الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن غريب ما اتفق لهارون الرشيد، إن أخاه موسى الهادي، لما ولي الخلافة، سأل عن خاتم عظيم القدر كان لأبيه المهدي فبلغه أن الرشيد أخذه، فطلبه منه فامتنع من إعطائه، فألح عليه فيه، فحنق عليه الرشيد ومر على جسر بغداد فرماه في الدجلة. فلما مات الهادي وولي الرشيد الخلافة أتى ذلك المكان بعينه، ومعه خاتم رصاص، فرماه في ذلك المكان، وأمر الغطاسين أن يلتمسوه، ففعلوا فاستخرجوا الخاتم الأول. فعد ذلك من سعادة الرشيد وإبقاء ملكه. ونظير هذا ما حكاه ابن الأثير في حوادث سنة ستين وخمسمائة، قال: لما فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، قلعة بانياس وأخذها من الفرنج، ملأها ذخائر وعدة ورجالا، ثم عاد إلى دمشق، وفي يده خاتم بفص ياقوت، قيمته ألف ومائة دينار، فسقط من يده في شجرة بانياس، وهي كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان فلما بعد عن المكان الذي ضاع فيه الخاتم، علم به فأعاد بعض أصحابه في طلبه ودلهم على مكانه، وقال: أظنه هناك سقط فرجعوا إليه فوجدوه.
انتهى.
وكان الرشيد، مع عظم ملكه، يعتريه خوف الله تعالى، فمن ذلك ما ذكره الإمام العلامة محمد بن ظفر وغيره أن خارجيا خرج عليه فقتل أبطاله، وانتهب أمواله مرارا، ثم إنه جهز إليه مرة جيشا كثيفا، فقاتلوه فغلبوه، بعد جهد وأمسكوه وأتوا به الرشيد فجلس مجلسا عاما، وأمر بإدخاله عليه فلما مثل بين يديه قال له: يا هذا ما تريد أن أصنع بك؟ قال: ما تريد أن يصنع الله بك إذا وقفت بين يديه، فعفا عنه وأمر بإطلاقه. فلما خرج قال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين رجل قتل أبطالك وانتهب أموالك تطلقه بكلمة واحدة تأمل هذا الأمر، فأنه مما يجرىء عليك أهل الشر. فقال الرشيد: ردوه فعلم الرجل أنه قد تكلم في أمره، فقال: يا أمير المؤمنين لا تطعهم، فلو أطاع الله فيك الناس ما ولاك طرفة عين. قال: صدقت. ثم أمر له بصلة وصرفه. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ما اتفق له مع الفضيل بن عياض، وسفيان الثوري في باب الباء الموحدة والفاء.
وتوفي الرشيد في سنة ثلاث وتسعين ومائة بطوس ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة وهو ابن سبع وأربعين سنة وقيل خمس وأربعين. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وقيل ثلاثا وعشرين فقط. وولد بالرى وكان جوادا ممدوحا غازيا مجاهدا شجاعا مهيبا مليحا أبيض طويلا عبل «1» الجسم، قد وخطه الشيب يقال إنه منذ استخلف كان يصلي كل يوم وليلة مائة ركعة ويتصدق من خالص ماله بألف درهم وكان له معرفة جيدة بالعلوم.
خلافة محمد الأمين وهو السادس فخلع وقتل كما سيأتي
ثم قام بالأمر بعده ابنه محمد الأمين. بويع له بالخلافة يوم توفي والده بطوس واستناب أخاه المأمون على ممالك خراسان، وهو إذ ذاك ببغداد فورد بها عليه خاتم الخلافة والبردة والقضيب، ثم بويع له بها البيعة العامة وفي سائر الآفاق. وكان الرشيد قد جدد البيعة بطوس بولاية العهد لابنه المأمون بعد الأمين، وأشهد على نفسه أن جميع ما معه من مال وسلاح وغير ذلك، للمأمون وأوصى أن
يكون ما معه من الجيوش مضمومين إليه بخراسان. فلما مات الرشيد، نادى الفضل «1» بن الربيع في عسكر الرشيد بالرحيل إلى بغداد، وخالف وصية الرشيد فعظم ذلك على المأمون، وكتب إلى الفضل يذكره العهود التي أخذها عليه الرشيد، ويحذره البغي ويسأله الوفاء. فلم يلتفت الفضل إليه فكان هذا الأمر سبب ابتداء الوحشة بين والمأمون.
وذكر أبو حنيفة في الأخبار الطوال وغيره عن الكسائي أنه قال: إن الرشيد ولاني تأديب الأمين والمأمون فكنت أشدد عليهما في الأدب، وآخذهما به أخذا شديدا وخاصة الأمين، فأتتني حاجتي ذات يوم خالصة، جارية زبيدة وقالت: يا كسائي إن السيدة تقرأ عليك السلام، وتقول لك: حاجتي إليك أن ترفق بابني محمد فإنه قرة عيني وثمرة فؤادي وأنا أرقّ عليه رقة شديدة.
فقلت لخالصه: إن محمدا مرشح للخلافة بعد أبيه، ولا يجوز التقصير في أمره. فقالت خالصة:
إن لرقة هذه السيدة سببا أنا أخبرك إياه، إنها في الليلة التي ولدته فيها رأت في منامها كأنّ أربع نسوة أقبلن إليه، فاكتنفنه عن يمينه وشماله وأمامه وورائه، فقالت التي بين يديه: ملك قليل العمر عظيم الكبر ضيق الصدر واهي الأمر كبير الوزر شديد الغدر. وقالت التي من ورائه: ملك قصاف مبذر متلاف، قليل الإنصاف كثير الإسراف. وقالت التي عن يمينه.: ملك عظيم الطخم، قليل الحلم، كثير الإثم قطوع للرحم. وقالت التي عن يساره: ملك غدار كثير العثار، سريع الدمار. ثم بكت خالصة وقالت: يا كسائي وهل ينفع الحذر من القدر؟ ثم إن المأمون خلع الأمين من الخلافة، وجهز لقتاله طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين فسارا إليه وحاصراه ببغداد بعد حروب كثيرة ببغداد وتراموا بالمجانيق وجرت بينهم وقائع في أيام متعددة، وعظم الأمر واشتد البلاء، حتى خرب بسبب ذلك منازل المدينة ووثب العيارون على أموال الناس، فانتهبوها وأقام الحصار مدة سنة فتضايق الأمر على الأمين، وفارقه أكثر أصحابه وكتب طاهر إلى وجوه أهل بغداد سرا يعدهم إن أعانوه، ويتوعدهم إن لم يدخلوا في طاعته، فأجابوه وصرحوا بخلع الأمين.
وتفرّق عنه أكثر من معه فالتجأ إلى مدينة أبي جعفر، فحاصره طاهر بها ومنعه من كل شيء حتى كاد هو وأصحابه يموتون جوعا وعطشا، فلما عاين الأمين ذلك كاتب هرثمة بن أعين، وطلب منه أن يؤمنه حتى يأتيه، فأجابه إلى ذلك. فبلغ ذلك طاهرا فشق عليه، كراهية أن يظهر الفتح لهرثمة دونه، فلما كان يوم الخميس لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة خرج الأمين إلى هرثمة فلقيه هرثمة في حراقة فركب الأمين معه، وكان طاهر قد أكمن للأمين فلما صار الأمين في الحراقة خرج عليه كمين طاهر، ورموا الحراقة بالحجارة فغرق من فيها فشق الأمين ثيابه، وسبح إلى بستان فأدركوه وأخذوه، وحملوه على برذون، وأتوا به طاهرا، فبعث إليه جماعة وأمرهم بقتله، فهجموا عليه وبأيديهم السيوف، فركبوا عليه وذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه وأتوا به طاهرا، فأمر بنصبه. فلما رآه الناس، سكنت الفتنة ثم جهزه طاهر إلى المأمون وصحبته خاتم
الخلافة، وبردة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضيبه، فلما وضع الرأس بين يديه خرّ ساجدا شكرا لله تعالى على ما رزقه من الظفر. وأمر للرسول بألف ألف درهم.
وذكر عن الأصمعي أنه قال: دخلت على الرشيد وكنت قد غبت عنه بالبصرة حولا، فسلمت عليه بالخلافة فأومأ إلى بالجلوس قريبا منه فجلست قليلا ثم نهضت، فأومأ إلي أن اجلس فجلست، حتى خف الناس ثم قال لي: يا أصمعي ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله بني؟ قلت:
بلى يا أمير المؤمنين إني لأحب ذلك، وما أردت القصد إلا إليهما لأسلم عليهما، فقال: يكفي ذلك ثم قال: علي بمحمد وعبد الله، فانطلق الرسول إليهما وقال أجيبا أمير المؤمنين فأقبلا كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطاهما ورميا ببصرهما الأرض، حتى وقفا على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، فأومأ إليهما بالجلوس، فجلس محمد عن يمينه وعبد الله عن يساره، ثم أمرني بمطارحتهما الأدب فكنت لا ألقي عليهما شيئا من فنون الأدب إلا أجابا فيه، وأصابا فقال: كيف ترى أدبهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة فهمهما وذهنهما، فأطال الله تعالى بقاءهما، ورزق الأمة من رأفتهما ومعطفتهما فضمهما إلى صدره وسبقته عبرته فبكى حتى تحدرت دموعه على لحيته، ثم أذن لهما في القيام فنهضا حتى إذا خرجا قال لي: يا أصمعي كيف بهما إذا ظهر تعاديهما، وبدا تباغضهما ووقع بأسهما بينهما، حتى تسفك الدماء. ويود كثير من الأحياء أنهم كانوا موتى؟ قلت: يا أمير المؤمنين هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما، أو شيء أثرته العلماء في أمرهما؟ قال: لا بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما. وكان المأمون يقول في خلافته: كان الرشيد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى بن جعفر، ولذلك قال ما قال. وذكر صاحب عيون التواريخ وغيره، أن المأمون مرّ يوما على زبيدة أم الأمين، فرآها تحرك شفتيها بشيء لا يفهمه، فقال لها: يا أماه أتدعين علي لكوني قتلت ابنك وسلبته ملكه؟ فقالت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال فما الذي قلته؟
قالت: يعفيني أمير المؤمنين، فألح عليها وقال لا بد أن تقوليه، قالت: قلت قبح الله الملاححة.
قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأني لعبت يوما مع أمير المؤمنين الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا، فغلبني فأمرني أن أتجرد من أثوابي وأطوف القصر عريانة، فاستعفيته فلم يعفني، فتجردت من أثوابي وطفت القصر عريانة، وأنا حنقة عليه ثم عاودنا اللعب فغلبته، فأمرته أن يذهب إلى المطبخ، فيطأ أقبح جارية وأوشهها خلقة فيه فاستعفاني من ذلك فلم أعفه، فبذل إلى خراج مصر والعراق فأبيت، وقلت: والله لتفعلن ذلك فأبى، فألححت عليه، وأخذت بيده وجئت به للمطبخ، فلم أر جارية أقبح ولا أقذر ولا أشوه خلقة من أمك مراجل، فأمرته أن يطأها فوطئها، فعلقت منه بك فكنت سببا لقتل ولدي وسلبه ملكه. فولى المأمون وهو يقول: لعن الله الملاححة أي التي ألح عليها حتى أخبرته بهذا الخبر.
وقتل الأمين وهو ابن ثمان وعشرين سنة وقيل سبع وعشرين وكان طويلا أبيض بديع الحسن. وكانت خلافة أربع سنين وثمان شهور وقيل ثلاثة أعوام وأياما لأنه خلع في رجب سنة ست. ومن حسب له موته فخلافته خمس سنين خلا أشهرا وكان مبذرا للأموال لعابا لا يصلح للخلافة وكان مشتغلا باللهو والقصف والإقبال على اللذات فقال فيه بعضهم من أبيات: