الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم أقبل على لذاته واختلى مع حبابة، وأمر أن يحجب عن سمعه وبصره كل ما يكره، فبينما هو على تلك الحالة في صفو عيشه وزيادة فرحه وسروره، إذ تناولت حبابة حبة رمان، وهي تضحك، فغصت بها فماتت، فاختل عقل يزيد، وتكدر عيشه وذهب سروره، ووجد عليها وجدا شديدا وتركها أياما، لم يدفنها بل يقبلها ويرتشفها، حتى أنتنت وجافت، فأمر بدفنها ثم نبشها من قبرها ولم يعش بعدها إلا خمسة عشر يوما وكان مرضه بالسل وقال «1» فيها:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى
…
فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
وكلّ خليل زارني فهو قائل
…
من أجلك هذا هالك اليوم أو غد «2»
وسيأتي إن شاء الله تعالى قريب من هذا في باب الدال المهملة في الدابة، عن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وتوفي يزيد بن عبد الملك بإربل من أرض البلقاء وقيل بالجولان، وحمل على أعناق الرجال إلى دمشق، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير وذلك لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة وله تسع وعشرون وقيل ثمان وثلاثون سنة وشهر وكانت خلافته أربع سنين وشهرا.
خلافة هشام بن عبد الملك
ثم قام بالأمر بعده أخوه هشام بن عبد الملك بن مروان. بويع له بالخلافة يوم مات أخوه يزيد بعهد منه إليه. ولما أتته الخلافة، كان بالرصافة فسجد وسجد أصحابه، لما بشر بها وسار إلى دمشق، قال مصعب الزبيري: زعموا أن عبد الملك بن مروان رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من سأل سعيد بن المسيب، وكان يعبر الرؤيا، فقال: يملك من صلبه أربعة.
فكان آخرهم هشاما انتهى.
وكان هشام حازما عاقلا، صاحب سياسة حسنة، أبيض جميلا، سمينا أحول، يخضب بالسواد. وكان ذا رأي ودهاء وحزم وفيه حلم وقلة شره. وقام بالخلافة أتم قيام وكان يجمع الأموال، ويوصف بالبخل والحرص، يقال: إنه جمع من الأموال مالا ما جمعه خليفة قبله. فلما مات احتاط الوليد بن يزيد على تركته فما غسل وكفن، إلا بالقرض والعارية وكان به حول.
وتوفي بالرّصافة في شهر ربيع الآخر بدمشق سنة خمس وعشرين ومائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وقيل أربع وخمسين سنة. وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وقيل عشرين عاما.
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو السادس فخلع كما سيأتي
ثم قام بالأمر بعده ابن أخيه الوليد بن يزيد الفاسق. كان أبوه حين احتضر عهد بالأمر إلى هشام أخيه بأن يكون العهد، من بعده لولده الوليد بن يزيد. فلما مات هشام بويع له بالخلافة يوم موت عمه هشام وهو إذ ذاك بالبريّة فارا من عمه هشام لأنه كان بينه وبين عمه منافسة،
لأجل استخفافه بالدين وشربه الخمر، واشتهاره بالفسق. فهم هشام بقتله ففر منه وصار لا يقيم بأرض خوفا من هشام، فلما كانت الليلة التي قدم عليه البريد في صبيحتها بالخلافة، قلق تلك الليلة قلقا شديدا فقال لبعض أصحابه: ويحك إنه قد أخذني الليلة قلق فاركب بنا حتى ننبسط، فسارا مقدار ميلين وهما يتحدثان في أمر هشام وما يتعلق به من كتبه إليه بالتهديد والوعيد، ثم نظرا فرأيا من بعد رهجا وصوتا، ثم انكشف ذلك عن برد يطلبونه، فقال لصاحبه: ويحك إن هذه رسل هشام، اللهم اعطنا غيرهم، فلما قرب البرد منهما وأثبتوا الوليد معرفة، ترجلوا وجاؤوا فسلموا عليه بالخلافة فبهت، وقال: ويحكم أمات هشام؟ قالوا: نعم، ثم أعطوه الكتب فقرأها وسار من فوره إلى دمشق، فأقام في الخلافة سنة واحدة، ثم أجمع أهل دمشق على خلعه وقتله، لاشتهاره بالمنكرات وتظاهره بالكفر والزندقة.
قال الحافظ ابن عساكر وغيره: انهمك وليد في شربه الخمر ولذاته، ورفض الآخرة وراء ظهره، وأقبل على القصف واللهو والتلذذ مع الندماء والمغنين، وكان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشي بالدف وكان قد انتهك محارم الله تعالى، حتى قيل له الفاسق. وكان أكمل بني أمية أدبا، وفصاحة، وظرفا، وأعرفهم بالنحو واللغة والحديث، وكان جوادا مفضالا. ومع ذلك لم يكن في بني أمية أكثر إدمانا للشراب والسماع، ولا أشد مجونا وتهتكا واستخفافا بأمر الأمة من الوليد بن يزيد. يقال: إنه واقع جارية له وهو سكران، وجاءه المأذنون يؤذنونه بالصلاة، فحلف أن لا يصلي بالناس إلا هي، فلبست ثيابه وتنكرت وصلت بالمسلمين وهي جنب سكرى.
ويقال: إنه اصطنع بركة من خمر وكان إذا طرب ألقى نفسه فيها وشرب منها حتى يبين النقص في أطرافها. وحكى الماوردي، في كتاب أدب الدين والدنيا، عنه أنه تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله «1» تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
فمزق المصحف وأنشأ يقول:
أتوعد كل جبار عنيد
…
فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر
…
فقل يا رب مزقني الوليد
فلم يلبث إلا أياما يسيرة، حتى قتل شر قتلة وصلب رأسه على قصره، ثم على أعلى سور بلده. اه-. وسيأتي هذا أيضا إن شاء الله تعالى في باب الطاء المهملة في الكلام على الطيرة في لفظ الطير وأخباره في مثل هذا كثيرة مشهورة في كتب التواريخ، فلا نطيل بذكرها. وقد جاء في الحديث:«ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، هو شر من فرعون» . فتأوله العلماء الوليد ابن يزيد هذا.
ولما خلعه أهل دمشق بايعوا ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فقال: من أحضر رأس الوليد فله مائة ألف درهم. وكان الوليد بالبحرة فحصره أصحاب يزيد، فهم أصحاب الوليد بالقتال، فنهاهم عن ذلك فانفلوا من حوله، ثم دخلوا عليه في قصره، فقال: يوم كيوم عثمان؟ فقيل له: ولا سواء. فقطع رأسه، وطيف به في دمشق ونصب على قصره، ثم على أعلى سور دمشق.