الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مركبي، وذكر الله أنيسي والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة.
وأما حلمه صلى الله عليه وسلم، وجوده وشجاعته، وحياؤه وحسن عشرته، وشفقته ورأفته، ورحمته وبره، وعدله ووقاره، وصبره وهيبته، وثقته وبقية خصاله الحميدة، التي لا تكاد تحصر فكثيرة جدا فقد صنف العلماء رضي الله تعالى عنهم في سيرته وأيامه، ومبعثه وغزواته، وأخلاقه ومعجزاته، ومحاسنه وشمائله، كتبا جمة، ولو أردنا ذكر قدر يسير منها لجاء في مجلدات كثيرة، ولسنا بصدد ذلك في هذا الكتاب، قالوا: وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم بعد أن أكمل الله تعالى لنا ديننا وأتم علينا نعمته في وسط يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة أحدى عشرة، وله صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وتولى غسله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ودفن صلى الله عليه وسلم في حجرته التي بناها لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه
ثم قام بالأمر بعده صلى الله عليه وسلم، خليفته على الصلاة أيام مرضه، وابن عمه الأعلى ونسيبه وصهره ومؤنسه في الغار، ووزيره وصديقه الأكبر، وخير الخلق بعده أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. بويع له بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسقيفة بني ساعدة، ولذلك قصة تركناها لطولها واشتهارها، فقام بالأمر أتم قيام، وفتح في دولته اليسيرة اليمامة وأطراف العراق وبعض مدن الشام. وكان رضي الله عنه كبير الشأن زاهدا خاشعا، إماما حليما، وقورا شجاعا، صابرا رؤوفا، عديم النظير في الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، ومنعت الزكاة، فلما استخلف الصديق جمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وشاورهم في القتال، فاختلفوا عليه وقال له عمر رضي الله تعالى عنه كيف نقاتل الناس وقد قال «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؟ فمن قالها فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل؟ فقال الصديق رضي الله عنه:
«والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها «2» » . قال عمر رضي الله عنه: «فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق» . «3» وفي رواية قال عمر رضي الله عنه: فقلت تألف الناس وارفق بهم فقال لي: «أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام يا عمر؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي» . ثم خرج لقتالهم.
وذكر جماعة من المؤرخين وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد وجه أسامة بن زيد رضي الله عنهما
في سبعمائة بطل إلى الشام فلما نزل بذي خشب، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب فاجتمعت الصحابة رضي الله عنهم وقالوا للصديق رضي الله عنه: رد هؤلاء أي أسامة ومن معه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ما رددت جيشا جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت عقد لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية لو علمت أن السباع تجر برجلي إن لم أرده ما رددتته. وأمر أسامة «1» رضي الله عنه أن يمضي لوجهه وقال له: إن رأيت أن تأذن لعمر رضي الله عنه بالمقام عندي أستأنس به وأستعين برأيه، فقال له أسامة رضي الله عنه: قد فعلت. وسار أسامة رضي الله تعالى عنه، فجعل لا يمر بقبيلة تريد الارتداد، إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هذا الجيش من عندهم، فلقوا الروم فقاتلوهم وهزموهم ورجعوا سالمين.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج أبي يوم الردة شاهرا سيفه، راكبا راحلته، فجاء علي رضي الله تعالى عنه حتى أخذ بزمام راحلته، وقال: أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «شم سيفك لا تفجعنا بنفسك فو الله لئن أصبنا بك، لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا» ومعنى شم اغمد. وقال ابن قتيبة: ارتدت العرب إلا القليل منهم فجاهدهم الصديق حتى استقاموا وفتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب بها والأسود العنسي الكذاب بصنعاء. وبعث الجيوش إلى الشأم والعراق وقال أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين ورأيت رجلا يقبل رأس رجل ويقول: أنا فداؤك، والله لولا أنت لهلكنا. فقلت: من المقبل والمقبل؟ فقالوا:
عمر يقبل رأس أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، من أجل قتال أهل الردة. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأب «2» النفاق، ونزل بأبي ما لو نزل على الجبال الراسيات لهاضها، وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: والله الذي لا إله إلا هو لو لم يستخلف أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ما عبد الله تعالى. ثم قال الثانية ثم قال الثالثة. قالوا:
وكان من اللين والتواضع على جانب عظيم. ولما مرض ترك التطبيب تسليما لأمر الله تعالى فعاده الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقالوا ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ فقال: نظر إلي قالوا وما قال لك؟ قال: قال لي إني فعال لما أريد.
توفي رضي الله عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وله رضي الله عنه ثلاث وستون سنة وكان سبب موته كمدا لحقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يذيبه. والكمد الحزن المكتوم ودفن في حجرة عائشة أم المؤمنين مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت خلافته رضي الله عنه سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام.