «تَمعْدَدُوا واخْشَوشِنُوا وامْشُوا حُفَاةً وانتَعِلُوا وانْزُوا على الخيل نَزْوًا ولا تَشبَّهوا بالأعاجم»
(4)
.
وكذلك نهى عن التشبه بأهل الجاهلية فيما خالفوا فيه الإسلام، ونهى عن التشبه باليهود
(1)
انظر كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» للمؤلف، فقد فصَّل فيه الكلامَ في هذا الموضوع.
(2)
أخرجه أحمد (22181) وأبو داود (5230) عن أبي أمامة بلفظ: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يُعظِّم بعضُها بعضًا» إسناده ضعيف. وأخرج أحمد (15251) وابن خزيمة (1487) عن جابر، بلفظ:«لا تقوموا كما تقوم فارس لجبابرتها أو لملوكها» .
(3)
أخرجه البزار (5217) من حديث ابن عباس، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 160): فيه رشدين بن كريب، وهو ضعيف.
(4)
أخرجه ابن حبان «الإحسان» (5454) بنحوه، وأصله عند مسلم مختصرًا، وقال المصنف في «الاقتضاء» (1/ 278):«وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب» .
والنصارى في أشياءَ من هَدْيِهم ودَلِّهم وسَمْتِهم. وليس هذا موضع استقصاء القول في ذلك
(1)
.
فمن اتبعَ من العرب والعجم هَدْيَ الأولين دخلَ في زُمرتهم، فإنه مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم
(2)
، وحينئذٍ يكون العجم ممن قال فيه صلى الله عليه وسلم:«لو كان العلم ــ وفي لفظٍ: الدينُ ــ معلَّقًا بالثُّريا لتناولَه رجالٌ من أبناء فارس»
(3)
، فإنه إشارة إلى العلم الذي نعتَ الله به نبيَّه الذي بعثَه به، وإن خرجوا عن ذلك عادوا إلى الجاهلية جاهلية العرب.
ولا يَحقِرنَّ أحدٌ أمرَ اللسان، فإنه أمرٌ عظيم، ولهذا قرنَه عمر بالدين لمّا قال لابن عباس: قد كنتَ أنت وأبوك تُحِبُّون أن يكثر هؤلاء، يعني سَبْيَ المجوس، [ق 146] فقال: إن أمرتَنا قتلناهم، فقال: أبعدَ ما دخلوا في دينكم وتكلَّموا بلسانكم
(4)
! وقال عمر أيضًا رضي الله عنه: تعلَّموا الفرائضَ واللحنَ كما تَعلَّمون القرآن
(5)
. فأمر بتعليم لحن القرآن والفرائض كما أمرَ بتعليم القرآن. وقال عمر رضي الله عنه: «ما تكلَّم أحدٌ بالفارسية إلا خَبَّ ونَقَصَتْ مروءتُه»
(6)
. وهذا ــ والله أعلم ــ عربيٌّ يُريد أن يتكلم بها لغير حاجة، فما
(1)
فصَّل الكلامَ فيه المؤلف في كتابه العظيم «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» .
(2)
حديث أخرجه أحمد (5114)، وأبو داود (4031) عن ابن عمر.
(3)
أخرجه البخاري (4615) ومسلم (2546) عن أبي هريرة.
(4)
أخرجه البخاري رقم (3497) في قصة مقتل عمر رضي الله عنه.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 116) والدارمي رقم (2892) بسندٍ صحيح.
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة (9/ 11) بنحوه، وأورده المؤلف في «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/ 522) بهذا اللفظ.
أظنُّه [إلا] أراد ذلك، فإن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا عجمًا فُرسًا ورُوْمًا.
واعلم أن هذه العبارات لا عربية، لأن العرب لم تتكلم بها، ولا عجمية لأنها ليست من لغة العجم، فهي كلامُ عجميٍّ يُريدُ أن يتكلم بمثلِ كلام العرب، وحقيقٌ بالعجمِ الذين يريدون الدخول في عموم قولِه:«لو كان العلمُ معلَّقًا بالثريا لتناولته رجالٌ من أبناء فارس» أن يَصُونوا ألسنتَهم عن التفوُّه بالكلام المعجرفِ الذي أقلُّ منه أفضل منه، وأخصُّ منه أنفعُ منه، فقد قيل: إنه جاء فيهم آيتانِ من كتاب الله: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد: 38]، وقوله:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3]. وأن يعدلوا إلى العربية السمحة السهلة، المُسفِرة عن وجوهِ المعاني، الآخذة بأزِمَّة الحقائق، المبينة بين المشبَّهات بالفواصل المميِّزات، والجامعة بين المشتركات بالضوابط المعمَّمات، وأن يتكلَّموا بلغتهم التي نشأوا عليها. فأمّا إحداثُ لغةٍ ثالثةٍ فهو حدثٌ في الدين، وإذا ابتغى العجمُ اجتنابَ التكلف في الكلام فالعربُ أحرى بذلك وأخلقُ، لتيسُّرِ النطقِ عليهم بالعربية وبُعدِهم عن مسالك الشعوبية.
واعلم أنه وإن كان يقال: لا مُشَاحَّة في العبارات، فإن المقصود هو المعنى؛ فإن اللسان له موقعٌ من الدين، والعبارة المرضيَّة مندوبٌ إليها، كما أن التعمُّق منهيٌّ عنه. وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يُغيِّر كثيرًا من الأسماء أسماء الأشحاص والأمكنة وغير ذلك، وكانوا يَنهَون عن اللحن ويأمرون بإصلاح اللسان. فكيف في العبارات العلمية والمفاوضات الفقهية؟! لاسيما في