الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحجر: لا يسافر الولي بمال المحجور عليه، لما روي أن المسافر وماله لعلي. قلت أي هلاك. ومنه قول العباس بن مرداس السّلمي «1» :
بغاث الطير أكثرها فراخا
…
وأم الصقر مقلات نزور
وقوله مقلات بكسر الميم، والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد، ومن النوق من تلد ولدا واحدا ولا تلد بعده. وقيل: المقلات التي تعمل وكرها في المهالك. والنزور بفتح النون القليلة الأولاد والنزر القليل.
الحكم:
تحريم الأكل لخبثه.
الأمثال:
قالت العرب: «البغاث بأرضنا يستنسر «2» » أي من جاورنا عز بنا. وقيل: معناه إن الضعيف يستضعفنا، ويظهر قوته علينا.
البغل:
معروف، وكنيته أبو الأشحج وأبو الحرون وأبو الصقر وأبو قضاعة وأبو قموص وأبو كعب وأبو مختار وأبو ملعون. ويقال له ابن ناهق وهو مركب من الفرس والحمار، ولذلك صار له صلابة الحمار وعظم آلات الخيل. وكذلك شحيجه أي صوته مولد من صهيل الفرس ونهيق الحمار، وهو عقيم لا يولد له، لكن في تاريخ ابن البطريق، في حوادث سنة أربع وأربعين وأربعمائة، أن بغلة بنابلس ولدت في بطن حجرة سوداء بغلا أبيض. قال: وهذا أعجب ما سمع. اهـ.
وشر الطباع ما تجاذبته الأعراق المتضادة، والأخلاق المتباينة، والعناصر المتباعدة، وإذا كان الذكر حمارا، يكون شديد الشبه بالفرس، وإذا كان الذكر فرسا، يكون شديد الشبه بالحمار. ومن العجب أن كل عضو فرضته منه يكون بين الفرس والحمار، وكذلك أخلاقه ليس له ذكاء الفرس ولا بلادة الحمار. ويقال: إن أول من أنتجها قارون وله صبر الحمار وقوة الفرس، ويوصف برداءة الأخلاق والتلون لأجل التركيب وينشد في ذلك قوله:
خلق جديد كل يو
…
م مثل أخلاق البغال
لكنه، مع ذلك، يوصف بالهداية في كل طريق يسلكه مرة واحدة، وهو مع ذلك مركب الملوك في أسفارها، وقعيدة الصعاليك «3» في قضاء أوطارها، مع احتماله للأثقال، وصبره على طول الإيغال، وفي ذلك يقال:
مركب قاض وإمام عدل
…
وعالم وسيد وكهل
يصلح للرحل وغير الرحل.
وفي الكامل لأبي العباس المبرد، قال العباس بن الفرج: نظر إلى عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وهو على بغلة قد شمط وجهها هرما، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكرم باحرة بمصر؟ فقال: إنه لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري. إن الملل من كواذب الأخلاق وفيه أيضا أن رجلا من أهل الشام قال: دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة، لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل لي: هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، فأتيته، وقد امتلأ قلبي له بغضا، فقلت له: أنت ابن أبي طالب؟ فقال لي بل أنا ابن ابنه.
فقلت: بك وبأبيك أسب عليا، فلما انقضى كلامي، قال: أحسبك غريبا قلت: أجل قال: فمل بنا إلى الدار فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك على قضائها، فانصرفت من عنده وما على وجه الأرض أحب إلي منه. اهـ.
قلت: وكان علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما، يلقب بزين العابدين، وأمه سلامة، وكان له أخ أكبر منه يسمى عليا أيضا، قتل مع أبيه بكر بلاء، روى الحديث عن أبيه وعن عمه الحسن وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبي هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين رضي الله عنهم. قال ابن خلكان: كانت أمه سلامة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار، أن يزدجرد كان له ثلاث بنات، سبين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فحصلت واحدة منهن لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، فأولدها سالما. والأخرى لمحمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فأولدها قاسما. والأخرى للحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما فأولدها عليا زين العابدين رضي الله تعالى عنهم، فكلهم بنو خالة.
وكان زين العابدين مع أبيه بكر بلاء فاستبقي لصغر سنه، لأنهم قتلوا كل من أنبت، كما يفعل بالكفار قاتل الله فاعل ذلك وأخزاه ولعنه، وكان قد هم عبيد الله بن زياد بقتله ثم صرفه الله تعالى عنه. وأشار بعض الفجرة، على يزيد بن معاوية بقتله أيضا، فحماه الله منه. ثم إن يزيد بن معاوية صار يكرمه ويعظمه ويجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو معه ثم بعثه إلى المدينة، فكان بها محترما معظما. قال ابن عساكر ومسجده بدمشق معروف، وهو الذي يقال له مشهد علي بجامع دمشق. قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل منه. وقال محمد بن سعد: كان زين العابدين ثقة مؤمونا، كثير الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالما، ولم يكن في أهل البيت مثله. وقال الأصمعي: لم يكن للحسين رضي الله عنه عقب إلا من ابنه زين العابدين، ولم يكن لزين العابدين نسل إلا من ابنة عمه الحسن رضي الله تعالى عنه، فجميع الحسينيين من نسله. وكان إذا توضأ يصفر لونه فإذا قام إلى الصلاة أرعد من الفرق أي الخوف، فقيل له في ذلك فقال: أتدرون بين يدي من أقوم ولم أناجي؟ ويروى أنه احترق البيت الذي هو فيه، وهو قائم يصلي، فلما انصرف، قيل له: ما بالك لم تنصرف حين وقعت النار؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى ويروى أنه لما حج، وأراد أن يلبي أرعد واصفر وخر مغشيا عليه، فلما أفاق، سئل عن ذلك فقال: إني لأخشى أن
أقول لبيك اللهم لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سعديك، فشجعوه قالوا: لا بد من التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن راحلته. وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، وكان كثير الصدقات، وكان أكثر صدقته بالليل، وكان يقول:«صدقة الليل تطفىء غضب الرب» وكان كثير البكاء، فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يتحقق موته، فكيف لا أبكي وقد رأيت بضعة عشر رجلا يذبحون من أهلي في غداة واحدة؟
وكان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني أتصدق اليوم أو أهب عرضي اليوم لمن يغتابني. ومات لرجل ولد مسرف على نفسه، فجزع عليه، فقال له علي بن الحسين إن من وراء ولدك خلالا ثلاثة: شهادة أن لا إله إلا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله. واختلف أهل التاريخ في السنة التي توفي فيها زين العابدين والمشهور عند الجمهور أنه توفي سنة أربع وتسعين في أولها. وقال ابن الفلاس: وفيها مات سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن. وقال بعضهم: توفي في سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين. وأغرب المدائني في قوله إنه توفي سنة مائة وقيل توفي في سنة تسع وتسعين. وكان عمره ثمانيا وخمسين سنة، ودفن في قبر عمه الحسن رضي الله عنهما، وعن آبائهم الكرام، وعن أصحاب رسول الله أجمعين. وفي وفيات الأعيان في ترجمة جلال الدولة ملك شاه أن المقتدي بأمر الله، جهز الشيخ أبا إسحاق الشيرازي الفيروز أبادي، صاحب التنبيه والمهذب وغيرهما، إلى نيسابور سفيرا له، في خطبة ابنة الملك جلال الدولة فنجز الشغل، وناظر إمام الحرمين هناك، فلما أراد الانصراف من نيسابور، خرج إمام الحرمين إلى وداعه، وأخذ بركابه حتى ركب أبو إسحاق بغلته، وظهر له في خراسان منزلة عظيمة، وكانوا يأخذون التراب الذي وطئته بغلته فيتبركون به. وكان رحمه الله إماما عالما عاملا ورعا زاهدا عابدا. توفي في سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي إمام الحرمين في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره بالجامع، وكانت تلامذته قريبا من أربعمائة نفر، فكسروا محابرهم وأقلامهم وأقاموا على ذلك عاما كاملا. وفي تاريخ بغداد ووفيات الأعيان أن أبا حنيفة كان له جار اسكافي يعمل نهاره فإذا رجع إلى منزله ليلا تعشى ثم شرب فإذا دب الشراب فيه أنشد يغني ويقول:«1»
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا
…
ليوم كريهة وسداد ثغر
ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت، حتى يأخذه النوم وأبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة.
وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس منذ ليال، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته وأتى دار الأمير، فاستأذن عليه فقال:
ائذنوا له وأقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه، وقال له: ما حاجتك؟ فشفع في جاره. فقال الأمير: اطلقوه وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا فأطلقوهم أيضا فذهبوا فركب أبو حنيفة بغلته، وخرج والإسكافي معه يمشي وراءه، فقال له أبو حنيفة: يا فتى هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت، فجزاك الله خيرا عن حرمة الجوار. ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ما كان يفعل. واسم أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن
ماه، وكان عالما عاملا. قال الشافعي: قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا، لقام بحجته! وكان الشافعي يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه، وعلى زهير بن أبي سلمى «1» في الشعر، وعلى محمد بن إسحاق «2» في المغازي، وعلى الكسائي «3» في النحو، وعلى مقاتل بن سليمان «4» في التفسير. وكان أبو حنيفة إماما في القياس، وداوم على صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة. وكان عامة ليلة يقرأ القرآن في ركعة واحدة، وكان يبكي في الليل حتى يرحمه جيرانه. وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة. ولم يفطر منذ ثلاثين سنة، ولم يكن يعاب بشيء سوى قلة العربية. حكي أن أبا عمرو بن العلاء، سأله عن القتل بالمثقل، هل يوجب القود؟ قال: لا، على قاعدة مذهبه خلافا للشافعي. فقال له أبو عمرو: لو قتله بحجر المنجنيق؟ فقال: ولو قتله بأبا قبيس: يعني الجبل المطل على مكة. وقد اعتذر عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يعرب الأسماء الستة بالألف في الأحوال الثلاثة وأنشدوا على ذلك:
إن أباها وأبا أباها
…
قد بلغا في المجد غايتاها
وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة. وتوفي أبو حنيفة في السجن ببغداد سنة خمسين ومائة، وقيل غير ذلك، وقيل لم يمت في السجن، وقيل مات في اليوم الذي ولد فيه الشافعي، وقيل في العام لا في اليوم كما تقدم. وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: توفي في سنة إحدى وقيل ثلاث وخمسين ومائة والله أعلم قلت: البيت المذكور في حكاية الإسكافي المتقدمة، للعرجي عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم. وقد استشهد به النضر بن شميل على المأمون، قال ابن خلكان: دخل النضر «5» بن شميل على المأمون ليلة، فتفاوضا الحديث فروى المأمون عن هشيم بسنده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال:
قال «6» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيه سداد من عوز» بفتح السين. فقال النضر: يا أمير المؤمنين صدق هشيم حدثنا فلان عن فلان إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: قال «7» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، فهو سداد من عوز» بكسر السين. قال: وكان المأمون متكئا، فاستوى جالسا وقال: كيف قلت
سداد؟ قال: قلت لأن السداد ههنا لحن. فقال المأمون: أتلحنني قلت إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لفظه. فقال ما الفرق بينهما؟ قلت: السّداد بالفتح القصد في الدين والسبيل والسّداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سداد. فقال المأمون: أو تعرف العرب ذلك؟ قال:
قلت: نعم هذا العرجي يقول: «1» :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا
…
ليوم كريهة وسداد ثغر
فأخذ المأمون القرطاسي وكتب فيه، ثم قال لخادمه: ابلغ معه إلى الفضل «2» بن سهل فلما قرأ الفضل الرقعة قال: يا نضر قد أمر لك أمير المؤمنين بخمسين ألف درهم، فما كان السبب؟
فأخبرته فأمر لي بثلاثين ألف درهم أخرى. فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف واحد استفيد مني.
وتوفي النضر بن شمبل في سنة أربع ومائتين بمرو رحمه الله تعالى. وفي تاريخ بغداد عن أبي يوسف «3» صاحب أبي حنيفة واسمه يعقوب أنه قال: أويت ذات ليلة إلى فراشي وإذا بالباب يدق دقا عنيفا، فخرجت فإذا هرثمة بن أعين «4» فقال: أجب أمير المؤمنين. فركبن بغلتي ومضيت خائفا، إلى أن وصلت دار أمير المؤمنين، فإذا أنا بمسرور فسألته من عند أمير المؤمنين؟ فقال:
عيسى بن «5» جعفر فدخلت فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر فسلمت عليه، وجلست فقال الرشيد: أظن أننا روّعناك؟ فقلت: أي والله ومن خلفي كذلك. فسكت ساعة ثم قال:
أتدري يا يعقوب لم دعوتك؟ قلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا، أن عنده جارية، وقد سألته أن يهبها لي، فأبي وو الله لئن لم يفعل لأقتله! قال: فالتفت إلى عيسى وقلت له ما بلغ من قدر الجارية حتى إنك تمنعها من أمير المؤمنين، وتنزل نفسك هذه المنزلة من أجلها؟ ثم هي ذاهبة من يدك على كل حال؟ فقال: عجلت علي بالتوبيخ من قبل أن تعرف ما عندي، قلت: وما هو؟
قال: إن علي يمينا بالطلاق والعتاق، وصدقة ما أملكه لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها. فالتفت إليّ الرشيد وقال: هل لك في هذه من مخرج؟ قلت: نعم: وما هو؟ قلت: يهبك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يهبها ولم يبعها قال عيسى أو يجوز ذلك؟ قلت: نعم. قال فاشهد، أني وهبته نصفها، وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار. فقال الرشيد: قد قبلت الهبة، واشتريت النصف بمائة ألف دينار. ثم قال: علي بالجارية والمال فأتي بالجارية والمال. فقال: خذها يا أمير المؤمنين، بارك الله لك فيها. فقال الرشيد: يا يعقوب بقيت واحدة؟ فقلت: وما هي؟ قال: إنها مملوكة ولا
بد أن تستبرأ وو الله لئن لم أبت معها ليلتي هذه، أظن أن نفسي تخرج! فقلت: يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوّجها، فإن الحرة لا تستبرأ. قال: فإني قد أعتقتها. فمن يزوّجنيها؟ قلت له: أنا.
فدعا بمسرور وحسين، فخطبت وحمدت الله تعالى، وزوّجته بها على عشرين ألف دينار، ثم قال:
علي بالمال، فجيء به فدفعه إليها ثم قال لي: يا يعقوب انصرف، وقال لمسرور: احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم، وعشرين تختا من الثياب فحمل ذلك إليه. اهـ.
وكان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب فمضى يوما ليسمع المغازي، وأخل بمجلس أبي حنيفة اياما فلما أتاه قال له: يا أبا يوسف من كان صاحب راية جالوت؟ فقال له أبو يوسف: إنك إمام، وإن لم تمسك عن هذا سألتك على رؤوس الناس، أيما كان أول وقعة بدر أو أحد؟ فإنك لا تدري ذلك، وهي أهون مسائل التاريخ، فأمسك عنه. قيل: كان يجلس إلى أبي يوسف رجل فيطيل الصمت ولا يتكلم فقال له أبو يوسف يوما: ألا تتكلم؟ فقال: بلى. متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس. قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل كيف يصنع؟ فضحك أبو يوسف وقال له: أصبت في صمتك، وأخطأت أنا في استدعائي نطقك وأنشد «1» :
عجبت لإزراء الغبي بنفسه
…
وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للغبي وإنما
…
صحيفة لب المرء أن يتكلما
وروي أن رجلا كان يجلس إلى بعض العلماء ولا يتكلم، فقيل له يوما: ألا تتكلم؟ قال:
نعم أخبرني لأي شيء يستحب صيام الأيام البيض من كل شهر؟ فقال: لا أدري: فقال الرجل:
لكني أدري. قال: وما هو؟ قال لأن القمر لا ينكسف إلا فيهن، فأحب الله تعالى أن لا يحدث في السماء آية، إلا حدث في الأرض مثلها. وهذا أحسن ما قيل فيه. وذكر «2» ابن خلكان أن رجلا كان يجالس الشعبي ويطيل الصمت فقال له الشعبي يوما ألا تتكلم؟ فقال: أصمت فأسلم، وأسمع فأعلم، إن حظ المرء في أذنه له، وفي لسانه لغيره. وتكلم شاب يوما عند الشعبي بكلام، فقال الشعبي: ما سمعنا بهذا. فقال الشاب: أكل العلم سمعت؟ قال: لا. قال فشطره؟ قال:
نعم. قال: فاجعل هذا في الشطر الذي لم تسمعه. فأفحم الشعبي. وأبو يوسف هو أول من دعي بقاضي القضاة، وأول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها إلى هذا الزمان، وكان ملبوس الناس قبل ذلك، شيئا واحدا لا يتميز أحد عن أحد بلباسه وحكي أن عبد الرحمن بن مسهر، كان قاضيا على بليدة، بين بغداد وواسط، يقال لها المبارك، فبلغه خروج الرشيد إلى البصرة، ومعه أبو يوسف القاضي في الحراقة. فقال عبد الرحمن لأهل المبارك:
اثنوا علي عندهما، فأبوا عليه. فلبس ثيابه وتلقاهما، وقال نعم القاضي قاضينا، ثم مضى إلى موضع آخر وأعاد عليهما هذا القول فالتفت الرشيد إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب قاض في موضع لا