الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إشارة:
اعلم أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجد من هو دونه وهو الخضر عليه السلام حتى تجرد عن كل ما سواه فكذلك العبد لا يجد قرب مولاه وحبه حتى يتجرد عن كل ما سواه.
قال الشبلي: انفرد بالله حتى تكون مجردا عن الأغيار وتكون واحدا للواحد فردا للفرد، وقال الإمام تاج الدين عطاء الله السكندري: من تجرد في وقته لوقته فاته من وقته، ومن استقبل الوقت فاز بحظه وأنشد:
لا كنت إن كنت أدري
…
كيف الطريق إليكا
أفنيتني عن جميعي
…
فكنت سلم يديكا
وقيل للجنيد: متى يكون العبد منفردا متحيزا؟ قال: إذا ألزم جوارحه الكف عن جميع المخالفات، وأفنى حركاته عن كل الإرادات، فكان شبحا بين يدي الحق لا يتميز وما أحسن قول بعضهم:
وعن فنائي فني فنائي
…
وفي فنائي وجدت أنتا
في محو اسمي ووسم جسمي
…
سألت عني فقلت أنتا
أشار سري إليك حتى
…
فني فنائي ودمت أنتا
أنت حياتي وسر قلبي
…
فحيث ما كنت كنت أنتا
قال الشبلي: اضرب بالدنيا وجه عاشقيها، وبالآخرة وجه طالبيها، وسلم نفسك وقد وصلت، فإذا قلت: الله فهو الله، وإذا سكت فهو الله. وهذا هو المقام العظيم، واسم الخضر عليه السلام مضطرب فيه اضطرابا متباينا، فقيل: إنه بليا بن ملكان بن فالغ بن شالح بن ارفخشذ بن نوح عليه السلام، قاله وهب بن منبه. وقيل: إيليا بن عاميل شما لخسين بن أرما بن علقما بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام. وقيل: اسمه أرميا بن حلقيا من سبط هارون قاله الثعلبي قلت: والأصح الذي نقله أهل السير وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قاله البغوي وغيره، إن اسمه بليا، بباء موحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة من تحت، وفي آخره ألفح ابن ملكان بفتح الميم، وبإسكان اللام وبالنون في آخره. وقيل: بليان، قيل: كان من بني إسرائيل، وقيل كان من أبناء الملوك وكنيته أبو العباس، قال السهيلي: كان أبوه ملكا وأمه اسمها ألها وإنها ولدته في مغارة، وأنه وجد هناك شاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، ولما وجده الرجل أخذه ورباه، فلما شب طلب أبوه كاتبا، وجمع أهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التي أنزلت على إبراهيم وشيث، فكان فيمن أقدم عليه من الكتاب ابنه الخضر عليه السلام، وهو لا يعرفه فلما استحسن خطه ومعرفته بحث عن جلية أمره فعرف أنه ابنه فضمه لنفسه، وولاه أمر الناس. ثم إن الخضر فر من الملك لأسباب يطول ذكرها ولم يزل سائحا إلى أن وجد عين الحياة فشرب منها فهو حي إلى أن يخرج الدجال، وأنه الرجل الذي يقتله الدجال ويقطعه ثم يحييه الله تعالى. انتهى وسيأتي إن شاء الله تعالى عن صاحب ابتلاء الأخيار في باب السين المهملة في لفظ السعلاء أنه ابن خالة ذي القرنين.
واختلف في سبب تلقيبه بالخضر فقال الأكثرون: لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء، والفروة وجه الأرض. وقيل: لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، والصواب
الأول. واختلف في حياته فقال الإمام محيي الدين النووي وجمهور العلماء: هو حي موجود بين أظهرنا قال: وهذا متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة. وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجواباته ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم على ذلك وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين انتهى. وقال الحسن: إنه مات وقال ابن المنادي لا يثبت حديث في بقائه. وقال الإمام أبو بكر بن العربي: مات قبل انقضاء المائة ويقرب من هذا جواب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: لما سئل عن الخضر والياس عليهما السلام هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض واحد» . «1» والصحيح الصواب أنه حي وقال بعضهم إنه اجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعزى أهل بيته وهم مجتمعون لغسله. وقد روي ذلك من طرق صحاح. وفي التمهيد لابن عبد البر إمام أهل الحديث في وقته رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم حين غسل وكفن، سمعوا قائلا يقول: السلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل هالك، وعوضا من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فعليكم بالصبر واحتسبوا، ثم دعا لهم ولا يرون شخصه، فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته رضي الله تعالى عنهم.
قال السهيلي: وقد ذكر أن الخضر عليه السلام هو ارمياء ولم يصححه محمد بن جرير الطبري، وأبطله بما يطول ذكره من الحجج. وذكر أيضا أنه اليسع صاحب الياس عليهما السلام، وأعجب ما في ذلك قول من قال: إنه ابن فرعون صاحب موسى عليه السلام. ذكره النقاش. انتهى.
واختلف في نبوته فقال القشيري وكثيرون: هو ولي. وقال بعضهم: هو نبي ورجحه النووي وحكى الماوردي في تفسيره ثلاثة أقوال: أحدها أنه نبي، والثاني أنه ولي، والثالث أنه من الملائكة. وهذا القول غريب باطل لما قدمناه. وقال المازري: اختلف العلماء في الخضر هل هو ولي أو نبي؟ فقال الأكثرون: هو نبي، واحتجوا بقول تعالى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
«2» فدل على أنه نبي يوحى إليه وبأنه أعلم من موسى، ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، وأجاب الآخرون بأنه يجوز أن يكون الله تعالى قد أوحى إلى نبي الله ذلك الزمان بأن يأمر الخضر بذلك انتهى. ولم ينقل أنه كان مع موسى فكيف يتأتى هذا الجواب والخضر كان في عصر موسى؟ فإن نقل أنه كان معه نبي آخر قيل هذا الاحتمال في الجواب وإلا فلا. فإن قيل: إن يوشع بن نون كان نبيا في زمن موسى، قيل:
هذه القضية كانت قبل نبوته، وأيضا فهو كان مصاحبا لموسى ومرافقه حين لقيا الخضر، وهو الذي أخبر موسى بانسياب الحوت في البحر. واختلف في كونه مرسلا فقال الثعلبي: الخضر نبي بعثه الله بعد شعيب، وهو معمر محجوب عن أبصار أكثر الناس. وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن. وقصته مع موسى في السفينة والغلام والقرية طويلة مشهورة، تركناها لطولها واشتهارها لكن قال السهيل: إن القرية برقة وقيل غير ذلك.