الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المنان، في وضع كتاب في هذا الشأن وسميته حياة الحيوان، جعله الله موجبا للفوز في دار الجنان، ونفع به على ممر الأزمان، إنه الرحيم الرحمن ورتبته على حروف المعجم، ليسهل به من الأسماء ما استعجم.
باب الهمزة
الأسد
: من السباع معروف، وجمعه أسود وأسد وآسد وآساد والأنثى أسدة وفي حديث «1» أم زرع:«زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد» . وله أسماء كثيرة، قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم وصفة. وزاد عليه علي بن قاسم بن جعفر اللغوي مائة وثلاثين اسما فمن أشهرها: أسامة والبيهس والنآج والجخدب والحارث وحيدرة والدوّاس والرئبال وزفر والسبع والصّعب والضّرغام والضّيغم والطيثار والعنبس والغضنفر والفرافصة والقسورة وكهمس والليث والمتأنّس والمتهيّب والهرماس والورد. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. ومن كناه أبو الأبطال وأبو حفص وأبو الأخياف وأبو الزعفران وأبو شبل وأبو العباس وأبو الحارث.
وإنما ابتدأنا به لأنه أشرف الحيوان المتوحش؛ إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب، لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وجهامته وشراسة خلقه، ولذلك يضرب به المثل في القوّة والنجدة والبسالة وشدّة الإقدام والجراءة والصّولة. ومنه قيل لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه: أسد الله ويقال: من نبل الأسد أنه اشتق لحمزة بن عبد المطلب من اسمه، وكذلك لأبي قتادة، فارس النبي صلى الله عليه وسلم. ففي صحيح مسلم، في باب إعطاء القاتل سلب المقتول. فقال «2» أبو بكر رضي الله عنه:«كلا والله لا يعطيه أضيبعا من قريش، ويدع أسدا من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله» . وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الضاد المعجمة.
وهو أنواع كثيرة، قال أرسطو: رأيت نوعا منها يشبه وجه الإنسان، وجسده شديد الحمرة، وذنبه شبيه بذنب العقرب، ولعل هذا هو الذي يقال له الورد. ومنه نوع على شكل البقر له قرون سود نحو شبر، وأما السبع المعروف فإن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان، يقولون: إن الأنثى لا تضع إلّا جروا واحدا تضعه لحمة ليس فيه حسّ ولا حركة، فتحرسه كذلك ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه بعد ذلك فينفخ فيه، المرة بعد المرة، حتى يتنفس ويتحرك وتنفرج أعضاؤه، وتتشكل صورته، ثم تأتي أمه فترضعه، ولا يفتح عينيه إلّا بعد سبعة أيام من تخلقه، فإذا مضت عليه بعد ذلك ستة أشهر، كلّف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريب. قالوا: وللأسد من الصبر على الجوع، وقلة الحاجة إلى الماء، ما ليس لغيره من السباع. ومن شرف نفسه: أنه لا يأكل من فريسة غيره، فإذا شبع من فريسته تركها، ولم يعد إليها، وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب: وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:
وأترك حبّها من غير بغض
…
وذاك لكثرة الشركاء فيه
إذا وقع الذباب على طعام
…
رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء
…
إذا كان الكلاب ولغن فيه
وقد ألغز بعضهم في القلم فقال «1» :
وأرقش مرهوف الشباة مهفهف
…
يشتّت شمل الخطب وهو جميع
تدين له الآفاق شرقا ومغربا
…
وتعنو له ملاكها وتطيع
حمى الملك مفطوما كما كان تحتمي
…
به الأسد في الآجام وهو رضيع
وإذا أكل نهس من غير مضغ، وريقه قليل جدا، ولذلك يوصف بالبخر، ويوصف بالشجاعة والجبن، فمن جبنه أنه يفزع من صوت الديك، ونقر الطست، ومن السنور، ويتحير عند رؤية النار، وهو شديد البطش، ولا يألف شيئا من السباع لأنه لا يرى فيها ما يكافئه، ومتى وضع جلده على شيء من جلودها تساقطت شعورها، ولا يدنو من المرأة الحائض ولو بلغ الجهد، ولا يزال محموما، يعمّر كثيرا وعلامة كبره سقوط أسنانه؛ روى ابن سبع السبتي، في شفاء الصدور، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أنه خرج في بعض أسفاره، فبينما هو يسير إذ هو بقوم وقوف، فقال: ما لهؤلاء القوم؟ قالوا: أسد على الطريق قد أخافهم، فنزل عن دابته ثم مشى إليه حتى أخذ بأذنه، ونحاه عن الطريق، ثم قال له: ما كذب عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:
«إنما سلطت على ابن آدم لمخافته غير الله، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله تعالى لم تسلط عليه ولو لم يرج إلا الله تبارك وتعالى لما وكله إلى غيره.
وفي سنن أبي داود، من حديث «2» عبد الرحمن بن آدم، وليس له عنده سواه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام إلى الأرض وكأن رأسه يقطر، ولم يصبه بلل، وأنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويفيض المال وتقع الأمنة في الأرض، حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات ولا يضر بعضهم بعضا؛ ثم يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
وفي الحلية لأبي نعيم، في ترجمة ثور بن يزيد، قال: بلغني أن الأسد لا يأكل إلّا من أتى محرّما. وقصة سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الأسد مشهورة، رواه البزار والطبراني وعبد الرزاق والحاكم وغيرهم.
وذكر البخاري في تاريخه أنه بقي إلى زمن الحجاج، روى محمد بن المنكدر عنه أنه قال:
«ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، فأقبل إلي فقلت:
أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا تائه فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه السلام» .
وفي دلائل النبوة للبيهقي، عن ابن المنكدر أيضا، أن سفينة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخطأ الجيش بأرض الروم، وأسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد فقال له:«يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد يبصبص، حتى قام إلى جنبه، فلم يزال كذلك حتى بلغ الجيش، فرجع الأسد» .
واختلف في اسم سفينة رضي الله عنه فقيل رومان وقيل مهران وقيل طعمان وقيل عمير.
روى مسلم له حديثا واحدا والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم، على عتبة بن أبي لهب، فقال:«اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» فافترسه الأسد بالزرقاء من أرض الشأم. رواه الحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه وقال صحيح الإسناد.
وروى الحافظ أبو نعيم بسنده إلى الأسود بن هبّار قال: تجهز أبو لهب وابنه عتبة نحو الشأم، فخرجت معهما فنزلنا الشراة قريبا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما أنزلكم ههنا؟
هنا سباع فقال أبو لهب: أنتم عرفتم سني وحقي، قلنا: أجل. قال: إن محمدا دعا على ابني فاجمعوا متاعكم على هذه الصومعة، ثم افرشوا لابني عليه، وناموا حوله، ففعلنا ذلك وجمعنا المتاع حتى ارتفع، ودرنا حوله، وبات عتبة فوق المتاع، فجاء الأسد فشم وجوهنا ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فقطع رأسه فقال: سيفي يا كلب ولم يقدر على غير ذلك وفي رواية فوثب الأسد فضربه بيده ضربة واحدة فخدشه فقال: قتلني فمات لساعته وطلبنا الأسد فلم نجده. وإنما سماه النبي صلى الله عليه وسلم كلبا لأنه يشبهه في رفع رجله عند البول.
فائدة: روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» .
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم وقال «2» : «بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه وأدخلها معه الصّحفة» .
قال الشافعي رحمه الله في عيوب الزوجين: إن الجذام والبرص يعدي وقال: إن ولد المجذوم قلما يسلم منه. قلت ومعنى قول الشافعي رضي الله عنه إنه يعدي، أي بتأثير الله تعالى لا بنفسه، لأن الله تعالى أجرى العادة بابتلاء السليم عند مخالطة المبتلي، وقد يوافق قدرا وقضاء، فيظن أنه عدوى. وقد قال «3» صلى الله عليه وسلم:«لا عدوى ولا طيرة» ، كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وأما
قوله في الولد: «قلما يسلم منه» فقد قال الصيدلاني: معناه أن الولد قد ينزعه عرق من الأب فيصير أجذم. وقد قال «1» صلى الله عليه وسلم لرجل قال له: إن امرأتي قد ولدت غلاما أسود «لعل عرقا نزعه» وبهذا الطريق يحصل الجمع بين هذه الأحاديث.
وجاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «2» : «لا يورد ذو عاهة على مصح» وإنه صلى الله عليه وسلم أتاه مجذوم ليبايعه، فلم يمد يده إليه بل قال «3» له:«أمسك يدك فقد بايعتك» .
وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطيلوا النظر إلى المجذوم، وإذا كلمتموه فليكن بينكم وبينه قدر رمح» .
وقد ذكر الشيخ صلاح الدين العراقي، في القواعد، أن الأم، إذا كان بها جذام أو برص، سقط حقها من الحضانة، لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها، واستدل بقوله «4» : صلى الله عليه وسلم: «لا يورد ذو عاهة على مصح» . والذي ذكره ظاهر وهو المختار. ويؤيد ما أفتى به ابن تيمية «5» صاحب المحرر، من الحنابلة رحمه الله وصرح به أئمة المالكية، أن المبتلي لو أراد مساكنة الأصحاء في رباط أو غيره، منع إلّا بإذنهم. ولو كان ساكنا وابتلي أزعج وأخرج. وأما أصحابنا فصرّحوا بأن الأمة إذا كان سيدها مجذوما وجب عليها تمكينه من الاستمتاع وهذا مع إشكاله قد أورد في الروضة في الزوجة المختارة للمقام مع الزوج المجذوم، وقد يفرق بينهما بقوة الملك. والله أعلم.
وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لامرأة:«أكلك الاسد فأكلها» .
وروى الطبراني وأبو منصور الديلي، والحافظ المنذري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنه يقول:
اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف» .
فائدة أخرى: روى ابن السني، في عمل اليوم والليلة، من حديث داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أنه قال:«إذا كنت بواد تخاف فيه الأسد، فقل: أعوذ بدانيال وبالجب من شر الأسد اهـ. «6»
أشار بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب: أن دانيال عليه السلام طرح في جب وألقيت
عليه السباع، فجعلت السباع تلحسه وتبصبص إليه، فأتاه ملك فقال: يا دانيال فقال: من أنت؟ فقال: أنا رسول ربك أرسلني إليك بطعام. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. اهـ.
وروى ابن أبي الدنيا أن بختنصر ضرّى أسدين، وألقاهما في جب، وأمر بدانيال فألقي عليهما، فمكث ما شاء الله، ثم إنه اشتهى الطعام والشراب، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء، وهو بالشأم، أن يذهب إلى دانيال بطعام وشراب، وهو بأرض العراق، فذهب به إليه، حتى وقف على رأس الجب، وقال: دانيال دانيال، فقال: من هذا؟ فقال: إرميا فقال: ما جاء بك؟ قال:
أرسلني إليك ربك فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي من وثق به لا يكله إلى سواه، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة وغفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل منا.
ثم روى ابن أبي الدنيا من وجه آخر أنّ الملك الذي كان دانيال في سلطانه، جاءه المنجمون وأصحاب العلم، فقالوا له: إنه يولد في ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل كل من يولد في تلك الليلة. فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد ولبوة، فبات الأسد ولبوته يلحسانه، فنجاه الله تعالى بذلك حتى بلغ ما بلغ، وكان من أمره ما قدره العزيز العليم.
ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنه قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه خاتما نقش فصّه أسدان، بينهما رجل، وهما يلحسان ذلك الرجل، فقال أبو بردة: هذا خاتم دانيال، أخذه أبو موسى حين وجده ودفنه فسأل أبو موسى علماء تلك البلدة عن ذلك، فقالوا: إن دانيال نقش صورته وصورة الأسدين، وهما يلحسانه، في فص خاتمه كما ترى لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك. اهـ. فلما ابتلي دانيال عليه السلام بالسباع، أوّلا وآخرا، جعل الله تعالى الإستعاذة به في ذلك تمنع شر السباع التي لا تستطاع.
وفي المجالسة للدينوري، عن معاذ بن رفاعة، قال: مر يحيى بن زكريا عليهما السلام بقبر دانيال النبي عليه السلام فسمع صوتا من القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت، فمضى فإذا هو بصوت من السماء أنا الذي تعززت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت، من قالهن استغفرت له السموات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن. وكان دانيال عليه السلام، قد أتاه الله تعالى النبوة والحكمة، وكان في أيام بختنصر. قال أهل التاريخ: إن بختنصر أسر دانيال مع من أسر من بني إسرائيل، وحبسهم ثم رأى بختنصر رؤيا أفزعته وعجز الناس عن تعبيرها ففسرها دانيال فأعجبه وأكرمه، قالوا: وقبره بنهر السوس «1» ووجده أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فأخرجه وكفنه وصلّى، ثم قبره في نهر السوس وأجرى عليه الماء.
وفي المجالسة أيضا، قال عبد الجبار بن كليب: كنا مع إبراهيم بن أدهم في سفر فعرض لنا
الأسد فقال إبراهيم: قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام وارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت رجاؤنا يا ألله يا ألله يا الله. قال فولى الأسد عنا هاربا.
قال: فأنا أدعو به عند كل أمر مخوف فما رأيت إلا خيرا.
فائدة: قال بعض العلماء المحققين: ومما جرب لإذهاب الخوف والهم والغم أن يكتب هاتين الآيتين، ويحملهما فإن الله تعالى يبارك له في جميع أحواله، وينصره على أعدائه، وهما ينفعان للأمراض الباطنة، وكل ألم يحدث في بدن الإنسان، وكل آية منهما تجمع الحروف المعجمة بأسرها، وتكتب في إناء نظيف وتمحى بدهن ورد، أو زيت طيب، أو شيرج يطلى به الألم كالدمل والطلوع والحرارة والريح والثآليل والنفخ والقروحات بأسرها فإنه يزول ويبرأ من يومه في الغالب كما جرب مرارا وهما من الأسرار المخزونة كذا قاله شيخنا اليافعي رحمه الله.
الآية الأولى من سورة آل عمران قوله «1» تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
إلى قوله تعالى: عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ*
. الآية الثانية من سورة الفتح قوله تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
إلى آخر السورة انتهى. وذكر بعض أهل التاريخ، أن ملكا من الملوك خرج يدور في ملكه فوصل إلى قرية عظيمة فدخلها منفردا فأخذه العطش فوقف بباب دار من دور القرية، وطلب ماء فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز فيه ماء، وناولته إياه فلما نظرها افتتن بها فراودها عن نفسها، وكانت المرأة عارفه به فعلمت أنها لا تقدر على الامتناع منه، فدخلت وأخرجت له كتابا وقالت انظر في هذا إلى أن أصلح من أمري ما يجب وأعود فأخذ الملك الكتاب ونظر فيه فإذا فيه الزجر عن الزنا، وما أعد الله تعالى لفاعله من العذاب الأليم، فاقشعر جلده، ونوى التوبة، وصاح بالمرأة، وأعطاها الكتاب، ومر ذاهبا وكان زوج المرأة غائبا فلما حضر زوجها أخبرته الخبر، فتحير الزوج في نفسه، وخاف أن يكون وقع غرض الملك فيها، فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك ومكث على ذلك مدة، فأعلمت المرأة أقاربها بحالها مع زوجها فرفعوه إلى الملك فلما مثل بين يدي الملك، قال أقارب المرأة: أعز الله مولانا الملك، إن هذا الرجل قد استأجر منا أرضا للزراعة، فزرعها مدة ثم عطلها فلا هو يزرعها ولا هو يتركها لنؤجرها لمن يزرعها، وقد حصل الضرر للأرض، ونخاف فسادها بسبب التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت، فقال الملك لزوج المرأة ما يمنعك من زرع أرضك؟ فقال: أعز الله مولانا الملك إنه قد بلغني أن الأسد دخل أرضي، وقد هبته، ولم أقدر على الدنو منها لعلمي بأن لا طاقة لي بالأسد ففهم الملك القصة فقال: يا هذا إن أرضك أرض طيبة صالحة للزرع فازرعها بارك الله لك فيها، فإن الأسد لن يعود إليها ثم أمر له ولزوجته بصلة حسنة وصرفه.
وفي تاريخ ابن خلكان أنه لما دخل المازيار على المعتصم وكان قد اشتد غضبه عليه فقيل له يا أمير المؤمنين لا تعجل، فإن عنده أموالا جمة، فأنشد المعتصم بيت أبي تمام «2» :
إنّ الأسود أسود الغاب همتها
…
يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «1»
وقد أحسن خالد الكاتب «2» حيث قال:
علم الغيث الندى حتى إذا
…
ما وعاه علم البأس الأسد
فإذا الغيث مقرّ بالندى
…
وإذا الليث مقر بالجلد
ومن شعره:
ظفر الحب بقلب دنف
…
بك والسقم بجسم ناحل «3»
وبكى العاذل لي من رحمتي
…
فبكائي لبكاء العاذل «4»
وكان خالد شيخا كبيرا تأخذه السوداء أيام الباذنجان، وكان الصبيان يتبعونه ويصيحون به يا خالد يا بارد؛ فأسند ظهره يوما إلى قصر المعتصم وقال لهم: كيف أكون باردا وأنا الذي أقول:
بكى عاذلي من رحمتي فرحمته
…
وكم مسعد من مثله ومعين «5»
ورقّت دموع العين حتى كأنها
…
دموع دموعي لا دموع جفوني
وفي روضة العلماء، أن نوحا عليه السلام، لما غرس الكرمة، جاءه إبليس فنفخ فيها فيبست، فاغتم نوح لذلك وجلس متفكرا في أمرها، فجاءه إبليس وسأله عن تفكيره؟ فأخبره فقال له يا نبي الله إن أردت أن تحضر الكرمة، فدعني أذبح عليها سبعة أشياء فقال: افعل، فذبح أسدا ودبا ونمرا وابن آوى وكلبا وثعلبا وديكا، وصب دماءهم في أصل الكرمة فاخضرت من ساعتها، وحملت سبعة ألوان من العنب، وكانت قبل ذلك تحمل لونا واحدا فمن أجل ذلك يصير شارب الخمر شجاعا كالأسد وقويا كالدب وغضبان كالنمر، ومحدثا كابن آوى، ومقاتلا كالكلب، ومتملّقا كالثعلب، ومصوتا كالديك، فحرمت الخمر على قوم نوح. ونوح اسمه عبد الجبار، وإنما سمي نوحا لنوحه على ذنوب أمته، وأخوه صابىء بن لامك وإليه ينسب دين الصابئين فيما ذكروا والله أعلم.
(تذنيب) كان أبو مسلم «6» الخراساني واسمه عبد الرحمن بن مسلم بعد فراغه من أمر بني أمية ينشد كل وقت:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت
…
عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم
…
والقوم في غفلة بالشأم قد رقدوا
حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا
…
من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة
…
ونام عنها تولى رعيها الأسد
قال «1» ابن خلكان في ترجمته: وكان أبو العباس السفاح شديد التعظيم لأبي مسلم، لما صنعه ودبره، فلما مات السفاح وولي أخوه المنصور، صدرت من أبي مسلم أشياء أوغرت صدر المنصور عليه وهم بقتله، وبقي حائرا بين الاستبداد برأيه في أمره، والاستشارة، فقال يوما لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
«2» فقال: حسبك يا ابن قتيبة لقد أودعتها أذنا واعية ولم يزل المنصور يخدعه حتى أحضره إليه، والمنصور بالمدائن فأمر بإدخاله عليه، وكان المنصور قد رتب جماعة لقتله، وقال لهم: إذا رأيتموني قد مسحت بيدي وجهي فاضربوه، فلما أدخل عليه، أخذ المنصور يقرعه بما صدر منه ثم مسح وجهه، فبادروه فصاح استبقني لأعدائك يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور وأي عدو أعدى منك يا عدو الله فلما قتل هاج أصحابه، فأمر المنصور بنثر الدراهم والدنانير عليهم فسكنوا! ورمى برأسه إليهم، ثم أدرج في بساط فدخل على المنصور جعفر بن حنظلة، فرأى أبا مسلم في البساط، فقال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك فأنشد المنصور متمثلا:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى
…
كما قر عينا بالإياب المسافر «3»
ثم أقبل المنصور على من حضره وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد:
زعمت أن الدين لا يقتضي
…
فاستوف بالكيل أبا مجرم «4»
اشرب بكأس كنت تسقي بها
…
أمر في الحلق من العلقم
وكان يقال له أبو مجرم أيضا وفيه يقول أبو دلامة «5» :
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة
…
على عبده حتى يغيرها العبد
أفي دولة المنصور حاولت غدره
…
ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحي
…
عليك بما خوفتني الأسد الورد
ولما قتله المنصور، خطب الناس فذكر أن أبا مسلم أحسن أولا وأساء آخر. ثم قال في آخر خطبته: وما أحسن ما قال النابغة الذبياني «6» للنعمان بن المنذر «7» :
فمن أطاعك فانفعه لطاعته
…
كما أطاعك وأدلله على الرّشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة
…
تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد «1»
والضمد بفتح الضاد المعجمة والميم الحقد. وكان قتله في شعبان سنة ست أو سبع وثلاثين ومائة. قال ابن خلكان وغيره: وكان أبو مسلم قد سمع الحديث وروي عنه، وأنه خطب يوما فقام إليه رجل فقال ما هذا السواد الذي أراه عليك؟ فقال أبو مسلم: حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه عمامة سوداء، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة. يا غلام اضرب عنقه. قلت: حديث جابر هذا في صحيح مسلم قال ابن الرفعة: وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، وعلى رأسه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه، وهو أيضا في صحيح مسلم «2» . قال ابن الرفعة: ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة السواد اهـ.
قيل: أحصي من قتله أبو مسلم صبرا وفي حروبه، فكانوا ستمائة ألف واختلف في نسبه فقيل من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وروي «3» أنه قيل لعبد الله بن المبارك رحمه الله: أبو مسلم خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد ولكن كان الحجاج شرا منه اهـ. وكان أبو مسلم فصيحا عالما بالأمور ولم يرقط مازحا ولم يظهر عليه سرور ولا غضب، ولا يأتي النساء إلّا مرّة في السنة، وكان يقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة واحدة، وروي أنه قيل لأبي مسلم: ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية؟ قال:
لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم، وادنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو صديقا بالدنو، وصار الصديق عدوا بالإبعاد. وكان أبو مسلم مميت دولة بني أمية، ومحيي دولة بني العباس.
وذكر ابن الأثير وغيره أن أبا جعفر المنصور لما حاصر ابن هبيرة قال: إن ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء. فبلغ ذلك ابن هبيرة، فأرسل إليه أنت القائل كذا وكذا فابرز إلي لترى.
فأرسل إليه المنصور: ما أجد لي ولك مثلا في ذلك إلا كأسد لقي خنزيرا فقال له الخنزير: بارزني فقال له الأسد: ما أنت لي بكفء فإن نالني منك سوء كان ذلك عارا علي وإن قتلتك قتلت خنزيرا فلم أحصل على حمد، ولا في قتلي لك فخر. فقال له الخنزير: إن لم تبارزني لأعرفن السباع، إنك جبنت عني. فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر من تلطخ راحتي بدمك.
(الحكم) : قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود والجمهور: يحرم أكل الأسد لما روى «4» مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام» . قال أصحابنا:
المراد بذي الناب ما يتقوى بنابه ويصطاد. وفي الحاوي للماوردي قال: الشافعي:
إنه ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب، فكان عدوه بأنيابه علة تحريمه. وقال أبو إسحاق المروزي: هو ما كان عيشه بأنيابه فإن ذلك علة تحريمه. وقال أبو حنيفة:
هو ما افترس بأنيابه وإن لم يبتدىء بالعدو، وإن عاش بغير أنيابه فهذه ثلاث علل: أعمها علة أبي حنيفة، وأوسطها علة الشافعي، وأخصها علة المروزي، فعلى العلتين الأوليين، يحل الضبع لأنه يتناوم حتى يصطاد، وتحل السنانير على قول الشافعي لأنها لم تتقو بأنيابها، وتكون مطلوبة لضعفها، لكن قد صحح الأصحاب تحريمها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، في باب السين المهملة. ويحل ابن آوى على ما علله الإمام الشافعي لأنه لا يبتدىء بالعدو، ويحرم على ما علله المروزي لأنه يعيش بنابه، وهذا هو الأصح كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وقال مالك: يكره أكل كل ذي ناب من السباع ولا يحرم، واحتج بقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ
الآية «1» . واحتج أصحابنا بالحديث المذكور، قالوا: والآية ليس فيها إلّا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرما إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع فوجب قبوله والعمل به. قال الشافعي رضي الله عنه: ولأن العرب لم تأكل أسدا ولا ذئبا ولا كلبا ولا نمرا ولا دبا، ولا كانت تأكل الفأر ولا العقارب ولا الحيات ولا الحدأ ولا الغربان ولا الرخم ولا البغاث ولا الصقور ولا الصوائد من الطير ولا الحشرات. وأما بيع الأسد فلا يصح لأنه لا ينتفع به وحرم الله أكل فريسته.
(الأمثال) : إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم، فلا يكادون يذمون ولا يمدحون إلّا بذلك لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع والأحناش والحشرات، فاستعملوا التمثيل بها لذلك. روى الإمام أحمد بإسناد حسن والحسن بن عبد الله العسكري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل، فلذلك ذكر العسكري في كتابه الأمثال ألف حديث مشتملة على ألف مثل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فما يخص الأسد من ذلك أنهم قالوا:«أكرم من الأسد» «2» «وأبخر من الأسد» «3» وأكبر من الأسد و «أشجع من الأسد» «4» و «أجرأ من الأسد» «5» . وضربوا المثل بالخوف من الأسد. قال مجنون ليلى «6» واسمه عامر بن قيس على خلاف فيه:
يقولون لي يوما وقد جئت حيهم
…
وفي باطني نار يشب لهيبها «7»
أما تختشي من أسدنا فأجبتهم
…
هوى كل نفس أين حل حبيبها
وضربوا المثل أيضا بأسد الشرى وهو طريق بسلمى كثيرة الأسد، قال الفرزدق «1» :
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
…
كساع إلى أسد الشرى يشتبيلها «2»
قيل: معنى يشتبيلها: يأخذ أولادها وينسب إلى الفرزدق مكرمة يرجى له بها الجنة، وهي أنه لما حج هشام بن عبد الملك، في أيام أبيه، طاف بالبيت، وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر على ذلك، لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشأم، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم، وكان من أجمل الناس وجها، وأطيبهم أرجا فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشأم، وكان الفرزدق حاضرا فقال أنا أعرفه: فقال الشامي من هو يا أبا الفوارس؟ فقال «3» الفرزدق:
هذا ابن خير عباد الله كلهم
…
هذا التقي النقيّ الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
…
والبيت يعرفه والحل والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها
…
إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت
…
عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته
…
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران ريحه عبق
…
من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته
…
فما يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى من نور غرّته
…
كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
مشتقة من رسول الله نبعته
…
طابت عناصره والخيم والشّيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
…
بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرّفه قدما وعظّمه
…
جرى بذاك له في لوحه القلم
وليس قولك من هذا بضائره
…
العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما
…
يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره
…
يزينه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا اقترحوا
…
حلوا الشمائل يحلو عنده نعم
ما قال لاقط إلا في تشهده
…
لولا التشهد كانت لاؤه نعم
عم البرية بالإحسان فانقشعت
…
عنها الغيابة والإملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهمو
…
كفر وقربهمو منجى ومعتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم
…
أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو
لا يستطيع جواد بعد غايتهم
…
ولا يدانيهمو قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت
…
والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطا من أكفهم
…
سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
مقدم بعد ذكر الله ذكرهمو
…
في كل بدء ومختوم به الكلم
أي الخلائق ليست في رقابهم
…
لأولية هذا أوله نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا
…
فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فغضب هشام على الفرزدق، وأمر بحبسه، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردّهاد وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء؛ فأرسل إليه زين العابدين وقال له: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، والله عز وجل يعلم نيتك ويثيبك عليها فشكر الله لك سعيك، فلما بلغته الرسالة قبلها.
والفرزدق، اسمه همام بن غالب، والفرزدق لقب غلب عليه، والفرزدق قطع العجين، الواحدة فرزدقة وإنما لقب به لأنه أصابه جدري وبرىء منه فبقي وجهه جهما محمرا منتفخا، وقيل لقب به لغلظه وقصره. وقال ابن خلكان ومحمد بن سفيان: أحد أجداد الفرزدق هو أحد الثلاثة الذي سموا بمحمد في الجاهلية، فإنه لا يعرف أحد سمي بهذا الإسم قبله صلى الله عليه وسلم إلّا ثلاثة كان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأول فأخبرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وباسمه، وكان كل منهم قد خلف زوجته حاملا، فنذر كل منهم إن ولد له ذكر، أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك. وهم محمد بن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق، والآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح أخو عبد المطلب لأمه، والآخر محمد بن حمران بن ربيعة وأما أحمد فلم يتسم به أحد قبله صلى الله عليه وسلم.
فائدة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «1» :«لما حمل نوح عليه السلام، في السفينة، من كل زوجين اثنين، قال له أصحابه: وكيف نطمئن أو تطمئن مواشينا ومعنا الأسد؟. فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، فهو لا يزال محموما. ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا وشرابنا ومتاعنا، فأوحى الله تعالى إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها» . وهذا مرسل.
وفي الحلية لأبي نعيم في ترجمة وهب بن منبه أنه قال لما أمر نوح عليه السلام، أن يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب كيف أصنع بالأسد والبقر؟ وكيف أصنع بالعناق «2» والذئب؟ وكيف
أصنع بالحمام والثعلب؟ فأوحى الله تعالى إليه: «من ألقى بينهم العداوة؟ فقال: أنت يا رب. قال عز وجل فإني أؤلف بينهم فلا يتضررون» .
الخواص: قال عبد الملك بن زهير، صاحب الخواص المجربة: من لطخ بشحم الأسد جميع بدنه، هربت منه السباع، ولم ينله منها مكروه، وصوته يقتل التماسيح إذا سمعته ومرارة الذكر منه تحل المعقود عن النساء، إذا سقي منها في بيضة في مستهل الشهر، ومن علق عليه قطعة من جلده بشعرها أبرأته من الصرع، قبل البلوغ، فإن كان الصرع قد أصابه بعده، لم تنفعه. وإذا أحرق من شعره في مكان، هربت منه سائر السباع، ولحمه ينفع من الفالج وإذا وضعت قطعة من جلده، في صندوق مع ثياب، لم يصبها السوس ولا الأرضة، وسنه إذا استصحبها إنسان معه، أمن من وجع الأسنان، وشحمه إذا طلي به اليدان والرجلان، أمنت من مضرة البرد وإذا طلي به البدن لم يقر به القمل وذنبه إذا استصحبه إنسان لا تؤثر فيه حيلة محتال، وقال هرمس:
الجلوس على جلد الأسد يذهب البواسير والنقرس. قال: ومن أخذ من شحم جبهته وذوبه بدهن ورد، ومسح به وجهه، هابه الملوك وجميع الناس. وقال الطبري: الاكتحال بمرارة الأسد يحد البصر. قال: ومرارة الأسد إذا سقي منها وزن دانق لليرقان، بماء برز قطونا ونعنع نفع نفعا بينا وخصيته إذا ملحت ببورق أحمر ومصطكى، وجفّفت وسحقت، وخلطت بسويق وشربت، نفعت من جميع الأوجاع التي في الجوف مثل المغص والقولنج والبواسير والزحير ووجع الأرحام، وتشرب بماء حار على الريق. ودماغ الأسد يداف بزيت عتيق، ويدهن به الاختلاج والارتعاش، يذهبهما ومن دهن وجهه، وجميع بدنه بشحم الأسد، ذهب عنه الكسل والكلف وكل عيب يكون في الوجه. وزبله إذا جفف وخلط به الدلوك الذي يتدلك به، نفع من البهق الظاهر، وهو نافع لذلك جدا. وإن سقي منه أي من زبله إنسان لا يصبر عن الخمر ولا يعلم به وزن دانق، ابغضه حتى لا يشربه ولا يشتهي أن يراه ومرارته تداف بالعسل، ويجعل منها على الخنازير تزول.
وشحمه إذا دق بالثوم وطلى به إنسان جسده لم تقربه السباع والله أعلم.
التعبير: الأسد في المنام سلطان شديد البطش والبأس، ظالم غاشم مجاهر، متسلط بجرأته، لا يأمنه صديق ولا عدو، ويعبر أيضا بعدو مسلط، وربما دل على الموت، لأنه يقبض الأرواح، وربما دلت رؤيته على عافية المريض، فمن رأى أسدا من حيث لا يراه وهرب منه الرائي، فإنه ينجو مما يخاف، وينال حكما وعلما، لقوله «1» : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
. فإن كان قد استقبله وهرب منه، نال هما من ذي سلطان، ثم ينجو من الهلاك والمرض. ومن رأى أن أسدا صرعه ولم يقتله، فإنه يحم حمى دائمة لأن الأسد لا تفارقه الحمى كما تقدم أو يسجن، لأن الحمى سجن المؤمن، وربما دلت مصارعته على المرض.
ومن رأى أنه أخذ شيئا من شعره أو عظمه أو لحمه، نال مالا من سلطان، أو من عدوّ. ومن رأى أنه ركب أسدا وهو يخافه، فإنه يقع في بلية، فإن كان لا يخافه قهر عدوّا فإن ضاجعه وهو لا يخافه أمن من عدوّه. ومن رأى أسدا يثب على الناس، فإن السلطان يظلم رعيته. ومن رأى أنه أكل
رأس أسد، نال ملكا ومن رأى أنه يرعى أسدا فإنه يؤاخي ملكا ظالما. ومن رأى أنه أخذ جرو أسد في حجره، فإن امرأته تضع غلاما، إن كانت حاملا، وإلّا فإنه يحمل ولد أمير في حجره، كما عبره ابن سيرين رحمه الله. ومن رأى أن أسدا قد زاره فإنه يمرض. ومن رأى أن الأسد قد قتله، فإن كان عبدا فإنه يعتق، وإلّا حصل له خوف من سلطان. وصوت الأسد يدل على تهدد من سلطان. ومن رأى أن أسدا يتملق له، جرى على يديه أمور عجيبة وربما دل على قهر عدوّ والله أعلم.
تتمة: قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو يعلم الناس، ما في علم الكلام، من الأهواء لفروا منه، فرارهم من الأسد. قال في الإحياء: فإن قلت تعلم الجدال والكلام مذموم كتعلم النجوم، أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا، فمن قائل إنه بدعة وحرام، وإن العبد إن لقي الله تعالى بكل ذنب سوى الشرك، خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنه واجب وفرض: إما على الكفاية، أو فرض عين وإنه من أفضل الأعمال، وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله تعالى.
وممن ذهب إلى التحريم الشافعي ومالك والإمام أحمد وسفيان وأهل الحديث قاطبة، قال ابن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد، وكان من متكلمي المعتزلة يقول: لأن يلقى الله تبارك وتعالى العبد، بكل ذنب، ما خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام. وقال أيضا: قد اطلعت لأهل الكلام، على شيء ما ظننته قط، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام. وحكى الكرابيسي أن الشافعي سئل عن شيء من الكلام فغضب وقال: يسأل عن هذا حفص الفرد وأصحابه أخزاهم الله. ولما مرض الشافعي رضي الله عنه دخل عليه حفص الفرد، فقال له من أنا؟ فقال: أنت حفص الفرد لا حفظك الله ولا رعاك، حتى تتوب مما أنت فيه. وقال أيضا: إذا سمعت الرجل يقول: الإسم هو المسمى، أو غير المسمى، فأشهد أنه من أهل الكلام ولا دين له، وقال أيضا حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر، والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد رحمه الله: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض وبالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي، مع زهده وورعه، لتصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، وقال له: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس، بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة، والتفكير فيه، فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟ وقال أحمد أيضا: علماء الكلام زنادقة. وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء. قال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام، على أي مذهب كانوا. وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. وقد اتفق أهل الحديث من السّلف على هذا، ولا يحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه.
وأما الفرقة الأخرى، فاحتجوا بأن المحظور من الكلام، إن كان هو لفظ الجوهر والعرض، وهذه الاصطلاحات الغريبة، التي لم يعهدها الصحابة رضي الله عنهم فالأمر في ذلك قريب، إذ
ما من علم، إلا وقد أحدث فيه اصطلاحات، لأجل التفهيم، كالحديث والتفسير، وتصنيف الفقه، من موضع الصور النادرة التي لا تتفق، إلا على الندور إما إدخارا ليوم وقوعها. وإن كان نادرا أو تشحيذا للخاطر فنحن أيضا نرتب طريق المحاجة لتوقع الحاجة بثوران شبهة، أو هيجان مبتدع، أو لتشحيذ الخاطر، أو لإدخار الحجة، حتى لا يعجز عنها عند الحاجة إليها على البديهة والارتجال، كمن يعد السلاح قبل القتال ليوم القتال. قال: فإن قلت فما المختار فيه عندك؟ فاعلم أن الحق فيه: أن إطلاق القول بذمه في كل حال، أو بمدحه في كل حال خطأ، بل لا بد فيه من التفصيل: فاعلم أوّلا أن الشيء قد يحرم لذاته، كالخمر والميتة وأعني بقولي لذاته أن علة تحريمه وصف في ذاته وهو الإسكار والموت، وهذا إذا سئلنا عنه، أطلقنا القول بأنه حرام، ولا يلتفت إلى إباحة الميتة عند الاضطرار وإباحة تجرع الخمر لإساغة ما يغص به الإنسان من الطعام، إذا لم يجد ما يسيغه به سوى الخمر وقد يحرم لغيره كالبيع على بيع أخيك المسلم، في وقت الخيار، والبيع وقت النداء، وكآكل الطين، فإنه يحرم لما فيه من الأضرار. وهذا ينقسم إلى ما يضر قليله وكثيره، فيطلق القول عليه بأنه حرام كالسم الذي يقتل قليله وكثيره، وإلى ما يضر عند الكثرة، فيطلق القول عليه بالإباحة، كالعسل فإن كثرته تضر بالمحرور، وكآكل الطين، وكان إطلاق التحريم على الخمر، والتحليل على العسل، التفات إلى أغلب الأحوال، فإن تصدى لشيء تقابلت فيه الأحوال، فالأولى أن نفصل فنرجع إلى علم الكلام، ونقول: إن فيه منفعة، وفيه مضرة، فهو باعتبار منفعته، في وقت الانتفاع حلال، أو مندوب إليه، أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته، في وقت الإضرار، حرام. فأما مضرته فإثارة الشبهات، وتحريك العقائد، وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل في حالة الابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه وتختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في الاعتقاد، وله ضرر أيضا في تأكيد اعتقاد المبتدعة للبدعة، وتثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث دعاويهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر، يحصل بواسطة التعصب، الذي يثور من الجدل.
وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق، ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات هيهات، بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة على العوام، وحفظها عن تشويشات المبتدعة، بأنواع الجدل إذ العامي ضعيف، يستفزه جدل المبتدع، والناس متعبدون بصحة العقيدة، التي أجمع السلف عليها، والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام، من تلبيسات المبتدعة، وهو من فروض الكفاية، كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق: كالقضاء والولاية وغيرهما، وما لم تستعد العلماء لنشر ذلك، والتدريس فيه، والبحث عنه، لا يدوم ولو ترك بالكلية، لا ندرس. وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة، ما لم يتعلم فينبغي أن يكون التدريس فيه أيضا، من فروض الكفاية، لكن ليس من الصواب تدريسه على العوام، كتدريس الفقه والتفسير، فإن هذا مثل الدواء، والفقه مثل الغذاء، وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور، فإن قيل: قد جعل جماعة التوحيد عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة، والإحاطة بمناقضات الخصوم، والقدرة على التشدق فيها، بكثرة الأسئلة، وإثارة الشبهات، وتأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد. فاعلم أن التوحيد، عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر
المتكلمين وإن فهموه، لم يتصفوا به، وهو أن ترى الأمور كلها، من الله رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، فلا ترى الخير والشر إلا منه تبارك وتعالى.
وهذا مقام شريف، فالتوحيد جوهر نفيس، له قشران: أحدهما أبعد عن اللب من الآخر، وهو أن تقول بلسانك: لا إله إلا الله، وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث، الذي تصرح به النصارى. لكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره. وأما القشر الثاني فأن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل القلب على اعتقاد ذلك والتصديق به، وهذا توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة، فخصص الناس الاسم بهذين القشرين، وتركوا لبابهما وأهملوه بالكلية. واللباب هو التوحيد المحض، وهو أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب والوسائط، وأن تعبده عبادة تفرده بها فلا تعبد غيره واتباع الهوى يخرج عن هذا التوحيد؛ فكل متبع هواه، قد اتخذ هواه معبوده. قال «1» الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
. وقال «2» صلى الله عليه وسلم: «أبغض إله عبد في الأرض عند الله هو الهوى» . وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم إنما يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه، فيتبع ذلك الميل. وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى ويخرج عن هذا التوحيد السخط على الخلق والالتفات إليهم. فإن من يرى الكل، من الله تعالى، كيف يسخط على غيره، فالتوحيد عبارة عن هذا المقام، وهو من مقامات الصديقين. فانظر إلى ماذا حول وبأي قشر قنع فالموحّد هو الذي لا يرى إلّا الواحد، ولا يتوجّه وجهه إلا إليه، أي يكون قلبه متوجها إلى الله تعالى على الخصوص. اهـ.
وقد تكلمت على هذا المقام في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، بكلام يشفي النفس، ويزيل اللبس، وهو كلام طويل مشبع، جمعت فيه غالب أقوال الصحابة والعلماء، فليراجع وهو في الجزء الثامن، من الباب الخامس، من كتاب التوحيد فليراجع.
واعلم أنه قد تقدم أن تعلم علم النجوم مذموم. فنقول قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا» .
وقال «3» صلى الله عليه وسلم: «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: حيف الأئمة، والإيمان بالنجوم والتكذيب بالقدر» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البحر والبر ثم أمسكوا» وإنما زجر عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها أنه مضر بأكثر الخلق، فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، وأنها الآلهة المدبرة، لأنها جواهر شريفة سماوية يعظم وقعها في القلوب، فيبقى القلب ملتفتا إليها، ويرى الشر والخير محذورا من جهتها،