الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه الصلاة والسلام: «ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه» . فقالوا: يا رسول الله فإنا لا نبيعه ولا ننحره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبتم فقد استغاث بكم فلم تغيثوه، وأنا أولى بالرحمة منكم، فإن الله تعالى قد نزع الرحمة من قلوب المنافقين، وأسكنها في قلوب المؤمنين» فاشتراه عليه الصلاة والسلام منهم بمائة درهم، وقال:«أيها البعير انطلق فأنت حر لوجه الله تعالى» . قال: فرغا البعير على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام. «آمين» ، ثم رغا الثانية فقال:«آمين» ثم رغا الثالثة فقال: «آمين» ثم رغا الرابعة فبكى عليه الصلاة والسلام. فقلنا: يا رسول الله ما يقول هذا البعير؟ قال صلى الله عليه وسلم: «قال جزاك الله أيها النبي عن الإسلام والقرآن خيرا فقلت: آمين.
ثم قال: سكن الله رعب أمتك إلى يوم القيامة كما سكنت رعبي، فقلت: آمين. ثم قال: حقن الله دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي. فقلت: آمين. ثم قال: لا جعل الله بأسها بينها، فبكيت. فإن هذه الخصال سألتها ربي فأعطانيها، ومنعني هذه وأخبرني جبريل عليه السلام، عن الله عز وجل، أن فناء أمتي بالسيف جرى القلم بما هو كائن» .
تتمة:
قال الطرطوشي في سراج الملوك، وابن بلبان «1» ، والمقدسي في شرح الأسماء الحسنى، وغيرهم عن الفضل بن الربيع قال: حج الرشيد، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟ قيل: أجب أمير المؤمنين: فخرجت مسرعا فوجدت الرشيد، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: ويحك قد حاك في نفسي أمر لا يخرجه إلا عالم، فانظر لي رجلا اسأله عنه. فقلت: يا أمير المؤمنين، ههنا سفيان بن عيينة، قال: فامض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا وقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. قال: جد لما جئنا له، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم.
قال: يا عباس اقض دينه. ثم انصرفنا فقال: ما أغنى عني صاحبك هذا شيئا. فانظر لي رجلا أسأله. قال: فقلت: ههنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه. فأتيناه فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من كتاب الله عز وجل ويرددها فقرعت الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما تجب عليك طاعته؟ فقال: أو ليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس لمؤمن أن يذل نفسه «2» » . وفتح الباب ثم ارتقى إلى أعلى الغرفة مسرعا، فأطفأ السراج والتجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد إليه فقال: أواه ما ألينها من يد، إن نجت غدا من عذاب الله! فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي، فقال: جد لما جئنا له، قال: وفيم جئت حملت على نفسك، وجميع من معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم، أن يحملوا عنك شقصا من ذنب ما فعلوا، ولكان أشدهم حبا لك، أشدهم هربا منك. ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز، لما ولي
الخلافة، دعا سالم «1» بن عبد الله بن عمرو محمد بن كعب القرظي «2» ورجاء بن «3» حيوة، وقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي؟ فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة.
فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها على الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين لك أبا، وأوسطهم لك أخا، وأصغرهم لك ولدا، فبر أباك، وارحم أخاك، وتحنن على ولدك. وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا، من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت، وإني لأقول لك هذا، وإني لأخاف عليك أشد الخوف، يوم تزل الاقدام، فهل معك، يرحمك الله، مثل هؤلاء القوم، من يأمرك بمثل هذا؟ قال: فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه السهر، فكتب إليه عمر يقول: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار، وخلود الآباد فيها، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما ويقظان، وإياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل، فيكون آخر العهد بك، ومنقطع الرجاء منك، والسلام. فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية أبدا حتى ألقى الله سبحانه وتعالى. فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني يرحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن جدك العباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم جاءه، فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير من إمارة تحصيها إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل «4» » . فبكى هارون بكاء شديدا. ثم قال: زدني يرحمك الله، فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز وجل يوم القيامة عن هذا الخلق، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة «5» » . فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال:
أعليك دين؟ قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي. فقال: هارون إنما أعني دين العباد. فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا، وإنما أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره، فقال «6» تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
فقال له الرشيد: هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادة ربك. فقال فضيل: سبحان الله أنا أدلك على النجاة
وتكافئني بمثل هذا سلمك الله! ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فقال لي الرشيد: إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا فإن هذا سيد المؤمنين اليوم. ويروى أن امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال لانفرجنا به. فقال:
إن مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير، يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه وأكلوا لحمه. موتوا يا أهلي جوعا ولا تنحروا فضيلا. فلما سمع الرشيد ذلك، قال: ادخل بنا فعسى أن يقبل المال.
قال: فدخلنا فلما علم بنا الفضيل خرج فجلس على السطح، فوق التراب. فجاء هارون الرشيد فجلس إلى جنبه، فكلمه فلم يرد عليه، فبينما نحن كذلك، إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد أذيت الشيخ منذ أتيته، فانصرف يرحمك الله راشدا. فانصرفنا. وقال القاضي ابن خلكان في ترجمة «1» الفضيل رحمه الله: فبلغ ذلك سفيان الثوري، فجاء إليه وقال له: يا أبا علي قد أخطأت في ردك البدرة ألا أخذتها وصرفتها في وجوه البر. فأخذ بلحيته وقال: يا أبا محمد أنت فقيه بالبلد والمنظور إليه وتغلط مثل هذا الغلط! لو طابت لأولئك لطابت لي. اهـ.
ولعل المذكور إنما كان سفيان بن عيينة لا سفيان الثوري والله أعلم.
وقال الرشيد لفضيل بن عياض: يرحمك الله ما أزهدك! فقال: أنت أزهد مني لأني أزهد في الدنيا وأنت تزهد في الآخرة والدنيا فانية والآخرة باقية! وقيل إن الفضيل، كانت له ابنة صغيرة، فوجع كفها فسألها يوما وقال: يا بنية ما حال كفك؟ فقالت: يا أبت بخير والله لئن كان الله تعالى ابتلى مني قليلا، فلقد عافى مني كثيرا ابتلى كفي وعافى سائر بدني فله الحمد على ذلك. فقال: يا بنية أريني كفك فأرته فقبّله، فقالت: يا أبت أناشدك الله هل تحبني؟ قال:
اللهم نعم. فقالت: سوأة لك من الله، والله ما ظننت أنك تحب مع الله سواه. فصاح الفضيل وقال: يا سيدي صبية صغيرة، تعاتبني في حبي لغيرك. وعزتك وجلالك لا أحببت معك سواك.
وشكا رجل إلى الفضيل بن عياض حاله فقال له: يا أخي هل من مدبر غير الله تعالى؟ فقال: لا.
قال: فارض به مدبرا. وقال: إني لأعصى الله تعالى، فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي.
وقال: إذا أحب الله تعالى عبدا أكثر غمه. وإذا أبغضه وسع عليه دنياه. وقال النووي في أذكاره:
قال السيد الجليل فضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وسئل الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه عن المحبة فقال: هي أن تؤثر الله عز وجل على ما سواه وقال رضي الله تعالى عنه: لو كان لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا للإمام لأن الله تعالى إذا أصلح الإمام، أمن البلاد والعباد. وقال رضي الله تعالى عنه: لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه، ويحسن خلقه معهم، خير له من قيام ليله وصيام نهاره. وقال رضي الله تعالى عنه: ربما قال الرجل: لا إله إلا الله، أو سبحان الله، فأخشى عليه النار. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: يغتاب بين يديه أحد فيعجبه ذلك، فيقول: لا إله إلا الله، أو سبحان الله، وليس هذا موضعهما، وإنما هو موضع أن ينصح له في نفسه، ويقول: اتق الله. وبلغه رضي الله تعالى عنه أن ابنه عليا قال: وددت أن أكون بمكان أرى فيه الناس ولا