المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ لا يصح اندراج الإيجاب أو التحريم فيه إلا بإضمار الأحكام - تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل - جـ ١

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[فصل في التلازم]

- ‌جوابُه من وجهين:

- ‌ كلُّ تقديرٍ لا ينشأ منه قيامُ مقتضٍ ولا نفيُ معارضٍ فإنه غير مفيد

- ‌ معارضة المستدلّ بما ينفي التلازم على وجوهٍ كثيرة

- ‌ كلام المستدلّ إنما يصحّ إذا كان قد بيَّن التلازمَ بطريقٍ صحيح

- ‌(فصل في الدوران)

- ‌ الدوران يفيد كونَ المدار علةً للدائر، بشرطِ أن لا يُزاحمه مدارٌ آخر

- ‌ المثال الذي ذكره صاحبُ الجدل غيرُ مستقيم أن يحتج فيه بالدوران

- ‌ تخلُّف العلّيةِ مع وجود الدوران كثيرٌ لا يُحصَى

- ‌[فصل في القياس]

- ‌ أكثر الأفعال تجتمع فيها الجهات الثلاث

- ‌ كيف يجوز تعليلُ أحكام الله بالمصالح

- ‌معنى قولنا: «إنه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا لباعثٍ»

- ‌ المصالح إنما تكون مصالح إذا تجردت عن المفاسد أو ترجحتْ عليها

- ‌ إثباتَ العلّة بالمناسبة أقوى من إثباتها بالدوران

- ‌ هذا الكلام يقدح في القياس القطعي والظني، وما قَدَح فيهما فهو باطلٌ

- ‌ ثبوت المشترك له ثلاث(2)اعتبارات:

- ‌ مناقشة جدلية

- ‌ الدعاوي إذا تعدَّدت لم ينفع تعدُّدها أن يكون الدليلُ على كلٍّ منها غيرَ الدليل على الأخرى

- ‌ الجدل الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالًا وسؤالًا وانفصالًا

- ‌ قَويَّ العمومِ مقَدَّمٌ على ضعيف القياس، وقويّ القياسِ مقدَّم على ضعيف العموم

- ‌ الشارع لا يُخصِّص العام حتى يَنْصِبَ دليلًا دالًّا على عدم إرادة الصورة المخصوصة عقليًّا أو سمعيًّا أو حسّيًّا

- ‌ التخصيص مشتملٌ على أمر وجودي وعدمي

- ‌الدليل يجوز أن يكون عدميًّا باتفاق العقلاء

- ‌ لفظ المصدر يدلُّ على تمام المقصود

- ‌ منع العموم يحتمل شيئين:

- ‌ المرجع في ذلك إلى استقراء صور الاستعمال

- ‌(فصل في تعدية العدم)

- ‌ تقريرُ كلامِه

- ‌(فصلٌ في تَوْجِيْه النُّقُوض)

- ‌ توجيهٌ ثانٍ للنقض

- ‌(فصل في النقض المجهول

- ‌ اقتضاءَ العلةِ المعلولَ أمرٌ فطريّ ضروري

- ‌ صحَّة الحكم لا يستلزم صحةَ الدليل المعيَّن

- ‌ أصل هذا الفساد: دعوى التلازم بين مسألتين لا مناسبة بينهما

- ‌(فصل

- ‌الواجب في مثل هذا الكلام أن يُقابل بالمُنُوعِ الصحيحة

- ‌(فصل

- ‌ صورة أخرى للجواب عن المعارَضَةِ بالقياس المجهول

- ‌(فصلٌ في التنافي بين الحُكمَين)

- ‌ التنافي إذا صحَّ بطريقٍ شرعيٍّ فإنه طريق من الطرق الصحيحة كالتلازم

- ‌ الطرق الصحيحة في تقرير التنافي

- ‌يُسْتَدل على التنافي بالأدلة المعلومة في كل مسألة

- ‌بيانُ ذلك من وجهين:

- ‌الأمرُ الاتفاقي لا يدلُّ على التنافي؛ لجواز تغيُّر الحال

- ‌(فصل في التمسُّكِ بالنص، وهو الكتابُ والسنة)

- ‌النصُّ له معنيان

- ‌جميعُ وجوه الخطأ منفيةٌ عن الشارع

- ‌أحدها: دعوى إرادة الحقيقة إذا لم ينعقد الإجماع على عدم إرادة الحقيقة

- ‌العمومات على ثلاثة أقسام:

- ‌(الثاني(3): دعوى إرادة صورة النزاع

- ‌(الثالث: دعوى إرادة المقيد بقيدٍ يندرج فيه صورة النزاع

- ‌(الرابع: دعوى إرادة شيء يلزمُ منه الحكم في صورة النزاع)

- ‌ معارضة الدعوى الرابعة

- ‌(فصل

- ‌ مُدَّعي الإرادة لا بدَّ أن يبين جواز الإرادة

- ‌سبيل هذه الدعاوى أن تُقَابل بالمنع الصحيح

- ‌ الاستدلال بالأمر على الوجوب له مقامان:

- ‌فصلُ الخطابِ في هذه المسألة:

- ‌ الشرائع لم تشتمل على قبيح

- ‌لا يجوز أن يراد به نفي الأحكام الشرعية

- ‌ لا يجوز أن يُراد به نفي الإيجاب أو التحريم

- ‌ لا يصح اندراج الإيجاب أو التحريم فيه إلا بإضمار الأحكام

- ‌(فصلٌ في الأثر)

- ‌(فصلٌ في الإجماع المركَّب)

- ‌ التركيب المقبول فُتيا(4)وجدلًا

- ‌(فصلٌ في الاستصحاب)

- ‌ الاستصحاب في أعيان الأحكام

- ‌الطريق الثاني في إفساده:

- ‌الطريق الثالث لإفساده:

الفصل: ‌ لا يصح اندراج الإيجاب أو التحريم فيه إلا بإضمار الأحكام

إضرارًا، وحيث جاز ذلك مثل: قَتْل القاتل، وجَلْد الشارب؛ فليس بضرر؛ لأنه منفعة عامة للناس ومنفعة خاصة للمحدود بتطهيره من الذنب. وتحقيق العقوبة والمضرة المغمورة في جانب المنفعة ليست مضرة مطلقة، ولهذا لا يُعَدّ نزول الغيث وقت الحاجة ضررًا، وإن كان فيه هَدْم بعضِ البيوت، واحتباس بعض السَّفْر، وانقطاعُ بعض الناسِ عن مصالحهم.

وإذا جُعِل متناولًا للإيجاب أو التحريم لزم تخصيصُه بكلِّ ما أوجبَه الله أو حرَّمه، ومعلوم أن هذه صور كثيرة لا تُحْصَى أشخاصها، وإذا دار الأمرُ بين ما يلزم منه التخصيص وبين ما لا يلزم منه التخصيص، كان حملُه على ما يقتضي بقاء عمومه وحفظَه عن التخصيص أولى؛ لما في التخصيص من مخالفة الأصل، وهذا ظاهر.

ولو سُلِّم أنا إذا حملناه على أفعال العباد كان فيه تخصيص لكان يقال: إذا حُمِل على الأحكام كَثُر فيه التخصيص، وما كان على خلاف الأصل فكثيره على خلاف الأصل.

الوجه السابع: أنه‌

‌ لا يصح اندراج الإيجاب أو التحريم فيه إلا بإضمار الأحكام

؛ لأن الإسلام فِعْل العبد المسلم، يقال: أسلم لله يُسلم إسلامًا، وأسلم وجْهَه لله يسلمه إسلامًا.

فإذا قيل: ليس في هذا الدين ــ الذي هو الإسلام ــ ضرر ولا إضرار، كان حقيقة نفي ذلك عن الدين الذي يفعله العباد. فإذا قصد به: ليس في حكم الله الذي يحكم به على أهل هذا الدين؛ افتقر إلى إضمار. وحَمْل الحديثِ على معنًى لا يفتقر إلى إضمار أولى من حمله على معنى يفتقر إلى إضمار؛ لأن الإضمار خلاف الأصل.

ص: 514

الوجه الثامن: أن الإضمار إنما يجوز إذا دلَّ على

(1)

سياق الكلام، إما بأن لا يصح الكلامُ إلا به، كقوله:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، وقد علم أنَّ الجدران والأرض والسقوف لا تُسأَل، ونحو ذلك، وهنا الكلام يصح بدون [ق 284] هذا الإضمار، وليس في اللفظ قرينة تدلُّ عليه فتمتنع إرادتُه، وهذا قاطِعٌ في نفي الإضمار؛ لأنّ شَرْط جوازه معدوم، ولهذا لم يقصد هذا المعنى في مثل قوله:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقوله:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وبيَّن ذلك بأن أضاف نفيَ الحرجِ والعُسْر إلى الله ليعلم أنه هو الذي نفاه عن حكمه في دينه، وهنا فاعل الضرر والإضرار غير مذكور، ومحله هو أفعال العباد، فوجب أن يجعل فاعله هو فاعل محله، ويكون المعنى: أيها الدائن بدين الإسلام لا تُدْخِل فيه ضررًا ولا إضرارًا

(2)

.

الوجه التاسع: أن سياق الحديث وما قُرِن به وضُمَّ إليه يدلُّ على أنه قصد به نفي الضرر أو الإضرار في أفعال العباد، بل في بعض أفعالهم، وذلك أنه قال صلى الله عليه وسلم:«لا ضرر ولا إضرار، وللجار أن يضع خشبةً في حائط جاره، وإذا اختلَفْتُم في الطريقِ فاجعلوه سبعةَ أذْرُع» . ولابدَّ أن يكون بين الجُمَل المعطوف بعضها على بعض نوعُ مناسبةٍ، والمناسبة هنا أن التجاور في الأملاك مَظِنَّة تضرُّر أحد الجارين بالآخر، أو إضراره به، كما يشهد به الواقع، فأراد صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن ذلك وينفيه عن دين الإسلام، ولذلك

(3)

قال:

(1)

كذا والظاهر «عليه» .

(2)

الأصل: «ضرر ولا إضرار» بالرفع.

(3)

الأصل: «وكذلك» .

ص: 515

«وللجار أن يضَعَ خشبةً في حائطِ جارِهِ» ؛ لأنه إذا احتاج إلى ذلك ولم يُمكِّنْه تضرَّر بذلك.

وكذلك أَمَر بالطريق إذا اقتسموا الأرض أو أرادوا إحياءها أن يجعلوه سبعةَ أَذْرُع، فإنَّ ما زاد على ذلك ضَرَرٌ بالمُلَّاك، وما نقصَ عن ذلك ضرَّر بأبناء السبيل، ولهذا عامَّةُ الفقهاء والمحدِّثين إنما يذكرون هذا الحديث في أبواب الصلح وأحكام الجِوَار، وكذلك احتجَّ به طوائفُ من الفقهاء مثل الإمام أحمد

(1)

وغيره على أنه ليس لأحد الجارين أن يفعل في ملكه ما يضرُّ بجاره، مثل إحداث رَحًى أو كنيف ونحو ذلك، وأنه ليس للجار أن يمنع جارَه مما هو محتاج إليه ولا مضرَّة عليه فيه، كوضْعِ الخشب على جداره القويِّ، وإجراء الخليج في أرضه، كما قضى به عمر بن الخطاب

(2)

، وغير ذلك، كما هو مُبَيَّن في مواضعه من كتب الفقه، وإن كان في هذه المسائل خلاف معروف، وفي بعضها أيضًا خلافٌ في مذهب أحمد.

ومن تأمل الحديث علم قطعًا أن هذا هو مقصودُ الحديث أو أكثر مقصوده.

الوجه العاشر: سلَّمنا أن اللفظ عامٌّ، لكن قصره على سببه جائز إذا دلَّ دليل على ذلك، وهنا أدلة كثيرة تدل على أن عمومه فيه محاذير، وقصرُه على سببه لا محذورَ فيه، فيكون أولى.

(1)

انظر «مسائل عبد الله بن الإمام أحمد» رقم (1368).

(2)

أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (2173)، والشافعي في «مسنده» رقم (444)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى»:(6/ 157). وصححه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : (5/ 133).

ص: 516

الوجه الحادي عشر: لا نُسَلِّم أن شيئًا من الوجوب أو التحريم ضرر أو إضرار.

قوله

(1)

: «الإضرار يفوت المطلوب» .

قلنا: لا نُسَلِّم.

قوله: [ق 285]«الإضرار دار معه وجودًا وعدمًا» .

قلنا: لا نُسَلِّم؛ لأن دورانه معه: أن يوجد حيثُ وُجِد، ويُعْدَم حيث عُدِم، وقد رأينا ما لا يُعَدّ ولا يُحصى من فوات المطلوب، ولا يُعد ذلك ضررًا، ولا تفويته إضرارًا، فإن فضلات المطالب مثل العمر الطويل جدًّا بحيث يعيش عشرة آلاف سنة، والمال الواسع بحيث يملك كل ما على الأرض، والرِّياسة العامة بحيث يستولي على أقطار المعمورة، والعلم المحيط بحيث لا يخفى عليه إلا ما شاء الله، والقوَّة التامَّة بحيث يقتدر على ما يريد، والسمع النافذ، والبصر التام، إلى غير ذلك مما هو مطلوب للنفوس في الجملة، بمعنى أنها تريدُه وتشتهيه وتسعى في تحصيله لو أمكن، وإنما أقعدها عنه اليأس من حصوله= فإنه فَوْتُ مطلوبٍ، ولا ضررَ على من فاته ذلك.

بل من المعلوم أن الملك قد فات النوع إلا وحدًا، وهو مطلوب النوع، ومع هذا فلا يعدون فواته ضررًا، ولا نُسَلِّم أنه دار معه عدمًا، فإن الرجل قد يتضرَّرُ من غير فَوْت مطلوب، وذلك لأن الطلب مسبوق بتصور المطلوب، والإنسان قد يكره أشياءَ وهي تضره، وإن كانت نفسُه لا تستشعر طلبَ أضدادها، فإن الإنسان يتضرَّر بالمرض، وهو لا يستشعر الصحة فلا يطلبها، لكن لو حصل له المرض لتألم به، ولهذا أكثر الناس غافلون عن طلب عدم

(1)

انظر ما تقدم (ص 502).

ص: 517

ما يضرّهم وجودُه.

الوجه الثاني عشر: لو سلمنا أن الإضرار دار مع ما ذكرتم، فقد دار أيضًا مع فوات اللذة، أو مع وجود المنافي للكمال، ودار أيضًا مع حصول المؤلم الموجع، ودار أيضًا مع تألُّم القلب، وتفسيرُ الضررِ بهذا أصح؛ لأنه مطَّرِدٌ منعكس، فإن كلّ من فاتته لذة، أو حصل له ألم، أو فاته ما ينافي كمالَه يقال: قد تضرَّر، وإن لم يحصل شيءٌ من ذلك لا يقال: تضرر، ولو لم يكن أصحَّ لكن هو مدارٌ آخر، فلا يتعيَّن ما ذكرتم، وإذا كان كذلك فلا تَفُوت اللذة، أو يحصل الألم، وإن فُرِضَ رجلٌ شحيح حريص خروجُ الدرهمِ يُمِضُّه كانت طبيعتُه فاسدة فلا يُلْتَفت إلى تألُّمه ولا يستحق أن تنقلب الحقيقةُ به مدربة

(1)

.

كما أن وجود الممرور العسلَ مرًّا، أو رؤية الأحول الواحدَ اثنين، ونحو ذلك= لا يغيِّرُ حقائقَ الموجودات؛ لأن القوة الدَّرَّاكة قد فسدت.

ويبيِّن صحةَ هذا: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال [لمن] قُتِل يوم أحد فأثْنَت عليه أمُّه خيرًا، فقال:«وما يُدْرِيْكِ لعَلَّه كان يتكلَّمُ فيما لا يَعْنِيْه، ويَمْنَعُ ما لا يَضُرُّه»

(2)

، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مَنْع [ما] لا يضره عيبًا، فلو كان منع ما

(3)

يضره

(1)

كذا بالأصل. ولعلها: «مَرزِئةً» .

(2)

أخرجه أبو يعلى رقم (4004) ــ بلفظ المؤلِّف ــ والترمذي رقم (2316)، وأبو نُعيم في «الحلية»:(5/ 56)، والبيهقي في «الشعب» رقم (10341 و 10342)، والضياء في «المختارة»:(6/ 220). كلهم من حديث الأعمش عن أنس، واخْتُلِف على الأعمش فيه.

قال الترمذي: «هذا حديث غريب» .

وقال ابن عبد البر في «التمهيد» : (10/ 228): «وهذا الحديث ليس بالقوي؛ لأن الأعمش لا يصح له سماع من أنسٍ، وكان مدلِّسًا عن الضعفاء» اهـ.

(3)

الأصل: «ما لا» والصواب حذف «لا» .

ص: 518

عيبًا أيضًا لم يخصه بالذكر، ومعلومٌ أن مَنْع الزكاة عيب، فيكون مانعها مانعًا [ق 286] ما لا يضره، فلا يكون إيجابها إضرارًا.

الوجه الثالث عشر: سلمنا أن الإضرار تَفْوِيْت المطلوب؛ لكن متى؟ إذا حَصَلَ

(1)

له بفوات مطلوبٍ أشرفَ منه أم مطلقًا؟ الثاني ممنوع، والأول مُسَلَّم. وهذا ظاهر، فإن العقلاء عن آخرهم لا يعدُّون من أخرج درهمًا وأخذ أَلف دينار متضرِّرًا، ولا يعدُّون من فُوِّت عليه ثوب من ثيابه وأُعطي أحمالًا من البزِّ أنه قد أضرَّ به، فلا بدَّ أن يقال: فوات مطلوب لا ينجبر بخير منه، إذ لا يَنجبر بمثله أو بخير منه. ومعلوم أن سلامة الملك من الزوال ــ وإن كانت مطلوبةً ــ لكن يحصل بفواتها إذا أُدِّيت الزكاة من تحصين المال، وتزكية النفس، وغفران الذنب، ورحمة الله في الدنيا، وعظيم ثوابه في الآخرة، إلى غير ذلك من المطالب العظيمة والمقاصد الجسيمة ما ينغمر في جانبه فوات قليل المال، وحينئذٍ فلا يكون الإيجاب إضرارًا، بل نفعًا أيَّ نفع، وهذا معلوم بالضرورة.

الوجه الرابع عشر: أن تَرْك الإيجاب يفوِّت هذه المطالب أيضًا؛ لأنه بتقدير عدم الإيجاب لا يحصل له شيء من هذه المطالب، وحينئذٍ فيكون عدم الإيجاب إضرارًا، فيكون منتفيًا، وهذه معارضة، والترجيح معنا؛ لأن الإيجاب تفويت بعض المطالب، ونفي الإيجاب تفويت مطالب أشرف منها، وإذا دار الأمرُ بين تفويت مطلوبَيْن، كان تفويت أدناهما لتحصيل أعلاهما هو الواجب، وهذا ظاهر.

الوجه الخامس عشر: لا نُسَلِّم أن سلامة الملك عن الزوال مطلوب

(1)

يعني الإضرار.

ص: 519

مطلقًا.

فإن قال: إنّا نرى الناسَ يحرصون على جمع المال ويصونونه عن أسباب التَّلَف والزوال.

قلنا: إنما يصونونه إذا تلف ضائعًا إما بِحَرق أو غرق ونحو ذلك، أما سلامته عن الزوال بالإعطاء للجنس، فلا نُسَلِّم أنه مطلوب لهم.

فإن قيل: هو مطلوبٌ لهم أو لأكثرهم، فإنَّ أحدَهم إذا خُيِّر بين أن يعطي أو لا يُعطي، كان حفظُ ماله أحبَّ إليه.

قلنا: هذا مُعارَض بمن إذا خُيِّر بين الإعطاء وعدمه، كان الأعطاءُ مطلوبَه ومقصودَه، كما قيل:

تراه إذا ما جئتَه متهلِّلًا

كأنَّك تُعطيه الذي أنت نائلُه

(1)

ولو لم يكن في كفِّه غير روحِه

لجاد بها فَليتق اللهَ سائلُه

(2)

وهذه من طباع الأسخياء و

(3)

الأجواد غير منكورة ولا مدفوعة، وإنهم يتلذَّذون بالعطاء، ويرون سلامة

(4)

المال عنه مصيبة وبلاء.

فإن قيل: هؤلاء مغمورون بالنسبة إلى الجمهور، والاعتبار عند التعارض بالأكثر.

(1)

في الأصل: «سائله» ، وعلق في الهامش: لعله نائله، أقول: وهو الصواب.

(2)

البيتان لعبد الله بن الزبير الأسدي، كما في «الأغاني»:(14/ 220).

(3)

هذه الجملة شبه مطموسة، ولعلها كما أثبت.

(4)

كلمة غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبت.

ص: 520

قلنا: الناس ثلاثة أصناف:

أحدهم: إذا رأى المحاويج من الفقراء [ق 287] والغارمين وغيرهم كان حِفظُ قليل ماله أحبَّ إليه من سدِّ خَلَّاتهم، وهؤلاء الأشِحِّاء، وهم قليل.

والثاني: من يُؤْثِرُ سدَّ خَلَّةِ المحتاج على قليل ماله طبعًا وخُلُقًا، بحيث يرى أنه إذا ملك عشرة آلاف درهم فَسَدَّ خَلة ناسٍ من المحاويج بربع عُشْرها، فهو أحب إلى طبعه من سلامةِ هذا المال، ومعلومٌ أن هذا هو الغالب على الطباع.

الصنف الثالث: من يكون طبعُه يُحب سدَّ الخَلَّات وإعطاء السُّؤَّال ولو بضرر نفسِه، وهذا طبع الأجواد، وهذا قليل كالأول.

فإن كان غالبُ الناسِ لا تُؤثِر طباعُهم سلامة قليل المال عن سدِّ خلات المحاويج، لم يصح أن يكون عدمُ إيجاب الزكاة مطلوبًا، ولو فُرِضَ أن غالبَ الطباع تأبى ذلك وبعضُ الطِّباعِ تحبُّ إعطاء المحاويج، كانت رِعايةُ هذا الجانب أولى؛ لأن القليلَ إذا كان أفضل وأشرف كان ترجيحُه على كثيرٍ منقوصٍ هو الواجب، ولهذا عشرةُ شُجْعان يقهرون مائة جبان.

الوجه السادس عشر: قوله: «الإيجاب إضرار بالعبد» .

قلنا: إيجابُ ما لم يوجبه الشارع [لا يجوز، والشارع]

(1)

أعلم بما ينفع الخلقَ وما يضرهم، وهو أرحَم بهم من الوالدة بولدها، فما أوجبه لم يوجِبْه إضرارًا بهم، أمَّا ما لم يوجِبْه فقد يكون إيجابه إضرارًا بهم، وحينئذٍ فلا يمكن الاستدلال على نفي الإيجاب بنفي الإضرار، إلا إذا عُلِم أنَّ الشارعَ لم

(1)

كأن هنا سقطًا، وقدرناه بما بين المعكوفتين.

ص: 521

يوجبه، ولو عُلِم أنه لم يوجِبْه لاستُغْنِي عن الاستدلال على نفي إيجابه.

أو نقول: العلمُ بكونه إضرارًا موقوف على العلم بعدم إيجابه، فلو كان علمنا بعدمِ إيجابه مستفادًا من العلم بكونه إضرارًا لزم الدَّوْر.

الوجه السابع عشر: لو سلَّمنا أن الإيجاب أو التحريم إضرار، لكن هو واقع، فإن الإيجاب والتحريم واقعان، فيكون هذا الإضرار واقعًا، وإذا كان واقعًا لم يصحَّ الاستدلالُ على عدم وقوعه.

فإن قال: هو واقعٌ في غير محلِّ النزاع، فأنا أتمسَّك بالنافي للضرر في محلِّ النزاع.

قيل له: الدالُّ على وقوعه في محلِّ النزاع قياس هذا الإيجاب على سائر أنواع الإيجاب، وهذا دليلٌ خاصٌّ، والنافي للضرر عامٌّ مخصوص، والقياسُ مقدَّم على العامِّ المخصوص، لاسِيَّما مثل هذا القياس.

فإن قيل: إنما يصح تخصيصُه بالقياس إذا بيّن أن قَدْر ضرره مثل قدر الضرر في صورة الإجماع.

قيل: هذا مُبَيَّن، فيبيِّن الخصمُ أن صورة النزاع تساوي صورة الإجماع.

أو يقول: هذا النافي للضرر مُعارَض بما في الإيجاب من المصلحة المشتركة، فيبقى القياسُ خاليًا عن المانع.

أو يقول: النافي للضرر عمومٌ مخصوص في كثير من المواضع، فضعُفَت دلالتُه، وهو واردٌ على سببٍ، فضعُفَت دلالتُه من جهةٍ أُخرى،

ص: 522

والضررُ الموجود في صورة النزاع لو فُرض قَصْره عن

(1)

صورة [ق 288] الإجماع لما كان التفاوت إلا شيئًا

(2)

يسيرًا، وهذا الفرقُ اليسير لا يمنعه عن أن يكون من الأقْيِسَة المتوسِّطة إن لم يكن من القويَّة، والأقْيِسة المتوسِّطة راجحة على عموم في غاية الضعف؛ لأن هذا القياس يحتجُّ به عامةُ الفقهاء، وتلك العمومات يُخالف فيها كثيرٌ منهم، والاتفاقُ دليلُ قوة الدليل، كما أن الاختلاف مُشْعر بعدم ظهور قوّته.

الوجه الثامن عشر: استدراكٌ على قوله: «الإضرار يدور مع المفوت للمطلوب وجودًا وعدمًا، فيكون حقيقة» .

أي: يكون المفوِّت للمطلوب حقيقةً للإضرار، وهذا ليس بجيِّد؛ لأن حقيقة اللفظ مُسَمَّاه ومعناه، ومسمَّى الإضرار ليس هو المفوت، وإنما هو التفويت.

الوجه التاسع عشر: أن دورانه معه كما أنه يدلُّ

(3)

على أنه حقيقةٌ له فقد دلَّ على أنه علةٌ له، فإنَّ معنى الاسم يدورُ معه وجودًا وعدمًا، كدوران المحدود مع الحدِّ، والمعلولُ يدور مع العلة، فلماذا كان الدوران دليلًا على أنه حقيقة له ولِمَ

(4)

لم يكن دليلًا على أنه علة له؟ فكان على هذا التقدير حقُّه أن يقال: فيكون المدار علة للدائر، فيكون المفوِّت للمطلوب علة للإضرار. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم إنما نفى الإضرار، ولم ينفِ علةَ الإضرار، فيجوز أن

(1)

غير بيِّنة في الأصل، ولعلها ما أثبت.

(2)

الأصل: «الأشياء» !

(3)

الأصل: «يدلُّ على أنه يدل» !

(4)

الأصل: «ولو» ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 523

يكون التفويتُ علة الإضرار، والإضرارُ لم يوجد لوجودِ مانع مَنَع من كونه إضرارًا، والأمر كذلك، فإن التفويت إنما يوجب الإضرار إذا لم يحصل له مطلوب آخر كما تقدم.

الوجه المُوفِي عشرين: أنَّ ما ذكرتَه من الدليل إنْ دلَّ على أنَّ الإيجاب إضرار، لكن مَعَنا ما يدلُّ على أنه ينفع

(1)

؛ لأنَّ الإيجابَ يبعثُ النفوسَ على الأداء، فيحصل لها الثواب الذي لا يحصل بدون هذا الأداء ــ وهو أمور مطلوبة ــ من تحصين المال، وتزكية النفس، وقضاء حاجة المحاويج، ومعلومٌ أنَّ هذه أمور مطلوبة، والوجوب مُحَصِّل

(2)

لها، فيكون نفعًا؛ لأنَّ النفعَ دار مع الإعانة على المطلوب وجودًا وعدمًا، وإذا كان نفعًا كان واجبَ الحصول، لقوله صلى الله عليه وسلم:«من استَطاع أن ينفعَ أخاه فَلْيَفْعَل» حديث صحيح

(3)

، والنبيّ يمكنه نفع المتمَوِّل بإنبائه

(4)

بالوجوب، فيكون مأمورًا بهذا النفع.

وقوله

(5)

: (ولئن قال: المفوت فعل العبد، وهو أداء الواجب أو تركه، فنقول: هذا لا ينفكُّ عن ذلك، فيكون جهةً فيه، ولا يكون مانعًا).

حاصله: أن المفوِّت للمطلوب إنما هو فِعْل العبد أو تركه؛ لأنه إن أدَّى الواجبَ فاتت سلامة المال، وإن تركَ أداءَه فاتت سلامةُ النفس، لكن فعله

(1)

الأصل: «يقع» والصواب ما أثبت بدليل ما بعده.

(2)

الأصل: «يحصل» وما أثبته هو المناسب للسياق.

(3)

أخرجه مسلم رقم (2199) من حديث جابر رضي الله عنه.

(4)

غير واضحة، وهذا ما استظهرتُه.

(5)

«الفصول» : (ق/10 ب).

ص: 524

إنما صار مفوّتًا بإيجاب

(1)

الأداء، إذ لولا الإيجاب [ق 289] لما كان الفعلُ مفوَّتًا؛ لأنه على هذا التقدير يمكنه التركُ من غير تفويتِ سلامةِ النفس؛ ولأن فعله لا ينفكُّ عن إيجاب الشرع، ففعله ملزوم للإيجاب، فيكون الإيجاب جهة فيه، فلا يكون مانعًا من إضافةِ التفويتِ إلى الإيجاب؛ لأنَّ معنى الإضافة إليه: أنه

(2)

إذا وُجِد حَصَل التفويت لا محالة، سواءٌ حصل من ذاته، أو من شيءٍ من لوازمه، ومعلوم أن التفويت يحصل من بعض لوازم الإيجاب، وهو فعل العبد أو تركه، ولهذا كانت إضافة الحكم إلى السبب لا تقدح في إضافته إلى سبب السبب، أو إلى حكمة السبب، أو إلى حكمة الحكمة؛ لأن السبب ملزومٌ لسببه، فإضافته إلى الملزوم لا يقدح في إضافته إلى اللازم، وكذلك حكمة الحكمة ملزومة للحكمة، فإضافته إلى الملزوم لا يقدح في إضافته إلى اللازم؛ لأنه إذا تحقَّق الملزوم تحقق اللازم، فإذا تحقَّقَ السَّببُ تحقَّقَ سبَبُه، وإذا تحقَّقَت الحكمةُ تحقَّقَت حكمةُ الحكمة.

قوله

(3)

: (ولئن قال: لا نُسَلِّم بأن المجموع مطلوب وكيف

(4)

والعاقل يسعى في إبطاله؟ فنقول: هذا مُعَارَض بمثله).

يقول: كما أن العاقلَ يسعى في إبطال هاتين السلامتين فهو يسعى في تحصيلهما، فيبقى ما ذكرناه من الدليل على كونه إضرارًا سالمًا عن المعارض.

(1)

الأصل: «بالإيجاب» .

(2)

الأصل: «لأنه» .

(3)

«الفصول» : (ق/10 ب).

(4)

«الفصول» : «وكيف هو» .

ص: 525

وحاصله: أن الإنسان قد يسعى في إزالة ملكه وفي تعريض نفسه للعقاب، فلا تكون سلامته عن ذلك مطلوبًا له؛ لأن المطلوب لا يبطُل ويعدم ويزال. فقال: هذا متعارض بأنه سعى في إيجاد هذه السلامة، والسعيُ لا يكون لتحصيل شيءٍ إلا وهو مطلوب؛ لأنَّ ما لا يُطْلَب لا يُسْعَى في إيجاده، لكن يمكن أن يُقال: المستدلُّ لم يُقِم دليلًا على أن المجموع مطلوب، فإذا أقام السائلُ دليلًا على كونه غير مطلوب، وعارضَه المستدلُّ بما يدلُّ على كونه مطلوبًا، بقيت دعوى كونه مطلوبًا ليس عليها [دليل] سليمٌ عن المعارضة، فلا تكون مقبولة، وهذا ظاهر.

قوله

(1)

: (ولئن منع كونه إضرارًا في الإسلام. فنقول: الإضرار في أحكام الإسلام مُجْمَلٌ بطريق حذفِ المضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه، وقد تحقَّق في واحدٍ منها فتحقَّق فيها).

أما مَنْع السائل كون الإيجاب إضرارًا في [ق 290] الإسلام فَمَنْعٌ مُوَجَّه، فإن الإسلام هو: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وهذه الأمور لا إضرار فيها.

وأيضًا: فإن الإسلام هو الدين الذي يفعله العباد، والإيجاب ليس هو في أفعال العباد.

فإن قيل: هو متعلِّق بالأفعال، فيصح أن يُقال: هو فيها، ويدلُّ عليه أنه يصح أن يُقال: الإسلام فيه إيجاب وتحريم، وأمر ونهي.

(1)

«الفصول» : (ق/10 ب).

ص: 526

قيل: هذا خلاف مدلول اللفظ، لكن يمكن أن يُجاب عنه بأن الإيجاب يقتضي الوجوب، والوجوب ثابت للأفعال، فيكون

(1)

الوجوب ضررًا في الأفعال، فيكون الإيجاب إضرارًا في الأفعال، فيكون إضرارًا

(2)

في الإسلام.

ويُمكن أن يُجابَ عنه: بأن الإسلام قد يُعنى به نفس الأحكام الشرعية، لِمَا بينهما من التلازم، أو بطريقِ حَذْف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه كما ذكره المُصنِّف، فيكون تقديره: لا إضرار في أحكام الإسلام. وإيجابُ الزكاةِ إضرار، فلو تحقَّق الإضرارُ في واحدٍ من أحكام الإسلام، وهو الإيجاب= لكان قد تحقَّق في الجملة، فلا يصحُّ أن يُقال: لا إضرار فيها، وهو في واحدٍ منها، لكن يُمْكن أن يُقال على هذا: بأن الأصلَ عدمُ الحَذْف والإضمار، وعدمُ التجوُّز وإطلاق أحدِ المتلازمين على الآخر.

ويقال أيضًا: الأحكام يُعنى بها نفس الإيجاب والتحريم مثلًا، ويُعنى بها الوجوب والحرمة.

فإن قلتَ: لا إضرار

(3)

في الإيجاب والتحريم مثلًا، وقد ادَّعيت أن نفسَ الإيجاب إضرار

(4)

لم يصح ذلك؛ لأن الظرف غير المظروف، فأحد الأمرين لازم، إما أن يكون الإيجابُ ليس إضرارًا، أو يكون الإيجاب إضرارًا، فلا يصح أن يُقال: لا إضرار في الإيجاب، كما لا يقال: لا إضرار

(1)

تكررت في الأصل.

(2)

كذا في الأصل، والوجه:«إضرارٌ» .

(3)

الأصل: «ضرار» .

(4)

الإصل: «إضرارًا» .

ص: 527

في الإضرار.

وإن عُنِي بالأحكام ما هو ثابت للأفعال من الوجوب والحرمة، فيكون التقدير: لا إضرار فيما

(1)

هو ثابتٌ للأفعال من أحكام الإسلام، وحينئذٍ يكون نفيًا للإضرار عن الأفعال؛ لأن نفيه عن صفاتها نفيٌ له عنها بطريق اللزوم، وحينئذ فلا يحتاج إلى إضمار «الأحكام» ؛ لأن نفي الإضرار عن الأحكام مُسْتلزمٌ نفيَ الإضرارِ عن الأفعال، فيكون نفي الإضرار عن الأفعال مع كونه سليمًا عن الإضمار أعم معنًى، فيكون أولى، فلا حاجة إلى التعسُّف.

(1)

الأصل: «فما» .

ص: 528