الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التي وعدهم الإله بها، واعتبار أن وعد الله لا يسقط بالتقادم ولا يتراجع، حتى وإن رفض اليهود المسيح؛ ولذا فإن كل من يعارض اليهود أو يقف في وجه عودتهم إلى فلسطين يعتبر من أعداء الله وأعداء المسيح، والمحور الأساسي في هذا كله يدور حول الشروط التي يجب توافرها لتحقيق العصر الألفي السعيد، وعودة المسيح الثانية.
وأهم هذه الشروط هو استرجاع أو نقل اليهود إلى فلسطين، وقد أدت هذه العقيدة إلى انتشار ظاهرة قبول اليهود في عدد من الدول الأوروبية، ففي منتصف القرن السابع عشر تم الاعتراف بالجماعات اليهودية، وحصلت على وعد بحرية ممارسة عباداتها، بعد أن ظلت بريطانيا خالية من اليهود تقريبًا حتى نهاية القرن السادس عشر، ولم يحصل اليهود على حقوق المواطنة إلا ابتداء من سنة ألف وسبعمائة وثمانية عشر، وكان يقف وراء هذا الاعتراف تطلعات المجتمع الإنجليزي التجاري الاستعمارية.
الحكومات النصرانية التي تدعم الأصولية النصرانية
استخدمت هذه الحكومات النصرانية في دعمها للأصولية النصرانية أبشع الوسائل القمعية في التكريز بالإنجيل، أو نشره للعالم أجمع، ففي روسيا مثلًا حين تحول "فلاديمير" الروسي عن الوثنية -بفضل مساعي الأصوليين من رجال الكنيسة الإغريقية- أصدر مرسومًا في اليوم التالي لتعميده؛ يقضي بأن يذعن الروس كافة سادة وعبيدًا أغنياء وفقراء للتعميد، وفق طقوس الديانة المسيحية.
وفي مستهل القرن السادس عشر نشط رجال الشرطة الروسية ورجال السلطات المدنية فيها في تأييد أعمال رجال الكنيسة لتنصير "القرغيز"، وهي جماعة تترية
تسكن في روسيا، ولما لم يكن القساوسة الروسيون يفهمون لغة "القرغيز" لم يلبثوا أن أهملوا شئونهم، ولم يكن هناك بد من الاعتراف بأن هؤلاء الذين تحولوا حديثًا لم يكونوا يتمسكون بالعقيدة المسيحية أو يعرفونها، ولما أخفقت العطاءات الروحية أمرت الحكومة موظفيها بأن يلطفوا من هذه الحالة، ويحبسوا الناس ويكبلوهم بالحديد، ويحولوا بذلك دون تعليم هؤلاء الذين لا يطيعون أوامر المطران برغم تعميدهم.
في القرن الثامن عشر جاءت حكومة الإمبراطورية "كاترين" الثانية في روسيا، وبذلت جهودا جبارة في دعم الأصولية الأرثوذكسية في جهودها التنصيرية، حتى إنها أصدرت مرسومًا بأن يوقع كل من هؤلاء الحديث العهد بالمسيحية على إقرار كتابي، يتعهدون فيه بترك خطاياهم الوثنية وتجنب كل اتصال بالكفار، وعلى الرغم من هذا كله لم يكن هؤلاء الذين أطلق عليهم التتار المعمدون إلا مسيحيين اسما فقط، لا يبعد أن تكون أسماؤهم قد دونت في السجلات الرسمية باعتبارهم مسيحيين، ولكنهم وقفوا في ثبات وقوة في وجه أية محاولة لتنصيرهم.
وفي أوربا كانت أبرز الحكومات التي دعمت الأصولية بشدة هي حكومة "شارل مان"، ونحن نقرأ في تاريخ 772 وحتى 798 عن استمرار الغزوات المتعاقبة، وتحول المسيحية إلى مؤامرات وأعمال قمع، وبمجرد إخضاع إحدى القبائل الألمانية فإن تحولها إلى المسيحية كان يدرج في بنود السلام، كثمن يمنح لها نظير تمتعها بحماية الإمبراطور وحكومته، ولقد سجل التاريخ أن "شارل مان" قتل في يوم واحد أربعة آلاف وخمسمائة سكسوني، تفرض حكومته عقوبات وحشية ضد أي خرق لمجموعة القواعد المسيحية، ومنها أن أي سكسوني غير معمد يحاول أن يختبئ بين شعبه ويرفض التعميد مسيحيا سوف يقتل، وأن أي شخص من الوثنيين يتآمر ضد المسيحيين سوف يقتل.
ولهذا يقول الأصوليون النصارى: إن "شارل مان" يعتبر بلا جدال واحدًا من أعظم الشخصيات في تاريخ كل من الكنيسة والعالم، وقد وجدت في أوربا صور عديدة من "شارل مان" هذا عاثت في الأرض فسادا، سفكت الدماء وانتهكت الأعراض وأكرهت الناس على موافقتهم في النحلة، أما في الحروب الصليبية فإن الباباوات استطاعوا بخبثهم ودهائهم أن يجعلوا من الحكماء والشعوب الأوروبية أصوليين، يتحدثون جميعًا باسم الإنجيل وتعاليمه.
وقد بدأت هذه الدعوات الأصولية بنداء أطلقه البابا "أربان" الثاني، بتحريض من بطرس الناسك في سنة تسعمائة وخمسة وتسعين إلى حكام أوربا وشعوبها؛ بالكف عن الحروب المحلية والخروج بدلًا من ذلك لمحاربة العالم الإسلامي، والاستيلاء على خيراته، وأعلن أن المسلمين كفرة تستباح دماؤهم، ودعا إلى تخليص القبر المقدس من أيديهم، ووعد بغفران الخطايا لقتلى تلك المعارك بمقتضى التفويض الرباني الممنوح له.
وتحكي المصادر التاريخية الإسلامية وغير الإسلامية بشاعة وهول تلك الحملات الصليبية، التي كان رجالها يصيحون بأنهم رسل المسيح وجنوده، فتذكر أن الصليبيين قتلوا نحو سبعين ألفا من سكان بيت المقدس المسلمين، ومعظمهم من النساء والأطفال والعجزة والعزل من السلاح، بل وكان من أحب ضروب اللهو إليهم قتل من يلاقون من الأطفال وتقطيعهم إربًا إربًا، وشيهم كما روت "آن كومنين" بنت قيصر الروم.
يقول "غوستاف لوبون": "ونرى في كل صفحة من الكتب التي ألفها مؤرخو النصارى في ذلك الزمن براهين على توحش الصليبيين. ويكفي لبيان ذلك أن ننقل الخبر الآتي الذي رواه الشاهد المؤرخ الراهب التقي "روبرت" قال: وكان
قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، وكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إربًا إربًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، فيا للعجب ويا للغرابة، كانت الدماء تسيل كالأنهار في المدينة المغطاة بالجثث. ويقول في موضع آخر: واغتاظ مؤرخو النصارى أنفسهم من سلوك حماة النصرانية، مع اتصاف هؤلاء المؤرخين بروح الإغضاء والتساهل، إلى غير ذلك من أحداث".
فإذا قفزنا إلى العصر الحديث وجدنا أن العالم النصراني يدعم الأصولية النصرانية دعمًا لا نظير له، ولعل هذا الدعم يتبين بصورة واضحة عند ذكر تطبيقات الأصولية النصرانية، فمثلًا أحد رؤساء أمريكا وهو "ويلسون" الذي كان يحب أن يلقب بابن راعي الكنيسة، وهو أصولي متعصب جدًا، و"نيكسون" أيضًا كان أكثر رؤساء أمريكا فكرًا وتنظيرًا يقول في كتابه (نصر بلا حرب):"إن صراع العرب ضد اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب، وإسرائيل والدول العربية المعتدلة له من جانب آخر". ويختم كتابه بعبارات لا يتفوه بها إلا أعتى الأصوليين الإنجيليين فيقول: "عندما كانت أمريكا ضعيفة وفقيرة منذ مائتي سنة مضت كانت عقيدتنا هي المبقية علينا، وعلينا ونحن ندخل قرننا الثالث نستقبل الألف سنة المقبلة يجب أن نعيد اكتشاف عقيدتنا ونبث فيها الحيوية"، وقد نشرت له مجلة الشئون الخارجية تعليقًا على اللقاء الأول بين "ريجان" و"جورباتشوف":"يجب على روسيا وأمريكا أن تعقد تعاونًا حاسمًا لضرب الأصولية الإسلامية".
ومن الأدلة التي يستدل بها الباحثون على تدين أمريكا وعودتها إلى المحافظة: أنها اختارت آخر رئيسين قبل "بوش" من المتدينين الأصوليين، وهم "كارتر"
و"ريجان"، فـ "كارتر" كان ملتزمًا التزامًا صارمًا بالكنيسة الإنجيلية، ولا يزال "كارتر" إلى هذا اليوم مبشرًا ويتنقل من أفغانستان إلى الحبشة والسودان، وغير تلك البلدان مدافعًا عن التنصير ومبشرًا بالنصرانية، وهذا معروف عند كل من تتبع أخباره، فهو رجل منصر وقسيس. وقد كان "ريجان" الذي جاء بعده أيضا أصوليًّا متعصبًا. يقول عنه "مايك إيفانز" أحد زعماء الأصولية الإنجيلية:"في يناير سنة 1985 دعا الرئيس "ريجان" "جيمي بيكر" و"جيمي سواجرت" و"جيرو فلاويل" وكلهم من زعماء الأصولية، ودعاني مع مجموعة صغيرة أخرى للقائهم بصورة شخصية، لن أنسى ما قاله لنا أعرب الرئيس -أي "ريجان"- عن إيمانه بأن أمريكا على عتبة يقظة روحية قال: إني مؤمن بذلك من كل قلبي. إن الله يرعى أناسًا مثلي ومثلكم في صلاة وحب لإعداد العالم لصورة ملك الملوك وسيد الأسياد".
وكان لـ"بوش" الأب علاقة صديقة حميمية مع زعماء الأصوليين الإنجيليين وخاصة "جيروفلويل"، الذي يقول عنه "بوش":"أعتقد بكل أمانة أننا برجال من أمثال "جيري" فإن شيئًا فظيعًا كالإبادة الجماعية لليهود لن يحدث ثانية". لذلك فإن "فلويل" هذا أقام حفل غداء على شرف "بوش". وقال في الحفل: "بوش" سيكون أفضل رئيس في سنة ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين". وأما "بوش" الأب فيصف نفسه في كتابه (التطلع إلى الأمام) بأنه متدين وأن جده كان قسيسا، وأنه هو وأسرته يقرءون الكتاب المقدس كل يوم.
وأما "بوش" الابن فلا يستطيع أحد أن ينكر أنه متعصب، بالرغم من أسلوبه الذي يحاول فيه إخفاء هويته الأصولية، من نحو التظاهر بعدم كره الأديان واحترامها جميعا، والتلاعب بالمفاهيم لتحقيق مآربه الأصولية الإنجيلية، فهو