الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اسم التخصيص؟ فإن الواضع لو وضعَ اسم التخصيص على بعض ما يجامع أحدهما لم يكن محالًا.
وإن قال: يلزم عدمُ المعنى الذي فسَّرنا به التخصيص.
قلنا: نعم، ولكن لمَ قلت: إن ذلك هو معنى لفظ التخصيص؟ فإن هذا أولُ الكلام. وأيضًا فإن الاستدلال بهذين الدليلين موقوفٌ على المقتضي لتحقُّقِ موجب العموم وعلى النافي للتخصيص، ولا شكَّ أنّ معرفة معنى التخصيص أمرٌ متفقّ عليه أظهرُ من هذين الأصلين، فكيف يثبت الأقوى بالأضعف؟
واعلم أن
المرجع في ذلك إلى استقراء صور الاستعمال
ومعرفة صور الوجود وصور العدم، وهذا [ق 150] قد يُقطَع به، وقد يَغلب على الظنّ. وأدنى الأحوال أن يُستدلَّ على الأشياء باستصحاب الحال، بأن يقال: قد وجدناهم يستعملون لفظ التخصيص في موضع كذا وكذا وكذا، وقد اشتركت هذه المواضع في هذا المعنى، والأصل عدم موضع آخر لا يُوجد فيه هذا المعنى.
وإن سلك الطريقة المحققة قال: هذا اللفظ مطابقٌ لهذا المعنى عمومًا وخصوصًا، وملازمٌ له وجودًا وعدمًا، لأنا وجدناه مقرونًا به في موضع كذا وكذا، والأصل عدم وجود أحدهما منفردًا عن الآخر. وقد يمكن التقسيم الحاصر إذا كان حكم الأقسام مسلَّمًا أو معلومًا، سواء كان في جانب الوجود أو العدم، مثل أن يقال: اللفظ إمّا أن يكون متناولًا للمعنى أو لا يكون، فإن لم يكن متناولًا فلا تخصيص، لم يبق إلّا إذا تناوله اللفظ وهو غير مراد، وهذا حسنٌ إذا سلّم انتفاء التخصيص في القسمين الأولين. والله
سبحانه أعلم.
قوله: «وإذا كان عامًّا يكون حقيقةً له، فإن الغير لا يكون حقيقةً له، وإلّا يلزم الاشتراك أو المجاز» .
هذا تقريرٌ لكون
(1)
المعنى إذا كان عامًّا لموارد استعمال الاسم يكون حقيقةً له، وهو أحد الوجوه التي ذكرناها فيما تقدم في حجة من يقول بهذه القاعدة. وبيان كلامِه أن المعنى عامٌّ لموارد استعمال الاسم، فإما أن يكون حقيقةً أو لا يكون، والثاني باطلٌ، فيتعيَّنُ الأول. وإنما قلنا: إنه باطل، لأن الغير لو كان حقيقةً مثل أن يقال: التخصيص عدم إرادة المعنى من اللفظ المتناول له بكلامٍ متصل، فيقال: استعمالُه في ذلك الغير إما أن يكون بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز، فإن كان بطريق الحقيقة كان اللفظ مشتركًا، وإن كان بطريق المجاز كان مجازًا، وكلاهما خلاف الأصل.
وهذا تقريرٌ ليس بصحيح، والاعتراضُ عليه أن يقال: قولك: «وإن كان عامًّا يكون حقيقةً له، فإن الغير لا يكون حقيقة له» ، أيَّ شيء تَعنِي بالغير؟ تَعني غيرَ هذا المعنى العام أو غيرَ ما هو معنى عام؟ فإن عنيتَ غيرَ هذا المعنى فلا نُسلِّم أنه يلزم الاشتراك والمجاز، وذلك لأن غير هذا المعنى هو عامٌّ أيضًا أو يجوز أن يكون عامًّا، لأن هذا المعنى يجوز أن يكون عامًّا لموارد الاستعمال وليس اللفظ عامًّا لمواردِه، ويجوز أن يكون اللفظ عامًّا
(1)
الأصل: «بكون» .
لموارده [و] يكون [المعنى] موجودًا بدون اللفظ، وإذا كان المعنى موجودًا بدون اللفظ لم يكن حقيقة اللفظ مع أنه عام لموارده. وعلى هذا [ق 151] التقدير فلابدّ من معنًى يكون عامًّا لموارد الاستعمال، ويكون اللفظ عامًّا لموارده هو حقيقة اللفظ، ولا يلزم اشتراك ولا مجاز. وإن شئتَ قلتَ: غير هذا المعنى إذا كان حقيقة اللفظ فإنه يكون عامًّا أيضًا لمواردِه، ولا اشتراك ولا مجاز. وإن شئت قلت ما هو أعمّ من هذا المعنى وأعمُّ من الأعمّ وهَلُمَّ جرًّا، كلُّها مغايرةٌ لهذا المعنى. ولو كانت حقيقة اللفظ لم يلزم اشتراكٌ ولا مجاز، لأن اللفظ يكون حينئذٍ دالًّا على القدر المشترك بينهما، كلها بطريق الحقيقة.
وإن عنيتَ بالغير معنًى لا يكون عامًّا، فإنه على هذا التقدير يلزم الاشتراك أو المجاز، لأن حقيقة اللفظ إذا لم تكن عامّةً لمواردِه فاستعمال اللفظ في بقية الموارد إن كان بطريق الحقيقة أيضًا كان للَّفظ حقيقتان، وهو المشترك، وإن كان بطريق المجاز لزم المجاز، لكن إذا بطل ما ليس بمعنًى عام وهذا عام فلِمَ قلتَ: إنه حقيقة اللفظ؟ إنما يثبت ذلك إذ لو كان لا معنى عام إلّا هذا، لكن هنا معاني
(1)
كثيرة عامة. أو يجوز أن يكون هنا معنًى عام أو ما هو أعمُّ من هذا المعنى عامٌّ أيضًا بالضرورة، أو ما هو أخصُّ من هذا المعنى عامٌّ أيضًا إن أمكن بيانُ ذلك. وقد تقدم الكلام على هذا.
واعلم أن قوله: «فإن الغير [لا] يكون حقيقة له» ظاهرُه أنه يعني: غيرُ هذا المعنى لا يكون حقيقة، لأنه لو كان حقيقةً لزمَ الاشتراك أو المجاز، كما ذكرنا في التقرير الأول، وهذا فاسدٌ بالضرورة كما تقدم.
قال المصنف
(2)
: (ولئن قال: لِمَ قلتم بأن اللفظ تناولَه؟ فنقول: بدليل صحة الاستثناء).
(1)
كذا الأصل.
(2)
«الفصول» (ق 6 ب).
لما ادَّعى أن الأصل مخصوص من اللفظ العام بمعنى عدم إرادته مع تناول اللفظ إيَّاه، فيخص منه النزاع. قال:«ولئن قال: لِمَ قلتم إن اللفظ تناولَه؟» ، قال:«فنقول: بدليل صحة الاستثناء» . وذلك أن صحة استثناء الشيء من اللفظ يَدُلُّ على أنه عامٌّ له، لأن الاستثناء يُخرِج من اللفظ ما لولا هو لما خرج، بدليل النقل والاستعمال والحكم والاشتقاق.
أما النقل فإن أهل النحو ذكروا ذلك في كتبهم، وقالوا: إخراجُ ما لم يدخل استثناءٌ منقطعٌ، وإنما حقيقة الاستثناء أن يخرج بعض ما دخل في اللفظ.
وأما الاستعمال فإن الاستقراء دلَّ على أنّ العرب إنما تُخرِج من اللفظ ما دَخلَ فيه، فإذا لم يدخل استُغنيَ بعدمِ دخولِه عن إخراجه.
وأما الحكم فإنه لو قال: «عَبِيْدي أحرارٌ إلّا فلانًا» عَتَقُوا كلّهم إلا فلانًا
(1)
، [ق 152] ولو لم يَستثنِه لعتقوا كلُّهم، ولولا أن الاستثناء أخرجه وكان داخلًا بدونه لما كان كذلك.
وأما الاشتقاق فإن الاستثناء استفعالٌ من الثَّنْيِ، وهو الصَّرف والمنع، يقال: ثَنيْتُ عِنانَ الفرس، وثَنيْتُ فلانًا عن رأيه، إذا طلبتَ صَرْفَه عن وجهه. فالاستثناءُ طَلَب
(2)
صَرْفِ المستثنى ومَنْعِه عن الدخول، ولولا قيامُ المقتضي لدخولِه لم يحتج إلى ذلك. وإذا قام المقتضي السالم عن المعارض وجبَ دخولُه.
فإن قيل: هذا يُشكِل بالاستثناء من غير الجنس.
(1)
الأصل: «فلان» .
(2)
الأصل: «يطلب» والمثبت يقتضيه السياق.
قلنا عنه أجوبة:
أحدها: أن ذلك لا يكون إلّا في كلام غير موجب، كما شهدَ به الاستعمال، ونحن إنما استدللْنا بالاستثناء مطلقًا من الموجب وغيره.
الثاني: أن ذلك يكون منصوبًا بكلِّ حالٍ في اللغة الحجازية
(1)
، كما في قوله:{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157]. ونحن إنما قصدنا المستثنى الذي يجوز إبدالُه في اللغة الشائعة
(2)
من المستثنى منه.
الثالث: أن ذلك مجاز على خلاف الأصل باتفاق أهل العربية، وبعضهم يقول: ليس باستثناء، وإنما هو بمعنى «لكن» ، ونحن إنما استدللنا بحقيقة الاستثناء لا بمجازه.
الرابع: أن المانع هناك من دخولِ المستثنَى في المستثنى منه كونُ لفظ المستثنى منه ليس موضوعًا له جميعًا ولا فرادى. ونحنُ إنما نستدلُّ بما يَصحُّ أن يُطلق عليه لفظ المستثنى منه ولو على سبيل الأفراد، كما يُطلق لفظ الإنسان على آحاد الذين آمنوا.
الخامس: أن مقتضى الدليل دخولُ كلِّ مستثنًى، لكن حيث عُلِمَ أن اللفظ لم يَشملْه عُلِمَ أنه استثناء منقطع، فما لم يُعلم ذلك فهو على الأصل.
السادس: أن الاستثناء المنقطع استثناء [المستثنى] من حكم المستثنى [منه] ومن جنسه البعيد، فإذا قيل:
…
(3)
إنسان إلّا حمارًا، فقد استثنيت
(1)
الأصل: «المجازية» تحريف.
(2)
الأصل: «السابعة» ولعل الصواب ما أثبتناه.
(3)
هنا بياض في الأصل بقدر كلمتين. ولم يظهر منها إلا حرف «ط» .
الحمار من الحكم، وهو نفي كونها فيه، وهو مستثنًى من جنس الإنسان البعيد، وهو الحيوانية، فعُلِمَ أن المستثنى لا بدَّ أن يدخل جنسه البعيد في حكم المستثنى منه، ولولا ذلك لما صحَّ الاستثناء. وهذا حسن.
قوله
(1)
: (ولئن مَنَعَ فنقول: يصحّ استثناء البعض في بعض الأسامي المحلَّاة بالألف واللام، كما في قوله: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
(2)
} [العصر: 1 - 3]، فوجبَ أن يصحَّ في الكلّ، وإلّا
(3)
يلزم أن يكون البعض مختصًّا بالموجب، وليس كذلك. وإذا صحَّ في الكلِّ صحَّ فيما نحن فيه. ولئن قال: لِمَ قلتم بأنه إذا صحَّ في البعض صحَّ في هذا المعيَّن؟ فنقول مثل
(4)
ما قلنا).
اعلم أن هنا مَنْعَين:
أحدهما: أن [ق 153] يمنع صحة الاستثناء من اللفظ الذي يدعي عمومه، وهو قوله هنا:«الثيِّب بالثيب جَلْد مئةٍ وتغريبُ عام» أو «الثيبان يُرجَمان» و «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»
(5)
.
والثاني: أن يمنع كون الاستثناء دليل التناول والعموم.
أما الثاني فقد تقدم بيانه، وأما الأول فيحتاج إلى بيان صيغ العموم، والكلام في هذا الموضع في الاسم المعرَّف باللام، وهو قسمان:
(1)
«الفصول» (ق 6 ب).
(2)
«وعملوا الصالحات» لا توجد في «الفصول» .
(3)
في الأصل: «ولا» . والتصويب من «الفصول» .
(4)
في «الفصول» : «بمثل» .
(5)
تقدم تخريجها (ص 209).
أحدهما: أن يكون اسم جمع أو ما هو في معنى
(1)
اسم الجمع، وهو ما لم يصلح أن يكون صفة للواحد ولا موصوفًا به، مثل جموع التصحيح والتكسير، كرِجالٍ وقُرُوْء، وأسماء الجموع كالناس والنَّفر والرَّهْط، واسم الجنس كالنمر والبقر والغنم والإبل ونحو ذلك، فهذا كلُّه للعموم باتفاق القائلين بالعموم إلّا من شَذَّ.
الثاني: أن يكون اسمًا واحدًا، مثل اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبَّهة وأفعل التفضيل والمصادر كلّها وجميع أسماء الأجناس التي لها تثنية وجمع، كالإنسان والحيوان والدرهم والدينار. فهذا عند الفقهاء وأكثر الأصوليين يُفيد العموم أيضًا، كما ذكره صاحب الجدل. وذهب جماعةٌ من مُثبِتي العموم من المتكلمين إلى أنه لا يفيده، وإنما يُفيده عند القائلين به إذا لم يكن التعريف لمعهود، فأما إن كان لمعهود غير المسمّى العام فإنه يرجع إليه بلا تردد.
والدليل على أنه يفيده صحة الاستثناء منه، والدليل على صحة الاستثناء منه قوله:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر: 2 - 3]. وإذا صحَّ الاستثناء من بعض الأسماء المفردة صحَّ من جميعها، لأنه لو لم يصحَّ لكان ذلك البعض مختصًّا بما يوجب صحة الاستثناء، وليس كذلك، لأن الأصل عدم الموجب، ولأنه لا فرق بين هذا المفرد وبين غيره من المفردات، فوجب التسوية بينها في جواز الاستثناء، وإذا صحَّ في جميع الأسماء المفردة صحَّ فيما نحن فيه، لأنه اسم جنس مفرد، ولأن الاستثناء قد صحَّ في عدة صور، مثل قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي
(1)
الأصل: «من نعتي» .
خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ}، {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} إلى قوله:{إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج: 19 - 22]، {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} إلى قوله:{إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [هود: 9 - 11]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«التاجر هو الفاجر إلّا من بَرّ وصَدَق»
(1)
أو كما قال، إلى غير ذلك من الصور.
فنقول: إنما صحَّ فيها للقدر المشترك بينها، وهو الألف واللام، لدوران الصحة معها وجودًا فيما ذكرنا، وعدمًا في النكرات في الموجب إذا قيل:[ق 154] أكرم رجلًا ونحو ذلك، وإذا كانت الألف واللام هي المصحِّحة للاستثناء وجب صحة الاستثناء حيث كانت، ولأن المصحّح للاستثناء ليس غير الألف واللام، إذ ليس في اللفظ ما يصلح للعموم غير ذلك بالضرورة والاتفاق، فتعيّن الألف واللام. ولأن الألف واللام للتعريف فإذا لم يكن بعض الأفراد معهودًا لم يبقَ معروفٌ ينصرف الخطابُ إليه إلّا الجنس، ولو كان المراد مطلق الجنس لم يصحّ الاستثناء، لأن إخراج فردٍ من الأفراد لا يؤثِّرُ في الحقيقة وجودًا ولا عدمًا، فتعيَّن أن يكون المراد استغراق الجنس. وهذا كما أنه دليل على العموم فهو دليل على صحة الاستثناء من كلّ جنسٍ جاز تعريفُه مع عدم العهد، وهو المقصود.
وأما قول المصنف: «إذا صحَّ في بعض الأسامي صحَّ في الكلّ، وإلّا كان البعض مختصًّا بالموجب، وليس كذلك» ، فهو كما قال، لأنه لو صحَّ
(1)
أخرجه الترمذي رقم (1210) وابن ماجه (2146) بلفظ: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا
…
» من حديث رفاعة بن رافع، قال الترمذي:«حديث حسن صحيح» . وصححه الحاكم: (2/ 6).
في بعض الأسماء المحلَّاةِ باللام دون البعض لوجب اختصاص البعض بالموجب
(1)
، وليس كذلك، لأن الموجب للصحة هو المشترك بينها. أو نقول: فإن الصحة متعلقة بالمشترك بينها، وهو الاسم المحلَّى باللام، لما تقدم من الدوران ونحوه.
فإن قيل: قد دارَ مع ما يختصُّ بتلك الصورة المستشهد بها.
قيل: لم يَدُر معه عدمًا، لأنّ المختصّ ينتفي بانتفاء أجزائه، وصحة الاستثناء موجودة، ولم يَدُرْ مع بعضه، لأنه لم يَدُرْ وجودًا مع بعضه.
وأما قوله: «لمَ قلتم: إذا صحَّ في البعض صحَّ في المعيَّن؟» فمعناه: لمَ قلت: إنه إذا صحَّ في بعض أفراد الجنس يصحُّ في هذا الفرد المعيَّن من أفراد العام؟
«فنقول مثل ما قلنا» ، أي أنه إنما صحَّ في البعض لأجل المشترك بينه وبين غيرِه، وهو كونُه داخلًا في مسمَّى الاسم العام خارجًا عن إرادتِه لدوران الصحة معه وجودًا وعدمًا، أما وجودًا ففي صورة الصحة، وأما عدمًا ففي صورة عدم المشترك، وهو ما إذا كان مرادًا. فقد دارَ كلامُه على مقدمتين:
إحداهما: أنه صحَّ استثناء البعض في بعض الأسماء المعرَّفةِ بالألف واللام، فيصحُّ في الجميع.
والثاني: صحَّ استثناء البعض، فيصحُّ استثناء الجميع، وهو كلامٌ صحيح في الجملة.
(1)
الأصل: «الموجب» .
الوجه الثاني في تقرير العموم: أن المراد بالثيب ونحوه إمّا أن يكون المراد به واحدًا بعينه أو عموم الجنس أو مطلق الجنس:
والأول منتفٍ بالإجماع، ثم لو ثبت في واحدٍ بعينِه فإنما ذاك لأجل الثيوبة، فإنّ الحكم إذا عُلِّق باسمٍ مشتقّ مناسب كان ما منه الاشتقاقُ علَّةً، فتكون العلةُ هي الثيوبة، فيجب عموم الحكم لعموم علته.
والثالث يقتضي العمومَ أيضًا، لأنه يقتضي تعلُّقَ الحكم بالحقيقة من حيث هي هي، [ق 155] وكلُّ فردٍ من أفراد الحقيقة قد تحققت فيه الحقيقة، فيجب أن يتعلَّق الحكم بها، لما ذكرناه من المعنى.
والثاني واضح.
الوجه الثالث: أن المانع من عمومِه إمّا أن يكون جواز إرادة الحقيقة من حيث هي هي أو شيئًا آخر، لكن الثاني منتفٍ بالأصل وبالاتفاق على أن ما سوى ذلك ليس بمانع. وهذا
(1)
لا يجوز أن يكون مانعًا، لأن أسماء الجموع قد يُرادُ به تعريفُ الحقيقة، ثم لم يكن ذلك مانعًا من العموم، فكذلك أسماء الأجناس.
واعلم أن الحكم المعلَّق باسم الجنس إن كان في معنى النفي ــ كالتحريم ونحوه ــ كان مفيدًا للعموم بلا تردُّد، لأن انتفاء الحقيقة لا يحصل إلا بانتفاء كلِّ فردٍ من أفرادِها، أما إذا كان إثباتًا كالإيجاب والإباحة فيظهر لك أن دلالة قوله:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] على العموم أضعفُ من دلالة قوله: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} على العموم، فإن تحريم الربا يقتضي تحريم هذه
(1)
كذا، ولعل الصواب:«والأول» .
الحقيقة، وتحريمها يقتضي الأمر بإعدامها، وذلك لا يحصل إلّا بإعدام كلِّ فردٍ من أفرادِ الربا. وأما إحلال البيع فإن قيل: يقتضي العموم، وإلّا فيقال: إنه إنما اقتضى إباحة هذه الحقيقة، ولا شكّ أنها مباحة، لكن لا يمنع من تحريم بعض البيوع بسببٍ خارج عن حقيقة البيع.
وأيضًا فإن إحلال البيع مع تحريم الربا يقتضي أن بعض البيوع محرَّم، وذلك البعض لا يُعلَم حتى يُعلم الربا، فيكون مُجملًا، أو يكون كلّ ما يُسمَّى ربًا خارجًا عن الإحلال، والربا إمّا عامٌّ أو مجمل. ولأجل هذه المآخذ اختلف الناس هل المُحَلُّ والمحرَّمُ هنا مجملٌ أو عام، مما ليس هذا موضع استقصائه
(1)
.
قال المصنف
(2)
: (ولئن منع الإضافة وقال: إنه غير مضاف أو غير ثابت بالأصل
(3)
، فذلك باطلٌ يُعرَف من بعدُ).
يعني إن منعَ إضافةَ الحكم إلى المشترك بين صورة الإجماع وصورة النزاع، وقال: إن الحكم غير مضاف إلى المشترك، أو التخصيص غير ثابت في صورة الإجماع. أما الأول فلما تقدم ذكره من النافي للتخصيص، يقول: أحد الأمرين لازم إما عدم الإضافة أو عدم التخصيص، فإنه يكون قد ادَّعَى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء.
وقد تقدم الكلام على عدم جواز هذا، وسيأتي إن شاء الله، وذلك أنه
(1)
انظر طرفًا من هذه المسألة في «مجموع الفتاوى» (11/ 152 وما بعدها).
(2)
«الفصول» (ق 6 ب).
(3)
في «الفصول» : «غير ثابت أو غير مضاف» .
يدَّعي عدمَ الإضافة، وقد انعقد الإجماع على وقوع التخصيص، فيكون عدم التخصيص لازم الانتفاء. وأقلُّ ما فيه أن يُقابَل بمثله، فيقال: لا يتحقق أحدهما لتحقق أحد الأمرين الآخرين اللَّذين أحدهما عدم التخصيص في صورة الإجماع أو الإضافة إلى المشترك، وإذا تحقق أحدهما ولم يتحقق عدم [ق 156] التخصيص تعيَّن إضافة الحكم إلى المشترك، وذلك يناقض ما ادعيتم من نفي الإضافة.
قوله
(1)
: (وكذلك إذا قيل
(2)
: لو أضيفَ لتَرجَّح القياسُ على النصّ، فإن الترجيح بعد التعارض
(3)
، ولا تعارضَ بينهما في الحقيقة).
هذا كلام صحيح في الأصل، وهو كلام من يجوِّز تخصيص العموم المخصوص بالقياس، فإن المانع يقول: لو أضيف الحكم إلى المشترك للزمَ ثبوت الحكم في الفرع، فيلزم ترك العمل بالعموم، وذلك تقديم القياس على النصّ، وهذا لا يجوز، لِما
(4)
تقدم من الحجج الكثيرة.
وجوابُه أن الترجيح بعد التعارض، ولا تعارض بين النصّ والقياس، لأنّ النصّ لم يدلَّ على الحكم في صور التخصيص، وإذا لم يكن مراده لم يكن قد تعارضا. وهذا معنى قولِه «في الحقيقة» ، وقد تعارضَا في الظاهر، لأن العموم يُثبِتُ الحكمَ في ذلك الفرد، والقياس ينفيه. لكن يقال: إنما
(1)
«الفصول» (ق 6 ب).
(2)
في «الفصول» : «قال» .
(3)
في الأصل: «بعد لا يعارض» ، والمثبت من «الفصول» .
(4)
في الأصل: «كما» .
قدَّمنا القياسَ على دلالة العموم، وذلك غير محذور، وليس هو ترجيحًا للقياس على النصّ.
ومنهم من يُقرِّر هذا بوجهٍ آخر، فيقول: لو أضيف الحكم إلى المشترك لكانت الإضافة متحققةً في نفس الأمر [و] امتنع أن يعارضها نصٌّ، لأنّ النصّ كلام الشارع، وهو مما يُوجِب العلم في الشرعيّات لكونه مَصُونًا عن الخطأ، والقياسُ رأيُ المجتهد وقد يُخطِئ ويُصيب ولأن النصّ مُثبِتٌ للحكم، والقياس مُظهِرٌ لمحل آخر يثبت فيه مثل حكم النصّ، فكيف يُعارضه؟ فكيف يتعارضان؟ وإذا امتنع تعارضهما امتنع الترجيح، لأنه فرع التعارض. لكن وقوع الإضافة دليلٌ على عدم النصّ المعارض، فلا ترجيح للقياس على النصّ.
واعلم أنّ الجواب الأول الاعتراضُ عليه ببيان دلالة العام على صور التخصيص وغيرها، وحينئذٍ يعود الكلام المتقدم.
وأما الثاني فضعيف لوجهين:
أحدهما: أنه هَبْ أن الإضافة لو كانت واقعةً لما عارضت النصّ، لكن وقوعها في نفس الأمر غير معلوم، وإنما دلَّ عليه المناسبة ونحوها، فيكون ما ذكرته على صحة وقوع الإضافة معارضًا للنصّ، ومعنى الكلام: إن قلتم بالإضافة لزمَ المحذور.
الثاني: أن المعارضة بين دلالة النصّ وبين القياس. وهذا واضح.