الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فصلٌ في الاستصحاب)
(1)
اعلم أنَّ استصحاب الحال اسمٌ عامٌّ جامع يدخل فيه أنواع كثيرة، وهو في الأصل نوعان:
أحدهما:
الاستصحاب في أعيان الأحكام
وأشخاصها وأنواعها، التي لا تختلف إلا بالعدد، بحيث يكون المشكوك في وجوده أمرًا شخصيًّا لا يُسْتَدل على ثبوته وانتفائه بالأدلة الشرعية، كما إذا تيقَّن طهارةَ هذا الثوب أو البدن، أو تيقَّن نجاسته، أو تيقَّن الحدث وشكَّ في الطهارة، أو ثبتَ أنَّ الملك لزيدٍ وأنَّ الدَّيْن على عمرو، وإبقاءُ ما كان على ما كان مما أجمعَ عليه العلماء، بل العقلاء كلُّهم، فإن أمور الدين والدنيا إنما تتمُّ بالتمسُّك بالاستصحاب، فإنَّ الإنسان يبعث مالَه في الطرقات، ويَرْكب البحار، ويُرْسِل إلى الأصدقاء الغائبين، ولولا التمسُّك بالاستصحاب لما جاز فِعْل شيء من ذلك؛ لأن جواز التغير ممكن
(2)
، نعم فقد تظهر أمارة تدلُّ على تغيُّر الحال، فقد اضطربَ الفقهاء هل يُقَدَّم الأصل أو الظاهر؟ لأن موارد الشريعة ومصادرها انقسمت في ذلك، وإن
(3)
كان ترجيح الظاهر أقرب في أكثر المواضع. والضابِطُ عندنا: أنَّ الظاهر إن كانت له دلالةٌ مضبوطة في الشرع كالبيِّنَة والإقرار ونحو ذلك قُدِّم على الاستصحاب، وهو براءة الذِّمَّة.
(1)
"الفصول": (ق/11 أ). وانظر: "شرح المؤلف": (ق/102 أ- 104 ب). و"شرح السمرقندي": (ق/78 ب- 79 ب)، و"شرح الخوارزمي":(ق/93 ب- 95 ب).
(2)
تحتمل: "يمكن". وفي سياق الكلام شيءٌ. ولعل صوابه: "لأن حصول التغيّر ممكن".
(3)
الأصل: "فإن".
واختلف الفقهاءُ في مواضع هل يُعْمَل فيها بالاستصحاب لكونه يتضمن يقينًا آخر، كذهاب مالكٍ إلى [أنَّ] من تيقَّنَ الطهارة وشكَّ في الحدث لا يدخل في الصلاة بطهارةٍ مشكوكة، وكذهابه في أبواب الطلاق إلى أشياء تُخالف البناءَ على الاستصحاب احتياطًا للأبْضاع. وربما تعارض استصحابان
(1)
، فيتردَّدُ الفقهاء [ق 314] في تقديم أحدهما، كما لو علَّق الطلاقَ على أمرٍ عدميٍّ بأن يقول: إن لم أفعل اليومَ كذا فهي طالقٌ، ويمضي اليوم ويشك في فعله، فبالنظر إلى أن الأصل عدم ذلك الفعل يقع الطلاق، وبالنظر إلى أن الأصل بقاء النكاح لا يزول بالشَّكِّ.
وكذلك لو قَدَّ
(2)
ملفوفًا في كساء، أو قَلَع عينًا، واختلفَ الجاني وولي المجنيِّ عليه في الحياة أو الصحة، فبالنظر إلى أن الذمة بريئة يُقَدَّم قولُ الجاني، وبالنظر إلى أن الأصل الحياة والصحة يُقدَّم قول وليِّ الجناية.
والمختار في هذه المواضع: تقديم الأصل الطارئ، فيُقدَّم قول وليِّ الجناية؛ لأن براءةَ الذمة زالَ حكمُه بحدوث الجناية، وبقاءُ الحياة لم يظهر بعده
(3)
أصل يغيّره.
وبالجملة؛ فالكلام في أنواع الأحكام التي لا تختلف آحادُها إلا بالشخص والعدد وظيفةُ الفقيه، والكلامُ في أعيانها وأشخاصها التي لا تعدُّدَ فيها وظيفةُ المفتي والحاكم. والعملُ باستصحابِ الحالِ في أنواع الأحكام وأعيانها متَّفَقٌ عليه بين العلماء.
(1)
الأصل: "استصحاب" ولعل الصواب ما أثبتّ.
(2)
أي: شَقَّه.
(3)
غير بيِّنة في الأصل، وهكذا قرأتها.
النوع الثاني: استصحاب الحال في أجناس الأحكام، وهو إيجاده دليلًا من أدلة الشرع التي يثبت بها التحليل أو التحريم، أو نفي الوجوب أو نفي التحريم، بحيث يمكن أن يقومَ دليلٌ شرعيٌّ على بقاء الحال الأول، أو على زوالها. وهذا النوع أقسام؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون استصحابًا لمدلولِ دليلٍ شرعيٍّ، أو استصحابًا لمدلول
(1)
دليلٍ عقليّ، والدليلُ الشرعيُّ إما النصُّ أو الإجماع.
الأول: استصحاب حكم الخطاب حتى يَرِد ما يغيره، مثل استصحاب حكم الأمر حتى يَرِد ما يدلُّ على أنه على الاستحباب
(2)
، واستصحاب حُكم العمومِ حتى يَرِد المخصِّص، واستصحاب الحُكم حتى يَرِد ما ينسخه، فهذا معمولٌ به عند جميع الفقهاء، وعامَّتُهُم لا يُدْخِلونَه في باب الاستصحاب، وإنما أدخله بعضُهم، وفي إدخاله نظر.
القسم الثاني: استصحاب حال الشرائع الماضية، فإنَّ عامَّة الفقهاء على أنَّ شرْع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد في شرعنا ما ينسخُه. ثم اختلف هؤلاء؛ فقيل: هو من باب استصحاب الحال، لأنَّا نَسْتَصْحِب حُكْم تلك الشرائع إلى أن يَرِد في شَرْعِنا ما يُغَيِّره، كما يُسْتَصْحَب حُكْم شرعنا حتى يَرِدَ الناسخُ.
وقيل: ليس من باب الاستصحاب؛ لأن تلك الأحكام إنما لزمنا اتباعها بشرع الله إياها لنا، وأمرنا باتباعها، فلم يكن مجرَّد شرعها في تلك الشرائع كافيًا في تَمَسُّكنا بها إلا بأمرٍ من الله لنا، وليس هذا باستصحابِ حالها، بل
(1)
الأصل: "استصحاب المدلول"!
(2)
الأصل: "الاستصحاب" والصواب ما أثبت.
هو تمسُّكٌ بشرعنا
(1)
، وهذا القول أصح.
القسم الثالث: استصحابُ حال الإجماع.
مثاله: أن يُقال في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: أجْمَعْنا على صِحَّة صلاتِه قبل رؤية الماء، والأصلُ بقاءُ ما كان على ما كان.
فهذا مما اختلفَ فيه الفقهاءُ قديمًا وحديثًا، فذهب خلائقُ منهم إلى أنه لا يُحتجُّ به؛ لأن الصورة التي أجمعوا عليها قد زالت، والتمسُّك باستصحاب حالِ دليلٍ مع عِلمِنا بزواله غيرُ جائز، كمن يستصحِبُ حالَ النهار بعد [ق 315] غروب الشمس.
ومقتضى قول هؤلاء: أنه لو دلَّ دليلٌ غير الإجماع من نصٍّ أو فعلٍ على حكمٍ في صورة لم يجب استصحاب حالِ ذلك الحكم بعد تغيُّر الصورة التي تناولها النص؛ لأنهم يمنعون من الاستصحابِ في كلِّ موضع عُلِمَ أن دليلَ الحال الأولى يختصُّ بها، ولا يشمل الحال في الزمن الثاني.
وذهبَ طوائف منهم إلى قبوله، ولعلَّ هذا هو الغالب على الأوَّلين من الأئمة، وإن كان القولُ الأوَّل محكيًّا عن جماهير الفقهاء، وذلك أنَّ الحكم إذا ثبتَ في محلٍّ فالأصلُ بقاؤه على ما كان عليه، سواءٌ فُرِض تناول الدليلِ له أو عدم تناوله؛ لأن بقاءه لا يستدعي إلا مجرَّد البقاء، أما زواله فيستدعي زوالَ الحال الأولى، وحدوث الحال التي تضادّها، وبقاء الحال الثانية، وما يتوقَّف على ثلاث مقدِّمات يكون مرجوحًا بالنسبة إلى ما يتوقَّف على مقدّمة واحدة، ولأن ظنَّ التغيُّر سيُعارَض بظنِّ التقرُّر، فيبقى ما يقتضي
(1)
تحتمل: "بشرعتنا".
استصحاب الحال الأولى سالمًا.
نعم، زعم بعضُ الناسِ أنَّ هذا تمسُّكٌ بالإجماع، وهذا غلط، وكذلك من اعتقد أن التمسُّكَ بالاستصحاب هو تمسُّكٌ بالدليل الدالِ على ثبوت الحال الأولى، فهو غالط؛ إذ لو علمنا دلالة الدليل على الحال الثانية لساوَتْ
(1)
الحال الأولى في الثبوت، وحينئذٍ يُسْتَغنى عن الاستصحاب.
ولا خلاف بين الفقهاء المعتبرين أنه آخر الأدلة، بحيث لا يجوز العملُ به إلَّا بعد الفَحْص التَّامِّ عن الدليلِ الناقِل المُغَيِّر، ثم قوَّتُه وضعفُه بحسب قوَّة الاعتقاد بعدم الناقلِ وضعفِه، فإن فُرِض القطعُ بعدمِ الناقل، وجبَ القطعُ بمضمون الاستصحاب.
وعند الفقهاء المعتبرين أن القياسَ الصحيحَ مُقَدَّمٌ على استصحاب الحال، وكذلك الظواهرُ كلُّها من العموم والأمر.
وأما أهلُ الظاهر فيقدِّمون الاستصحابَ على القياس، ومَفْزَعُهم في عامَّة ما ينفونه من الأحكام الاستصحابُ، كما أن مَفْزَع كثيرٍ من القياسيِّين الطرْدِيَّات والشُّبُهات.
القسم الرابع: استصحابُ حالِ دليلِ العقل، وهو ضربان:
أحدهما: من اعتقد أن الأعيان قبل الشرع على الإباحة أو التحريم، فقد اختلفوا في استصحاب حكمِ هذا الدليل بعد الشرع، وأكثرهم يستصحبونه، وكذلك من اعتقدَ وجوبَ أشياءَ بالعقلِ، فإنهم يستصحبون إيجابَها حتى
(1)
الأصل: "لتناوب".
يدلَّ الشرعُ على عدمِ ذلك، ولا يكاد يتأتَّى
(1)
عندهم.
الضرب الثاني: استصحابُ حال دليل العقل في براءة الذمم من التكاليف التي لا يدل عليها مجرَّد العقل، إما لكونه لا يستقلُّ بالإيجاب، كما هو قولُ جماهير أهل السنة، أو لأنه قصَّر عن دَرْك إيجابها، كما هو قول طوائف من الناس، وهذا كالاستدلال على نَفْي وجوبِ الوتر والأضحية ونحو ذلك، فهذا حُجَّة عند جماهير الفقهاء، حتى حكاه غيرُ واحدٍ إجماعًا من العلماء.
وذهبَ بعضُ الحنفية وبعضُ المتكلِّمين إلى أنه ليس بحجة [ق 316] وقالوا: هو تمسُّكٌ بالجهل، وقال بعضهم: هو حجة فيما بين العبد وبين الله، ولا يصح الاحتجاجُ به في المناظرات، والذي عليه الناسُ القولُ الأوَّل.
وهذه الأحكام المستصحبة من دليل العقل تُسَمَّى أحكامًا عقلية، وتُسَمَّى أحكامًا شرعية أيضًا؛ لأن الشرع قَرَّر ما عُلِم بالعقل فيها.
وقد يُسْتَدل على نفي الواجبات أو المحرمات بطريق آخر، بأن يُقال: الوجوب أو التحريم حُكْم شرعيٌّ ثبوتي، والأحكام الشرعية الثبوتية لا تثبت إلا بدليل شرعي، وليس على ذلك دليل شرعي؛ لأن الأدلة الشرعية منحصرة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس وتوابع ذلك، وكلُّها منتفٍ في هذه المسألة.
وهذه أيضًا طريقةٌ صحيحة، لكن مدارُ الأمرِ في هاتين الطريقتين على إمكان نفي الناقل المُغَيِّر، أو الموجِب والمحرِّم، فإن قطَعَ بعدمِهِ، كما يقطع
(1)
تحتمل: "يأتي".
بعدم ما يوجبُ شهرًا ثانيًا، وما يوجب صلاةً سادسة تُساوي الخمسَ، وما يوجب أكثرَ من الزكاة المفروضة، أو حجّ بيتٍ آخر= قَطَعْنا بعدمِ الوجوب. وإن كان مَدْرَك النفي ظنِّيًّا كان الظنُّ بحسب مَدْركه.
ويُبْنَى على هاتين الطريقتين: أنَّ النافي للحكم هل عليه دليل أم لا؟ والمسألةُ لفظية، والمشهورُ أنَّ عليه دليلًا كالمثْبِت؛ لأنه يمكنه التمسُّك باستصحاب الحال، أو بعدم الأدلة الموجبة.
وقيل: ليس عليه، بناءً على أنَّ الأصلَ عدمُ ما يُثبته، والأصل النَّافي ليس بدليل.
وقيل: عليه الدليل في العقليَّات دون الشرعيَّات؛ لأن الشرعيَّات لا يجوزُ ثبوتها إلا بدليل؛ لأن إثباتها من غير دليل تكليفٌ لما لا يُطاق، بخلاف العقليَّات، فإنه ليس في ثبوتها بغير دليل ضررٌ؛ لأنَّا لسنا مكلَّفين بنفي كلّ ما لا نعلم ثبوتَه من الأمور العقليَّة، وقد علمتَ بهذا التوجيه
(1)
أنَّ الخلاف لفظيٌّ.
ومما يتَّصل بذلك: جوازُ نفي الشيء لانتفاء دليل ثبوته، فزعم من لا يقول بالاستصحاب: أن هذا ليس بدليل؛ لأن مبناه على عدم العلم.
وذهبَ كثيرٌ من المتكلِّمين أن ما لم يقم عليه دليلٌ من الأمور الدينية يجبُ نفيُه؛ لأنَّ التكليفَ بدون الدليل مُحال، فَعَدَمُ دليلِ ثبوتِه دليلُ عدمِ ثبوتِه.
والذي عليه الفقهاء وعامة المحقِّقين: أن الأحكام الشرعية مثل
(1)
الأصل: "التوجه".
الإيجاب أو التحريم، يجبُ نفيها لانتفاء دليل ثبوتها؛ لما ذكرناه من طريقتي الاستصحاب، وامتناع ثبوت الحكم بدون دليل.
وأما الأمور الحقيقيَّة
(1)
مثل صفات الباري ونحو ذلك، فلا يجوز نفي شيءٍ منها، لعدم ما يدلُّ على ثبوته، لجواز أن يكون ثابتًا من غير دليل يدلنا على ثبوته، ولا يمتنع ذلك إذا لم نكن مكلَّفين باعتقاد ثبوته أو نفيه، وليس الأصلُ عدمَه حتى يُتَمَسَّك فيه بالأصل النافي، إذ ما وجبَ قِدَمُه امتنع عَدَمُه، ولأن التمسُّك بالاستصحاب في الاعتقادات ليس بجائز.
ومما يتعلَّق بالاستصحاب، أن الأمور على قسمين:
أحدهما: ما علمنا أنه كان معدومًا في الأزل، فهنا يجوز الاستدلال على بقاء عدمه باستصحاب الحال.
والثاني: ما لم يُعْلَم [ق 317] أنه كان معدومًا في الأزل، فهنا لا يجوزُ التمسُّك
(2)
بالأصلِ النافي واستصحابُه؛ لأن ما لا يُعْلَم عدمُه يجوز أنه كان موجودًا، ويجوز أنه كان معدومًا، ولا رُجحان لأحد الطرفين على الآخر. وبعضُ الناس قد يتمسَّك بالأصل النافي في نحو هذا، والصوابُ الأول، إلا إذا استدلَّ على نفي اعتقادنا ثبوتَه، وكان الغرض يحصل بذلك، فهنا يُقال: الأصلُ عدم علمنا بوجوده، ولم يقم ما يدلُّ على وجوده، فيجب استصحاب حال هذا العدم.
إذا عرفت استصحابَ الحال؛ فعبارةُ المناظر تختلف في صَوْغه،
(1)
كذا ولعلها: "العقدية"؛ لأن الكلام الآتي عليها.
(2)
بعده في الأصل: "هنا"، ولا مكان لها.
والاستدلال بعدم المُوجِب على عدم المُوْجَب يُلقَّبُ بـ"حَصرِ المدارك ونَفْيِها"
(1)
، ويخص الآخر بالاستصحاب، ومقصودهما واحد، ووجه الاستدلال به: أن الشيء متى تحقَّق أنه على حال، كان ظنُّ بقائه على تلك الحال راجحًا على ظنِّ زوالها، إذا قطَعْنا النظر عن العلمِ بما يوجب البقاء وما يوجب الزوال، لاسيما إذا كان أمرًا عدميًّا، فإنَّ بقاءَ عدمه لا يفتقر إلى شيء أصلًا، أما زوال عدمه بضدٍّ وجوديٍّ، فإنه يفتقر إلى إزالة ذلك العدم بإيجاد ذلك الأمر الوجوديّ، وإلى بقاء ذلك الأمر الوجودي، ومعلومٌ أن ما لا يَفْتَقر تحقُّقُه إلى شيء، فإنَّ تحقُّقَه راجح على ما يفتقر تحقُّقُه إلى سببٍ أو سببين.
قوله
(2)
: (وهو على نوعين: أحدهما: استصحاب الحال، كما يقال: كان، فيستمرّ. مثالُه في مسألة المنفرد: عدمُ وجوب الكفارة عليه في الماضي من الزمان، مما يوجبُ العدَم في هذا الزمان، أو في سائر الأزمان. أو يقال: العدم متحقِّق في أحد الزمانين، فوجبَ أن يتحقق في الحال أو في سائر الأزمان، وإلا لوجبَ
(3)
في زمان لم [يجب] في ذلك الزمان بالدليل السَّالم عن المعارض [القطعي]
(4)
).
اعلم أنَّ الاستدلال باستصحاب الحال حيث لم يقم سبب الوجوب
(1)
انظر: "قاعدة في شمول النصوص للأحكام" لشيخ الإسلام ضمن المجموعة الثانية من "جامع المسائل"(ص 284).
(2)
"الفصول": (ق/11).
(3)
في الأصل: "ولا يوجب" والإصلاح من "الفصول".
(4)
ما بين المعكوفات من "الفصول".
دليلٌ حسن، كالاستدلال به في مسألة وجوب الوتر والأُضحية، أو مسألة قراءة الفاتحة، أو مسألة نقض الوضوء بمسِّ الذَّكَر، أو بالقَهْقَهَة، أو مسألة إيجاب الغُسْل على الكافر إذا أسلم، أو مسألة وجوب الكفَّارة على الحامل والمرضع، ونحو ذلك من المواضع التي يُنْفَى فيها وجوبُ أمرٍ من الأمور التي لم يُعْلَم قيامُ سبب الوجوب [لها].
أمَّا الاستدلال به في موضع سَلَّمَ المستدلُّ [فيه] قيامَ سببِ الوجوب؛ فهو قبيح، كالاستدلال [به] في نفي زكاة الحُلِيّ، أو نفي الزكاة على المدين، أو نفي الكفارة على المنفرد برؤية الهلال. وذلك أنه قد وقع الاتفاقُ على أنَّ الجماعَ في الجملة موجبٌ للكفارة، وأنَّ الذهبَ والفضةَ تجبُ فيهما الزكاة.
وإنما النافي يدَّعي أن حصولَ شُبهةِ الانفراد مانعةٌ من إيجاب الكفَّارة، وأنَّ صَرْفَ الذهب إلى استعمال مُباحٍ مانعٌ من الوجوب [ق 318] فلا يصحُّ استدلالُه على ذلك بالاستصحاب؛ لأن حكمَ الاستصحاب قد بَطَل بقيام هذا السبب، والمستدلُّ يستدعي قيامَ أمرٍ وجوديٍّ مَنَعَ ثبوتَ حُكْم السبب؛ فعليه بيانُه، وهكذا يجب القول
(1)
في كلِّ مسألةٍ فيها نفي الإيجاب: إن كان انتفاؤه لانتفاء السبب، فقد صلح الاستدلالُ باستصحاب الحال، وإن كان انتفاؤه لوجود مانعٍ يمنع السبب أو يمنع الحكم، فلا بدَّ من إثبات ذلك المانع الذي هو مستنده في نفس الأمر، فإنه لم يعتقد الانتفاء من استصحاب الحال. والمناظرةُ إظهار أدلة الحكم، فإذا لم يكن هذا دليلًا له لم يَجُز أن يلزمَ المعترض اتباعُه.
(1)
الأصل: "يجيء القبول" والصواب ما أثبت.
وأيضًا: فإنَّ الأصلَ النافي الذي هو الاستصحاب قد انفسخ بقيام ما يقتضي الإيجاب، فإن لم يُبَيَّن ما
(1)
يَفسخ هذا المقتضي، أو يَمنع اقتضاءَه، وإلا فهو كالمستدلِّ على نفي الإيجاب أو التحريم بالأصل النافي بعد قيام دليل الإيجاب أو التحريم.
إذا تبيَّن لك هذا تبيَّن ضعفُ الاستدلالِ بالاستصحاب في مسألة المنفرد؛ لكن في الجملة قد يتَّفِق الاستدلالُ به في المناظرة؛ لكون المستدل لا يعترف بقيام السبب.
ونحن نتكلَّم على كلام المنصف:
قال: "عدم وجوب الكفَّارة عليه في الماضي من الزمان مما يوجبُ العدمَ في هذا الزمان".
وعدم الوجوب في هذا الزمان، وعدمُ الوجوب
(2)
متحقِّقٌ في الماضي، فيتحقَّقُ موجَبه؛ لأن عدم الوجوب كان متحقِّقًا في الزمان الماضي قبلَ جِماعِه، أو في الزمان الماضي قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، فتحقَّقَ في هذا الزمان؛ لأنَّ عدمَ الوجوبِ إن أوجبَ العدم في هذا الزمان فهو المدَّعَى، وإن لم يوجِبْه فإنَّه يوجبه في جميع الأزمان، لما سيأتي.
قال: "أو يُقال: العدمُ متحقِّق في أحدِ الزمانَيْن، وذلك يوجبُ تحقُّقَه في الحال، أو في سائر الأزمان".
لأنه إن كان متحقِّقًا في الحال فهو أحد الزمانين، وذلك يوجبُ تحقُّقَه في
(1)
الأصل: "لم" ولعل الصواب ما أثبت.
(2)
كذا في الأصل، ولعل في الكلام سقطًا.
الحال، وإن كان متحقِّقًا في الماضي، فذلك يوجب تحقُّقَه في سائر الأزمان، وذلك هو الزمان الآخر؛ لأنه لو لم يتحقَّقْ في جميع الأزمان لتحقَّق نقيضُه، وهو الوجوب في زمان من الأزمان، ولم يجب في ذلك الزمان بالأصل النافي للوجوب السالم عن معارَضة القطعيِّ.
واعْلم أن هذا النظر مستدرك؛ لأنَّ مقدمةَ الدليل إذا لم يكن إثباتُها إلا بما يثبت الحكمَ كان ذكرها ضائعًا، وهو لا يمكنه نفي وجوبِه في زمنٍ من الأزمان إلا بالأصل النافي، والأصلُ النافي الوجوبَ في الحال كما ينفيه في زمنٍ من الأزمان.
وأيضًا: فقوله: "يوجبُ العدمَ في هذا الزمان، أو في سائر [ق 319] الأزمان، أو يوجب أن يتحقَّقَ في الحال، أو في سائر الأزمان". إن أُرِيْد تغيير
(1)
العبارة، يعني يقول المستدلُّ أيَّ اللفظين شاء، فقريب. وإن أراد به الأمر، فالترديد لا يكون بين شيئين كلٌّ منهما يستلزمُ الآخر؛ لأنَّ الترديد إما أن يقصد به امتناع الجمع والخُلُو، أو امتناع الجمع، أو امتناع الخُلُوّ. وعدمُ الوجوبِ في هذا الزمان وفي سائر الأزمان لا يصحُّ أن يُقال: يمتنعُ اجتماعُهما؛ لأن اجتماعهما ممكن، بل واقع.
ولا يصح أن يُقال: يمتنع خُلُوُّ الحالِ عنهما لأنَّ ذلك إنما يكون في شيئين يجوز وجودُ أحدهما وعدم الآخر، فيقال: لا يخلو الأمر عن هذا أو هذا، فأيهما فُرِض عدمُه لزم وجودُ الآخرِ، وهنا العدم في هذا الزمان وسائر الأزمان متلازمان، وأيهما تحقَّقَ تحقَّقَ معه الآخر. ولا يصحُّ أن يُقال: لكن عُدِم هذا فوُجِدَ هذا، أو عُدِم هذا فوُجِدَ هذا.
(1)
تحتمل: "تغير".
قولُه
(1)
: (والمسطور في أصول الفقه: أنَّ الحالَ يصلح حجة للدفع، وإبقاء ما كان على ما كان دون الإثبات، والثابتُ هذا).
لا شكَّ أنَّ الاستصحاب لا يقتضي حكمًا جديدًا، ولا وصفًا حادثًا، فإنَّ ذلك تغيير وليس بتقرير، وذلك أن استصحاب الحال استفعالٌ من الصُّحْبة، والاستفعَالُ طلب الفعل، كأنَّ المستدلَّ طلبَ أن تصحبه الحال الأولى، وتبقى معه وتدوم، فالاستصحابُ والاستبقاءُ والاستدامةُ شيءٌ واحد، وأكثر ما يُسْتدلُّ بها في استصحاب النفي المعلوم بالعقل، أو في نفي ما لا يثبت إلا بالشرع، كما تقدَّم من الاستدلال بها في نفي الوجوب.
وأما الإثبات؛ فإن عنى به إثباتًا جديدًا، فلا دلالةَ للاستصحابِ على ذلك. وإن عَنَى به إثباتًا مُسْتَدَامًا، فهذا قد اختلف الناسُ فيه، هل يمكن الاستدلال عليه بالاستصحاب كالاستدلال على بقاء الأحكام الثبوتية المعلومة بنصٍّ أو إجماع؟ وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، وبيَّنَّا أن الأوْجَه إمكانُ الاستدلال بها، لكن الخلاف في ذلك مشهور، وبعضُ الناسِ يقول: جمهورُ الفقهاءِ على عدم الاستدلال بها.
وقولُه: "والثابتُ هذا".
كأنه يعني به أن هذا القول هو الثابت المعمولُ به، وليس هذا موضعَ استقصاءِ القولِ في ذلك.
قوله
(2)
: (والثاني: استصحاب الواقع كما يقال: كان، فيبقى على
(1)
"الفصول": (ق/11 أ).
(2)
"الفصول": (ق/11 أ).
التقادير الجائزة).
اعلم أن هذا اصطلاحٌ لأهل الجدل، يُقَسِّمون الاستصحاب إلى:
استصحاب حال، وهو استدامة ما تحقَّقَ في الزمن الأول في الزمن الثاني.
واستصحاب الواقع، وهو استصحابُ ما هو واقع في نفس الأمر على كلِّ تقدير لا ينافيه، أو على كلِّ تقديرٍ جائز. وإنما فتحوا هذا [الباب] لكثرة استعمالهم التقديرات التي تنشأ [ق 320] منها المغالطات.
وفي الجملة؛ فهي قاعدة صحيحة؛ لأنَّ كلَّ ما هو واقع في نفس الأمر فإنه واقع على كلِّ تقدير لا ينافيه، فهي قاعدة برهانية، كقولنا: الأصلُ في كلِّ ثابتٍ بقاؤه على ما كان ما لم يُغيِّره مُغَيِّر، وذلك لأنَّ الشيء
(1)
إذا كان واقعًا في نفس الأمر، فإمَّا أن يكون ثابتًا في نفس الأمر أو منتفيًا، فإن كان ثابتًا، فإما أن يكون واجبَ الوجود، أو ممكن الوجود؛ لأن الممتنع لا يكون موجودًا، فإن كان واجبَ الوجود كان فرضُ عدمِه على تقديرٍ لا ينافيه محالًا؛ لأن التقديرَ الذي لا ينافيه لا يقتضي عدمه، ووجوبُ وجودِه يقتضي وجودَه، وإذا كان المقتضي للوجود ثابتًا، وليس هناك ما يقتضي عدمه= وجبَ وجودُه بالضرورة.
وإن كان ممكنَ الوجود والتقدير أنه موجود، فلا بدَّ أن يكون قد وجبَ سببُ وجودِه؛ لأن الممكن لا يصير موجودًا إلا بما يقتضي وجوده، وإذا كان المقتضي لوجودِه موجودًا، فكلُّ تقديرٍ لا ينافي وجوده، فإنَّ المانع من
(1)
الأصل: "لأن حكم الشيء"، ثم ضربَ على كلمة:"حكم".
وجوده منتفٍ فيه، فيكون المقتضي لوجوده موجودًا، والمانعُ معدومًا، وذلك يقتضي وجوده وإن كان منتفيًا في نفس الأمر.
فإن كان ممتنع الوجود امتنعَ وجودُه على كلِّ تقديرٍ لا ينافي عدمه؛ لأن ما لا ينافي عدمه لا يقتضي وجودَه؛ لأنه لو اقتضى وجودَه لَنافَى عَدَمَه، وإذا لم يكن على هذا التقدير المقتضي له موجودًا، وهو ممتنع الوجود= امتنعَ وجودُه. وإن كان ممكنًا
(1)
فكلُّ تقدير لا ينافيه لا يكون المقتضي التام لوجوده موجودًا؛ لأنه لو كان موجودًا لَنافَى عَدَمَه، وإذا لم يكن المقتضي التام لوجوده موجودًا امتنَع وجودُه؛ لأن الممكن لا يصير موجودًا إلا بوجود المقتضي التام، وأعني بالتامِّ قيام الموجب، وحصول الشرائط، وانتفاء الموانع، وإذا امتنع وجودُه عُلِمَ انتفاؤه على كلِّ تقديرٍ لا ينافي عدمه.
ويمكن اختصار هذا الدليل بأن يُقال: ما هو موجودٌ فلا بدَّ أن يكون المقتضي لوجوده واقعًا، فإذا لم يكن ما ينافيه لزم وجوده بالمقتضي السالم عن المنافي، وما هو معدومٌ فلا بُدَّ أن يكون المقتضي التام لوجوده معدومًا؛ لأنه لو كان موجودًا للزم وجوده، وإذا كان المقتضي التام معدومًا، فكلُّ تقديرٍ لا ينافي هذا العدم لا يلزم منه قيامُ مقتضٍ للوجود، فيلزم عدمه أيضًا.
وإن شئتَ أخصَرَ من هذا أن يقال: كلُّ ما هو واقع في نفس الأمر، فلا بدَّ لوقوعه مما يحقق وقوعه، فكلُّ تقديرٍ لا ينافيه، فإنَّ المحقِّق لوقوعه حاصل، والمنافي له زائل، فيجبُ وقوعُه بالضرورة.
وإن قلت: كلُّ ما هو واقع في نفس الأمر، فهو واقع على كلِّ تقدير
(1)
الأصل: "ممكن".
جائز، أو فهو واقع على التقادير الجائزة.
فوجهه
(1)
أن يُقال: التقدير الجائز لا يُغَيِّر الحقائق؛ لأنه لو غيرها للزم إما تبديلُ الحقائق أو بقاؤها وعدمه، فيخرج عن أن يكون واقعًا، وإذا لم يغيِّرها، فهو واقع في نفس الأمر، لو زال على [ق 321] تقدير جائز للزم أن تكون الجائزات قد أبطلت الحقائق، وهو باطل.
واعلم أن هذا الكلام ليسَ بسديدٍ؛ وذلك أن التقديرات الجائزة قد يلزم منها قيام ما يمنع وقوع الواقع، وذلك إنما يدلُّ على عدم وقوعها لا على عدم جوازها، فإنَّ تقديرَ قيام الساعة في هذا الوقت، أو تقدير خراب الأمصار المعمورة، أو تقدير بعثةِ رسولٍ آخر، أو تقدير كَوْن الشريعة أزْيَد مما هي الآن أو أنْقَص
(2)
تقديرات جائزة ويلزم منها رفع أمورٍ واقعة= لكنَّا نستدلُّ بوقوعِ الواقعات على عدم هذه الجائزات.
فإن قال: أُريد بالجائز ما لا يُعْلَم عدمُه.
قيل: وعدم علمنا بعدمه لا يقتضي جوازه، لأنَّ ما لا يُعْلَم عدمُه قسمان:
أحدُهما: واقع، والآخرُ: غير واقع.
وإذا فرضنا شيئًا لا يُعْلَم عدمُه، وكان في نفس الأمر معدومًا، فإنه على تقدير وجوده قد يلزم تغيير الأمور الواقعة؛ لأن تقدير وجودِه ليس واقعًا، ونحنُ إنما علمنا أنَّ الواقع واقعٌ في نفس الأمر ولم يُعْلَم أنه واقع إذا تغيَّر ما
(1)
قبلها بياض بقدر كلمتين.
(2)
الأصل: "نقص" ولعل الصواب ما أثبت.
هو في نفس الأمر من صيرورة
(1)
الموجود معدومًا، والمعدوم موجودًا.
فإن قال: أريد بالجائز ما هو واقع في نفس الأمر.
قيل له: هذا صحيح، ويكون معنى الكلام: كلُّ ما هو واقع فهو واقع على كلِّ التقادير الواقعة، فافهم هذا فإنَّ فيه تغليطًا كثيرًا، وأنا أذكُرُ درجاتِهِ.
الواقعُ في نفس الأمر يجبُ أن يكون واقعًا على كلِّ تقدير لا ينافيه، ويجب أن يكون واقعًا على كلِّ تقدير واقع. فإذا قال المستدلُّ: هو واقع في نفس الأمر فيكونُ واقعًا على هذا التقدير، احتاج أن يُبيِّن أن ذلك التقدير غير منافٍ، أو هو واقع؛ لأنَّ بيان أن ذلك التقدير غيرُ منافٍ، أو أنَّ ذلك التقدير واقع أمرٌ ممكن سهل، بخلاف مستصحِب الحال، فإنه ليس عليه أن يبيِّن عدمَ الناقل المغيِّر؛ لأنَّ ذلك لا ينضبط ولا ينحصر.
الدرجة الثانية: هل هو واقع على كلِّ تقديرٍ جائز الوجود في علمنا، بمعنى: أنَّا نُجَوِّز أن يكون موجودًا، ويجوز أن يكون معدومًا، أو يجوز أن يكون جائز الوجوب والعدم، ويجوز أن يكون ممتنع الوجود أو العدم، وهذا ليس بلازم، إلا أن يعلم أن ذلك التقدير غير منافٍ، أو أنه واقع.
الدرجة الثالثة: هل هو واقع على كلِّ تقدير جائز في نفسه، بمعنى أنه يمكن وجوده بدلًا عن عدمه، وعدمه بدلًا عن وجوده، وهذا باطل، فإنَّ ما هو واقع في الواقع يمتنع وجوده على تقديرات جائزةٍ كثيرة معدومة.
الدرجة الرابعة: هل هو واقع على كل تقدير؟ وهذا لا يقوله عاقل.
وأظنُّ هؤلاء الجدليين إنما يعنون الدرجة الثانية، فإن الثالثةَ والرابعةَ
(1)
الأصل: "ضرورة" والصواب ما أثبت.
ظاهرةُ الفساد، والمحقِّقُون منهم إنما ذكروا الأولى خاصة، وهو الصواب، لكن إذا لم يكن النافي بين ذلك التقدير [ق 322] وبين الواقع ظاهرًا فأظُنُّهم يكلِّفون المعترض بيانَ المنافاة، أو بيان عدم وقوع ذلك التقدير، أو بيان عدم جوازه.
قوله
(1)
: (وقد يُقال في التمسُّك به: إن الواقع واقع على هذا التقدير؛ لأنَّ ما هو الثابت على هذا التقدير ثابتٌ في نفس الأمر، أو على تقديرٍ يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير، وأيًّا ما كان يكون
(2)
واقعًا على هذا التقدير، وإلا يلزم اجتماع النقيضين في الواقع، أو على ذلك التقدير)
(3)
.
هذا يقولُه من أراد الاستدلال بوقوع الواقع في نفس الأمر على أنه واقع في نفس الأمر واقعٌ على هذا التقدير؛ لأن الواقع على هذا التقدير إما أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، أو ثابتًا على تقدير يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن الثابتَ على هذا التقدير إن كان ثابتًا في نفس الأمر، فهو أحد الأمرين، وإن لم يكن ثابتًا في نفس الأمر، فهو ثابتٌ على هذا التقدير، وهذا التقديرُ يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على تقدير ثبوته؛ لأن الأمور الواقعة كائنة فتبقى على التقادير الجائزة، وهذا من التقادير الجائزة.
(1)
"الفصول": (ق/11 أ).
(2)
الأصل: "وإنما يكون".
(3)
وهذا آخر كتاب برهان الدين النسفي "فصولٌ في الجدل"، وجاء في خاتمة النسخة الخطية التي اعتمدناها في المعارضة مع النسخة التي شرحها المصنِّف:"والله أعلم بالصواب، تمَّ الفصولُ، والحمد لله وحده".
وإذا كان الثابتُ على هذا التقدير ثابتًا في نفس الأمر، أو على تقديرٍ يُثْبِتُ جملةَ الأمور الواقعة عليه، فأيُّ الأمرين كان لزم أن يكون واقعًا على هذا التقدير؛ لأنه لو لم يكن واقعًا على هذا التقدير، لزم اجتماعُ النقيضين، إمَّا في نفس الأمر، أو على ذلك التقدير الذي تثبت عليه جملة الأمور الواقعة؛ لأنه إن كان ما هو ثابتٌ على ذلك التقدير ثابتًا في نفس الأمر، فيلزم أن يجتمع في نفس الأمر وقوعُ الواقع وعدمُ وقوعه؛ لأن الفرض أنه ليس واقعًا على ذلك التقدير، وأن ما هو ثابت على ذلك التقدير ثابت في نفس الأمر، فيلزم أن يكون الذي في نفس الأمر عدم وقوع ما هو واقع، وإن كان ما هو ثابت في نفس الأمر ثابتًا على تقدير يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير، فقد لزم وقوع الأمر
(1)
الواقعة، وعدم وقوعها على ذلك التقدير الذي يثبت عليه جملة الأمور الواقعة، فنقيضُه حق، وهو المدَّعَى.
واعلم ــ أصلحك الله ــ أن هذا كلام [ليس] تحته
(2)
فائدة، وبيانُ فسادِه من وجوه:
أحدها: قوله: "لأن ما هو الثابت على هذا التقدير ثابت في نفس الأمر، أو على تقدير يُثبت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير".
(1)
كذا بالأصل، ولعل صوابه:"الأمور".
(2)
غير بينة في الأصل ورسمها: "تجنبه".
قلنا: لا نُسَلِّم لزوم أحد الأمرين، ولم تذكر على ذلك دليلًا، وهذا موضعُ المنعِ الذي يكشف عوار هذا الكلام.
الثاني: قوله: "ما يثبتُ على ذلك التقدير ثابت في نفس الأمر، أو على تقدير يُثبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير".
قلنا: هذا هو الأول بعينه، وإنما غُيِّرت العبارةُ؛ لأنه إذا قال: ما يثبتُ على هذا التقدير فقد يثبت في نفس الأمر، أو يثبت [ق 323] على تقديرٍ يثبت عليه جملة الأمور الواقعة، فلا مغايرةَ بين القسمين؛ لأن ما ثبت في نفس الأمر فقد ثبتَ على كلِّ تقديرٍ تثبتُ عليه جملةُ الأمور الواقعة.
الثالث: إنما يكون الثابت على هذا التقدير ثابتًا في نفس الأمر، أو ثابتًا على تقدير تَثبُت عليه جملةُ الأمور الواقعة، إذا كان ذلك التقدير تَثْبت عليه جملةُ الأمور الواقعة، وهذا غير معلوم، ولأنه لو عَلِمَ أن ذلك التقدير تَثْبُت عليه جملةُ الأمور الواقعة، لَعَلِمَ أن الواقعَ واقعٌ على ذلك التقدير، ولو عَلِم ذلك لاستَغْنى عن هذا الدليل.
الرابع: لأنه لا يعلم أن الثابتَ على هذا التقدير ثابتٌ في نفس الأمر، أو على تقديرٍ تَثْبت عليه جملةُ الأمور الواقعة حتى يَثْبُت أنه واقعٌ في نفسِ الأمر، وأنَّ ذلك التقدير تَثْبُت عليه جملةُ الأمورِ الواقعة، ولا يمكن ثبوت واحدٍ منهما إلا بثبوت أن الواقع في نفس الأمر واقعٌ على ذلك التقدير، وهذا هو المطلوب المتنازَع فيه، فلا يجوز أن يُجْعَل مقدمةً في إثبات نفسه؛ لأنَّ هذا مصادرةٌ على المطلوب، وهو غير جائز.
الخامس: أنَّ العلمَ بلزوم أحدِ الأمرين موقوفٌ على العلم بأنَّ الواقعَ واقعٌ على ذلك التقدير، فإذا استدلّ على ذلك بلزوم أحدِ الأمرين؛ كان وقفًا لكلٍّ منهما على الآخر، وذلك دَوْر عِلْمي، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ به.
واعلم ــ أصلحك [الله]ــ أن استصحاب الواقع إذا ادُّعِي على تقدير لم يتحقق
(1)
فإنَّه بابٌ عظيم من أبواب مغالطات هؤلاء المُمَوِّهين المُلبِّسِين،
(1)
بعده حرف "ما" ولا يستقيم بها السياق.
وأنا أضربُ لك مثلًا من كلامهم: ذكر المُبَرِّز
(1)
في جملة الأدلة التي يُستدل بها دليلًا سمَّاه: البرهان؛ لأن مُقَدِّمتيه ــ على زعمه ــ قطعيَّتان
(2)
، وهو مما يمكن الاستدلالُ به على كلِّ دعوى تُمْكِنه
(3)
، تارة تتمّ على زعمه، لعدم التمكُّن من معارضته بمثله، وتارة لا تتم.
مثاله: أن يقال: أحد الأمرين؛ وهما إفساد صوم رمضان بفعلٍ واحد أول مرَّة، أو فساد صوم رمضان بفعل واحد أول مرة حال الصحة والاستقامة= موجب لوجوب الكفارة؛ لأنه لو كان أحدُهما موجبًا مستقيمًا إلى جملة الأمور الواقعة لكان أحدُهما موجبًا لوجوب الكفارة على ذلك التقدير، وإذا كان موجبًا له على ذلك التقدير كان أحدهما موجبًا له في نفس الأمر؛ لأنَّ جملةَ الأمور الثابتة في نفس الأمر ثابتة على ذلك التقدير، وعدم موجبيَّة كلٍّ من هذين ليس ثابتًا على ذلك التقدير، فلا يكون ثابتًا في نفس الأمر، فيكون الثابت نقيضُه، وهو موجبيَّةُ أحدهما، وهو المدَّعَى. وهكذا يقول في [كل] دعوى يدعيها، فهل سمعتَ بأفسدَ من حُجَّةٍ تَثْبُت بها المتضادَّات والمتناقضات؟! وإنما وجه التغليط فيه استصحاب الواقع حيث لا يصح، وهو قوله:"وإذا كان موجبًا له على ذلك التقدير، كان موجبًا له في نفس الأمر".
قلنا: لا نُسَلِّم قولَه: "لأن جملة الأمور الثابتة في نفس الأمر ثابتة على ذلك التقدير".
(1)
هكذا قرأت هاتين الكلمتين و (المبَرِّز) هو ركن الدين العميدي صاحب الجست (ت 615)، ذكره في كتابه "الإرشاد في علم الجدل".
(2)
في الأصل: "قطيعتين".
(3)
تحتمل: "مكنته"، أو "ممكنة".