الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اشتقاقه من قبن المتاع إذا وزنه فعلى هذا ينصرف لأصالة النون. والقبان الذي يوزن به قال الشعبي: معناه العدل بالرومية، والاشتقاق الأول أظهر. فذلك التزمت العرب منعه من الصرف.
الحكم:
يحرم أكلها لاستخباثها.
الأمثال:
قالوا «1» : «أذل من حمار قبان» .
الخواص:
إذا شرب حمار قبان مع شراب نفع من عسر البول، ومن اليرقان. وقال بعضهم: إذا لف حمار قبان في خرقة وعلق على من به حمى مثلثة قلعها أصلا.
التعبير
: رؤية حمار قبان في النوم تدل على حقارة الهمة ومخالطة السفل ومكاثرتهم والله أعلم.
الحمام:
قال الجوهري: هو عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت والقمارى وساق حر والقطا والوراشين، وأشباه ذلك. يقع على الذكر والأنثى لأن الهاء إنما دخلته على أنه واحد من جنس لا للتأنيث. وعند العامة إنها الدواجن فقط الواحدة حمامة وقال حميد بن ثور الهلالي من أبيات:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة
…
دعت ساق حربرهة فترنما «2»
والحمامة هنا القمرية وقال الأصمعي في قول النابغة «3» :
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت
…
إلى حمام شراع، وارد الثمد «4»
قالت: «ألا ليتما هذا الحمام لنا
…
إلى حمامتنا أو نصفه فقد»
فحسّبوه فألفوه كما زعمت
…
تسعا وتسعين لم ينقص ولم يزد
هذه زرقاء اليمامة، نظرت إلى قطا وارد في مضيق الجبل، فقالت: يا ليت هذا القطا لنا، ومثل نصفه معه إلى قطاة أهلنا فيكمل لنا مائة قطاة فاتبعت وعدت على الما. فإذا هي ست وستون. قال أبو عبيدة رأته من مسيرة ثلاثة أيام وأرادت بالحمام القطا فقالت ذلك انتهى. وقال الأموي: الدواجن التي تستفرخ في البيوت تسمى حماما أيضا وأنشد للعجاج:
إني وربّ البلد المحرم
…
والقاطنات البيت عند زمزم
قواطنا مكة من ورق الحم
يريد الحمام. وجمع الحمامة حمام وحمائم وحمامات. وربما قالوا حمام للمفرد. قال جران العود «5» :
وذكرني الصبا بعد التنائي
…
حمامة أيكة تدعو حماما
وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب الطير الكبير أن اليمام هو الحمام البري. الواحدة
يمامة، وهو ضروب. والفرق بين الحمام الذي عندنا واليمام، أن أسفل ذنب الحمامة، مما يلي ظهرها فيه بياض، وأسفل ذنب اليمامة لا بياض فيه انتهى. ونقل النووي في التحرير عن الأصمعي أن كل ذات طوق فهي حمام. والمراد بالطوق الحمرة أو الخضرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة في طوقها. وكان الكسائي يقول: الحمام هو البري، واليمام الذي يألف البيوت والصواب ما قاله الأصمعي. ونقل الأزهري عن الشافعي أن الحمام كل ما عب وهدر، وإن تفرقت أسماؤه والعب بالعين المهملة شدة جرع الماء من غير تنفس. قال ابن سيده: يقال في الطائر عبّ ولا يقال شرب. والهدير ترجيع الصوت ومواصلته من غير تقطيع له. قال الرافعي والأشبه أن ما عب هدر. قال: فلو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم، ويدل عليه أن الإمام الشافعي قال في عيون المسائل: وما عب من الماء عبا فهو حمام وما شرب قطرة قطرة كالدجاج فليس بحمام اهـ. وفيما قاله الرافعي نظر لأنه لا يلزم من العب الهدير قال الشاعر:
على جو يضي نغر مكب
…
إذا افترت فترة يعب
وحمرات شربهن غب
وصف النغر بالعب، مع أنه لا يهدر، وإلا كان حماما والنغر نوع من العصفور، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب النون، إذا علمت ذلك انتظم لك كلام الشافعي، وأهل اللغة أن الحمام يقع على الذي يألف البيوت ويستفرخ فيها، وعلى اليمام والقمري وساق حر وهو ذكر القمري، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين. والفواخت والدبسي والقطار والوارشين واليعاقب والشفنين والزاغ والورداني والطوراني. وسيأتي بيان ذلك كل واحد في بابه إن شاء الله تعالى. والكلام الآن في الحمام الذي يألف البيوت، وهو قسمان: أحدهما البري وهو الذي يلازم البروج وما أشبه ذلك، وهو كثير النفور، وسمي بريا لذلك والثاني الأهلي وهو أنواع مختلفة وأشكال متباينة، منها الرواعب والمراعيش والعداد والسداد والمضرب والقلاب والمنسوب. وهو بالنسبة إلى ما تقدم كالعتاق من الخيل وتلك البراذين، قال الجاحظ: الفقيع من الحمام، كالصقلاب من الناس، وهو الأبيض. روى أبو داود الطبراني وابن ماجه وابن حبان بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة، فقال:«شيطان يتبع شيطانة» «1» وفي رواية «شيطان يتبعه شيطان» قال البيهقي: وحمله بعض أهل العلم على إدمان صاحب الحمام على إطارته والاشتغال به، وارتقاء الأسطحة التي يشرف منها على بيوت الجيران وحرمهم لأجله. وسيأتي الكلام عليه في الأحكام. وروى البيهقي عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز رحمه الله يأمر بالحمام الطيار، فتذبح وتترك المقصصات. وروى ابن قانع والطبراني عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يعجبه النظر إلى الأترج والحمام الأحمر» . وروى الحاكم، في تاريخ نيسابور، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام
الأحمر» قال ابن قانع والحافظ أبو موسى: قال هلال بن العلاء: الحمام الأحمر التفاح. قال أبو موسى وهذا التفسير لم أره لغيره. وكان في منزله صلى الله عليه وسلم حمام أحمر يقال له وردان.
وفي عمل اليوم والليلة لابن السني عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل «أن عليا رضي الله تعالى عنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام، وأن يذكر الله عند هديره» . ورواه الحافظ ابن عساكر وقال: إنه غريب جدا وسنده ضعيف. وروى ابن عدي، في كامله، في ترجمة ميمون بن موسى، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة فقال له:«اتخذ زوجا من حمام تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها» أو «اتخذ ديكا يؤنسك ويوقظك للصلاة» . وروى أيضا في ترجمة محمد بن زياد الطحان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا الحمام المقاصيص في بيوتكم فإنها تلهي الجن عن صبيانكم» «1» . وقال عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحشة فقال له:«إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ زوجا من حمام» رواه الطبراني، وفيه الصلت الجراح لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي كامل ابن عدي في ترجمة سهل بن فرير، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«شكت «2» الكعبة إلى الله تعالى قلة زوارها، فأوحى الله إليها لأبعثن إليك أقواما يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى فراخها. وفي سنن أبي داود والنسائي، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة» «3» . ومن طبعه أنه يطلب وكره ولو أرسل من ألف فرسخ. ويحمل الأخبار ويأتي بها من البلاد البعيدة في المدة القريبة، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد. وربما اصطيد وغاب عن وطنه عشر حجج فأكثر ثم هو على ثبات عقله، وقوة حفظه، ونزوعه إلى وطنه، حتى يجد فرصة فيطير إليه. وسباع الطير يطلبه أشد الطلب وخوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره، وهو أطير منه، ومن سائر الطير كله لكنه يذعر منه، ويعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد والشاة إذا رأت الذئب، والفأر إذ رأى الهر ومن عجيب الطبيعة فيه، ما حكاه ابن قتيبة في عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه قال: لم أر شيئا قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام، رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، وذكرا لا يريد إلا أنثاه إلا أن يهلك أحدهما أو يفقد.
ورأيت حمامة تتزين للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن آخر ما تعدوه. ورأيت حمامة تقمط حمامة، ويقال: إنها تبيض من ذلك، ولكن لا يكون لذلك البيض فراخ. ورأيت ذكرا يقمط ذكرا، ورأيت ذكرا يقمط كل ما لقي. ولا يزاوج وأنثى يقمطها كل ما رآها من الذكور ولا تزاوج. وليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا الإنسان والحمام. وهو عفيف في السفاد، يجر ذنبه ليعفي أثر الأنثى، كأنه قد علم ما فعلت، فيجتهد في إخفائه. وقد يسفد لتمام ستة أشهر، والأنثى تحمل أربعة عشر يوما، وتبيض بيضتين: إحداهما ذكر والثانية
أنثى، وبين الأولى والثانية يوم وليلة، والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزءا من النهار، والأنثى بقية النهار، وكذلك في الليل. وإذا باضت الأنثى وأبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذكر، واضطرها للدخول. وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه عن الوكر، وقد ألهم هذا النوع، إذا خرجت فراخه من البيض، بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا، ويطعمها إياه، ليسهل به سبيل المطعم. فسبحان اللطيف الخبير الذي آتى كل نفس هداها.
وزعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمان سنين. وذكر الثعلبي وغيره، عن وهب بن منبه في قوله «1» تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
وقال اختار من النعم الضأن، ومن الطير الحمام.
وذكر أهل التاريخ أن أمير المؤمنين المسترشد «2» بالله بن المستظهر بالله لما حبس رأى في منامه كأن على يده حمامة مطوقة، فأتاه آت فقال له: خلاصك في هذا، فلما أصبح حكى ذلك لابن سكينة الإمام، فقال له: ما أولته يا أمير المؤمنين؟ قال أولته ببيت أبي تمام:
هن الحمام فإن كسرت عيافة
…
من حائهن فإنهن حمام «3»
وخلاصي في حمامي فقتل بعد أيام يسيرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما. وروى البيهقي في الشعب، عن معمر قال: جاء رجل إلى ابن سيرين، رحمه الله تعالى فقال: رأيت في النوم، كأن حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها أصغر مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها كما دخلت سواء. فقال له ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت، فذلك الحسن بن أبي الحسن البصري يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه. وأما التي خرجت أصغر مما دخلت فذلك محمد بن سيرين يسمع الحديث فينقص منه.
وأما التي خرجت كما دخلت سواء فهو قتادة وهو أحفظ الناس. وذكر ابن خلكان في ترجمته «4» يعني ابن سيرين، أن رجلا أتاه فقال له: رأيت كأني أخذت حمامة لجاري فكسرت جناحها، فتغير وجه ابن سيرين وقال: ثم ماذا؟ قال: ثم جاء غراب أسود فسقط على ظهر بيتي فنقبه، فقال له محمد بن سيرين: ما أسرع ما أدبك ربك! أنت رجل تخالف إلى امرأة جارك، وأسود يخالفك إلى امرأتك. قال: وكان ابن سيرين بزازا وكان من موالي أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم. وحبس بدين كان عليه. وكان يقول: إني لأعرف الذنب الذي حمل به على الدين. قيل له ما هو؟ وقال:
قلت لرجل مفلس منذ أربعين سنة: يا مفلس. قال بعضهم: قلت ذنوبهم فعلموا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبنا فليس يدري من أين نؤتى. قال: وكان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قد أوصى أن يغسله ويكفنه ويصلي عليه محمد بن سيرين، وكان محمد بن سيرين محبوسا لما مات أنس، فاستأذنوا له الأمير، فأذن له فخرج فغسله وكفنه وصلّى عليه، ثم رجع إلى السجن ولم يذهب إلى أهله. وكان ابن سيرين من أعلام التابعين وكانت له اليد الطولى في علم الرؤيا روي
أن امرأة جاءته، وهو يتغدى، فقالت له: رأيت القمر دخل في الثريا، ونادى مناد من خلقي:
ائتي ابن سيرين فقصي عليه، قال: فتغير لونه وقام. وهو آخذ على بطنه، فقالت له أخته: ما بالك؟ قال: زعمت هذه أني ميت بعد سبعة أيام. فمات بعد سبعة أيام، سنة عشر ومائة بعد الحسن البصري بمائة يوم رحمهما الله تعالى. وفي الشعب للبيهقي عن سفيان الثوري أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم لوط. وقال إبراهيم النخعي: من لعب بالحمام الطيارة، لم يمت حتى يذوق ألم الفقر. وروى البزار في مسنده أن الله تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على فم الغار، وإن ذلك مما صد المشركين عنه صلى الله عليه وسلم، وإن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين. وروى ابن وهب «أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة» . وروى الطبراني بإسناد صحيح عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية «1» : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
فجعل يعيدها علي حتى نعست عنه، ثم قال:«يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟ قلت: إلى السعة والدعة أنطلق إلى مكة فأكون حمامة من حمام الحرم، فقال صلى الله عليه وسلم: فيكيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟ قلت إلى السعة والدعة أنطلق إلى الشأم والأرض المقدسة. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت من الشأم؟ فقلت: والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال صلى الله عليه وسلم: وخير من ذلك تسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا» «2» وفي الصحيح طرف منه وفي ابن ماجه طرف من أوله.
وذكر أن هارون الرشيد كان يعجبه الحمام واللعب به، فأهدي له حمام وعنده أبو البختري وهب القاضي، فروى له بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا سبق إلا في خف أو حافرا وجناح» . «3» . فراد أو جناح. وهي لفظة وضعها للرشيد، فأعطاه جائزة سنية، فلما خرج قال الرشيد: بالله لقد علمت أنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمر بالحمام فذبح فقيل له:
وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فترك العلماء حديث أبي البختري لذلك وغيره من موضوعاته. فلم يكتبوا حديثه. وكان أبو البختري المذكور قاضي مدينة النبي صلى الله عليه وسلم بعد بكار بن عبد الله الزبيري، ثم ولي قضاء بغداد، بعد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، رحمه الله. وتوفي أبو البختري سنة مائتين في خلافة المأمون. والبختري مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء، وهو يتصحف على كثير من الناس بالبحتري الشاعر المشهور، والأول بالخاء المعجمة والثاني بالحاء المهملة. قال ابن أبي خيثمة: والشيخ تقي الدين القشيري، في الاقتراح واضع حديث الحمام غياث بن إبراهيم، وضعه للمهدي لا للرشيد. وقال ابن قتيبة: وأبو البختري هو
وهب بن وهب بن وهب ثلاثة أسماء على نسق واحد، ومثله في ملوك الفرس بهرام بن بهرام بن بهرام، ومثله في الطالبين حسن بن حسن بن حسن، ومثله في غسان الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر انتهى. قلت: ومثله في المتأخر بن الغزالي محمد بن محمد بن محمد أحد أصحاب الوجوه في المذهب.
ومما حكي لنا واشتهر ورويناه بالسند الصحيح. عن الشيخ العارف بالله تعالى أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى، أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد باهى موسى وعيسى صلّى الله عليهما وسلم بالإمام الغزالي فقال لهما: في أمتكما حبر كهذا؟ وأشار إلى الغزالي، فقالا: لا.
وقال الشيخ الإمام العارف بالله الأستاذ ركن الشريعة والحقيقة أبو العباس المرسي، وقد ذكر الغزالي فشهد له بالصديقية العظمى. وحسبك من باهى به النبي صلى الله عليه وسلم موسى وعيسى وشهد له الصديقون بالصديقية العظمى. وقد ذكر له شيخنا جمال الدين الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة، منها: هو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود، وورح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق، قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه إنسان. انتهى. وكان حجة الإسلام زين الدين محمد الغزالي قد ولي تدريس النظامية بمدينة بغداد، ثم تركها وسلك طريق الزهد وقصد الحج، فلما رجع توجه إلى الشأم، فأقام بدمشق بزاوية الجامع، وانتقل إلى القدس ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها في النظامية، ثم تركها وعاد إلى وطنه واتخذ خانقاه للصوفية وصرف وقته إلى وظائف الخيرات، من تلاوة القرآن، ومجالسة الصالحين، وكثرة العبادة، والتخلي عن الدنيا، والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة، والتبحر في علوم الحقيقة. وكتبه نافعة مفيدة، لا سيما إحياء علوم الدين فإنه كتاب لا يستغنى عنه طالب الآخرة. توفي الإمام حجة الإسلام في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة بطوس رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه.
وذكر ابن خلكان أن شرف الدين بن عنين حضر درس فخر الدين «1» الرازي بخوارزم، فسقطت بالقرب منه حمامة، وقد طردها بعض الجوارح فلما وقعت رجع عنها، ولم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد، فلما قام الإمام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها وأخذها بيده، فأنشده ابن عنين بديها أبياتا منها:
من نبأ الورقاء أن محلكم
…
حرم وأنك ملجأ للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفها
…
فحبوتها ببقائها المستأنف
ولو أنها تحبى بمال لانثنت
…
من راحتيك بنائل متضاعف «2»