الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفريق بين البدعة المُكَفِّرة والمُفَسِّقة
في الحكم على الرجل بأنه من أهل السنة
السؤال: البعض يقول إن من ابتدع بدعة مكفرة يخرج عن أهل السنة، ومن ابتدع بدعة مفسقة لا يخرج عن أهل السنة، وحتى لو أقيمت عليه الحجة، وأصر عليها، هل يعد من أهل السنة حينئذ؟
الشيخ: أعد.
السؤال: البعض يقول أن من ابتدع بدعة مكفرة يخرج عن أهل السنة ..
الشيخ: أولاً، ما هي البدعة المكفرة وما هي البدعة غير المكفرة؟
مداخلة: بدعة مفسقة وبدعة مكفرة.
الشيخ: ما هي؟
مداخلة: المكفرة كأن يبتدع بدعة كفرية مثل القول بعدم استواء الله سبحانه وتعالى على العرش ونحو ذلك، والبدعة المفسقة كأن يقع في بدعة من بدع العبادات كالمولد مثلاً.
الشيخ: هذا كلام غير صحيح، هذا الكلام منشؤه من علم الكلام، التفريق بين البدعة الأصولية، والبدعة الفروعية، أو البدعة في الأحكام والبدعة في
العبادات، هذا التفريق هو بدعة.
أرأيت لو أن رجلاً جاء إلى سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كسنة الفجر مثلاً، فجعلها أربعاً وأصر على ذلك، من أي نوع هذه البدعة، الأولى المكفرة أو المفسقة؟
مداخلة: على التقسيم تكون من المفسقة.
الشيخ: هذا كلام باطل، من الأشياء التي ورثها الخلف عن السلف وأعني هنا بكلمة السلف غير المعنى الاصطلاحي بيننا، هو التفريق بين الخطأ في الفروع والخطأ في الأصول، الخطأ في الفروع مغتفر، الخطأ في الأصول غير مغتفر، والحديث المعروف صحته:«إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» ، هذا في الفروع، أما في الأصول فالخطأ غير مغفور، هذا لا أصل له لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في أقوال السلف الصالح، وما يوجد في أقوال السلف الصالح فيها ترهيب شديد عن البدعة مطلقاً سواء كانت في العقيدة أو كانت في العبادة، أنا ذكرت آنفاً في الحقيقة:«من كفر مسلماً فقد كفر» وألحقت بها: من بدع مسلماً .. إلى آخره؛ لأن الحقيقة لا فرق عندي بين كفر وبين بدعة، لو أن مسلماً ابتدع بدعة وتبينت له بدعته وأصر عليها كالمثال الذي أوردته آنفاً، فهو كما لو أنكر استواء الله على خلقه، أو أنكر أن القرآن من كلامه أو .. أو .. إلى آخره، لا فرق بين هذا وهذا إطلاقاً، لا سلباً ولا إيجاباً، إيجاباً نقول هذا كفر بالشرط المذكور آنفاً أقيمت عليه الحجة، وذاك كفر بالشرط المذكور آنفاً، بعد إذ قامت الحجة، هذا إيجاباً، سلباً أي لا تكفر لا في هذا ولا في هذا إلا بالشرط المذكور.
أعود المعتزلة والخوارج يلتقون في بعض الضلالات ويختلفون في بعض، مثلاً الخوارج يلتقون مع المعتزلة بالقول بأن القرآن مخلوق، وقد ذكرت لك آنفاً أن المحدثين لا يكفرون الخوارج، إذاً: كيف نجمع في ذهننا أن من أنكر عقيدة فهو كافر، أما من ابتدع بدعة في العبادة فهو فاسق، وها نحن نرى أئمة الحديث يروون عن الخوارج وعن المعتزلة مع أنهم يخالفون العقيدة الصحيحة في غيرما مسألة، فهم مثلاً هؤلاء الذين قالوا بأن كلام الله مخلوق ينكرون أيضاً رؤية الله في الآخرة، هذا الإنكار والذي قبله ينصب عليهما تعريفنا السابق، هو كفر لكن ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، كيف نوفق حينما نجد أئمة الحديث وأئمة السلف كابن تيمية وابن القيم يحكمون بضلال الخوارج والمعتزلة ولا شك، لكن لا يقولون بأنهم كفار مرتدون عن دينهم؛ لأنهم يضعون احتمال أن الأمر شبه لهم أولاً، وأن الحجة لم تقم عليهم ثانياً، نرجع لأصل موضوعنا الأول أن هؤلاء مبتدعة، لكن ما ندري هل هم قصدوا البدعة، هل أقيمت الحجة عليهم .. إلى آخره، هذا هو منهج العلماء يحكمون بضلال المعتزلة وبضلال الخوارج وبضلال الأشاعرة في غيرما مسألة، لكنهم لا يكفرونهم، لا يخرجونهم من دائرة الإسلام، للاحتمال الذي ذكرناه آنفاً، وهو يعود إلى أمرين أذكر بهما: الأول أنهم ما قصدوا الابتداع والمخالفة وهكذا ..
ثانياً: أننا لا ندري أقيمت الحجة عليهم أو لا، فإذاً: حسابهم إلى الله ولنا ظاهرهم، فظاهرم الإسلام وماتوا على الإسلام ودفنوا في مقابر المسلمين، فإذاً هم مسلمون.
فالتفريق إذاً بين البدعة المكفرة والبدعة المفسقة هذا أولاً تفريق اصطلاحي
ناشئ من علماء الكلام، وثانياً لا دليل عليه إطلاقاً.
وأختم الكلام على هذه المسألة بالتذكير بحديث يدلك على ما ذكرته آنفاً أن ليس كل من وقع في الكفر تلبسه الكفر ووقع الكفر عليه، أعني به حديث البخاري من رواية صحابيين جليلين وهما أبو سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كان فيمن قبلكم رجل حضرته الوفاة فجمع أولاده حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فإني مذنب على ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً، فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في البحر ونصفي في الريح، فمات فحرقوه بالنار فذروا نصفه في الريح ونصفه في البحر، فقال الله عز وجل لذراته كون فلاناً فكان، قال الله عز وجل: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: رب خشيتك. قال: اذهب فقد غفرت لك.
فالآن نحن نتساءل كفر هذا الرجل أو لم يكفر؟
مداخلة: كفر.
الشيخ: كفر، لكن الله غفر له.
مداخلة: ما كفر.
الشيخ: أما سمعت، لقوله: ولئن قدر الله علي، ما كفر؟
مداخلة: بهذا القول نعم.
الشيخ: أنا ما حددت، قلت كفر أم لا؟
ونحن نعلم من القرآن الكريم أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، كيف الجمع؟
الجمع يفهم من الكلام السابق، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، لا يغفر أن يشرك به عامداً متعمداً، ما رأيك بهذا القيد؟
مداخلة: جيد.
الشيخ: كويس، لكن موجود في الآية؟
مداخلة: غير موجود.
الشيخ: هل أتينا به على هوانا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: هكذا الشريعة لا تؤخذ من آية من حديث واحد، وإنما من مجموع ما جاء به المسألة، لذلك ليس فقط المسائل الفقهية يجب أن تجمع كل نصوصها حتى نعرف الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمطلق من المقيد، .. إلى آخره، بل العقيدة أولى من ذلك بكثير، فحينما يشرح العلماء هذه الآية:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، عادة لا يتعرضون لمثل هذه التفاصيل، لأن الأمر فيما يبدو لهم واضح ولا يحتاج إلى مثل هذا التفصيل، لكن حينما تأتي الإشكالات والشبهات فهنا يضطر العالم أن يبين ما عنده من علم، فهذا الرجل الذي أوصى بوصية لا أتصور أنها في الجور والظلم والضلالة يمكن أن يكون لها مثل، يحرقوه في النار لكي يضل على ربه، والله يقول:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]،
مع ذلك ربنا غفر له؛ لأن الكفر ما انعقد في قلب هذا الإنسان، وإنما هو تصور ذنوبه مع الله عز وجل وخوفه منه وأن الله عز وجل إذا وصل إليه أنه سيعذبه عذاباً شديداً، هذه الرغبة وهذه الخشية أعمت عليه العقيدة الصحيحة، فأمر بهذه الوصية الجائرة، والحديث واضح، «اذهب فقد غفرت لك» .
إذاً: لا ينبغي نحن أن نتصور أن السيد قطب وقع في وحدة الوجود مثلاً كما نحن نعتقد أنه قاصدها وعقد القلب عليها مثل ابن عربي هذا الذي أضل ملايين من المسلمين الصوفيين إلى آخره، ربما هذه .. فكرية صوفية وهو سجين خطرت في باله وما أحاط بالمسألة علماً، فكتب تلك العبارة التي كنت أنا من أول من انتقدها، ما نحكم عليه بالكفر، لأننا ما ندري انعقد الكفر في قلبه ثم هل أقيمت الحجة عليه وبخاصة وهو في سجنه أنى له ذلك؟ لهذا لا نربط بين كون المسلم وقع في الكفر وبين كونه كافر، ما نربط بين أمرين، هذا أولاً وقد تكرر هذا تحذيراً، وثانياً لا نفرق بين البدعة في العقيدة وبين البدعة في العبادة، كلاهما إما ضلال وإما كفر.
ولعل في هذا القدر كفاية يا أبا عبد الرحمن.
(الهدى والنور/664/ 05: 46: 00)