الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى المستكفي، فظن أنهما يريدان تقبيل يده، فمدها إليهما، فجذباه من على السرير وجعلا عمامته في عنقه، ثم سحب إلى معز الدولة واعتقل ثم خلع، وسملت عيناه، وانتهبت دار الخلافة حتى لم يبق فيها شيء. وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وتوفي في دار معز الدولة في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وهو ابن ست وأربعين سنة وكانت خلافته سنة وأربعة شهور.
خلافة أبي الفضل المطيع لله ابن المقتدر وهو السادس فخلع
ثم قام بالأمر بعده، ابن عمه أبو الفضل المطيع لله ابن المقتدر بن المعتضد. بويع له بالخلافة وله يومئذ أربع وثلاثون سنة، يوم خلع ابن عمه المستكفي بالله، وتدبير المملكة إلى معز الدولة بن بويه، وفي أيامه توفي معز الدولة ببغداد في سنة ست وخمسين وثلاثمائة. وكانت مدة ملكه بالعراق إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا. كان ملكا شجاعا مقداما قوي القلب، إلا أنه كان في أخلاقه شراسة، فما زالت التجارب تحنكه والسعادة تخدمه وترفعه، إلى أن بلغ الغاية التي لم يبلغها قبله أحد في الإسلام، إلا الخلفاء.
ولما توفي قام ولده عز الدولة بختيار بتدبير المملكة، وقلده المطيع لله موضع والده، وخلع عليه واستقل بالأمور. وفي أيامه أيضا توفي كافور الاخشيدي صاحب مصر، في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة، وفيها قدم جوهر القائد، غلام المعز لدين الله صاحب القيروان، مصر. فأقام الدعوة بها للمعز لدين الله وبايعه بها الناس على ذلك. وانقطعت الخطبة بمصر عن بني العباس، وشرع جوهر القائد في بناء القاهرة لإسكان الجند بها، ثم دخل المعز لدين الله مصر لثمان مضين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثمائة. وهو أول الخلفا الفاطميين، بمصر.
ولما تغلب سبكتكين التركي على بغداد، وكان أكبر حجاب معز الدولة، ولم تزل منزلته ترتفع عند معز الدولة، حتى عظم أمره ونفذت كلمته، وخاف المطيع لله منه على نفسه، وانضاف إلى ذلك أنه لازمه مرض، فخلع نفسه من الخلافة طائعا، وسلمها لولده عبد الكريم وقيل أبي بكر وقيل إنها كنيته، وسماه الطائع لله وذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ثم توفي بدير العاقول «1» ، سنة أربع وستين وثلاثمائة وكان بين خلعه وموته شهران.
وكان عمره ثلاثا وستين سنة وكان وطيء الجانب كثير الصدقات، غير أنه كان مغلوبا على أمره وليس له من الخلافة إلا الإسم وكانت خلافته تسعا وعشرين سنة وأربعة شهور رحمة الله تعالى عليه.
خلافة أبي بكر عبد الكريم الطائع لله
ثم قام بالأمر بعده، ولده عبد الكريم أبو بكر الطائع لله، بويع له بالخلافة يوم خلع أبوه
نفسه، من الخلافة وعمره سبع وأربعون سنة، ولم يل الخلافة من بني العباس من هو أكبر سنا. قال صاحب رأس مال النديم: إنه لم يتقلد الخلافة من أبوه حي، سوء الطائع لله والصدّيق رضي الله تعالى عنه، وكلاهما إسمه أبو بكر. وهو السادس، فخلع كما سيأتي إن شاء الله تعالى وذلك إذا لم يعد ابن المعتز وإن عد فالمطيع هو السادس، وقد خلع نفسه لما حصل له من الفالج، ولما ولي، أعني الطائع خلع على سبكتكين التركي، وولاه ما وراء بابه.
وفي أيام الطائع استولى الملك عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، على بغداد وملكها، فخلع عليه الطائع لله الخلع السلطانية، وتوجه وطوقه وسوره. وعقد له لواءين، وولاه ما وراء بابه.
وتسلم عضد الدولة الوزير أبا طاهر بن بقية «1» وزير عز الدولة وصلبه، فرثاه أبو الحسن بن الأنباري «2» بمرثيه لم يسمع في مصلوب مثلها فلنأت بها وهي هذه «3» :
علو في الحياة وفي الممات
…
لحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك إذ أقاموا
…
وفود نداك أيام الصّلات «4»
كانك قائم فيهم خطيبا
…
وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء
…
كمدكها إليهم بالهبات «5»
ولما ضاق بطن الأرض عن أن
…
يضم علاك من بعد الممات
أصاروا الجو قبرك واسعاضوا
…
عن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت ترعى
…
بحراس وحفاظ ثقات «6»
وتوقد حولك النيران قدما
…
كذلك كنت أيام الحياة «7»
ركبت مطية من قبل زيد
…
علاها في السنين الماضيات
وتلك قضية فيها تأس
…
تباعد عنك تعيير العداة «8»
ولم أر قبل جذعك قط جذعا
…
تمكن من عناق المكرمات
أسأت إلى النوائب فاشتثارت
…
فأنت قتيل ثأر النائبات
وكنت تجيرنا من صرف دهر
…
فعاد مطالبا لك بالترات «9»
وصير دهرك الإحسان فيه
…
إلينا من عظيم السيئات
وكنت لمعشر سعدا فلما
…
مضيت تفرقوا بالمنحسات
غليل باطن لك في فؤادي
…
حقيق بالدموع الجاريات «10»
ولو أني قدرت على قيام
…
بفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي
…
ونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسي
…
مخافة أن أعد من الجناة
ومالك تربة فأقول تسقى
…
لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترى
…
برحمات غواد رائحات
وتوفي الملك عضد الدولة بن بويه في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وهو ابن تسع وأربعين سنة وأحد عشر شهرا أو كان له ملك العراق وكرمان وعمان وخوزستان والموصل وديار بكر وحران ومنيج. وكانت مدة ملكه ببغداد خمس سنين. وكان ملكا فاضلا، جليلا عظيما، مهيبا صارما، كريما شجاعا بطلا ذكيا، وله في الذكاء أخبار عجيبة ونكت غريبة، ليس هذا موضع ذكره. وهو أول من تسمى بملك في الإسلام. ولما احتضر جعل يقول: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
«1» ويرددها حتى مات، ولما مات كتم موته ودفن بدار المملكة ببغداد. ثم ظهر موته وأخرج من قبره، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فدفن به.
وكان عضد الدولة قد بنى المشهد قبل موته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفهد. ومما يحكى أن عضد «2» الدولة خرج يوما إلى بستان له متنزها فقال: ما أطيب يومنا هذا لو ساعدنا فيه الغيث فجاء المطر في الوقت فقال «3» :
ليس شرب الراح إلا في المطر
…
وغناء من جوار في السّجر
ناعمات سالبات للنهى
…
ناغمات في تضاعيف الوتر «4»
مبرزات الكأس من مطلعها
…
ساقيات الراح من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها
…
ملك الأملاك غلاب القدر «5»
سهل الله له بغيته
…
في ملوك الأرض ما دار القمر
وأراه الخير في أولاده
…
ليساس الملك منهم بالغرر
فلم يفلح بعد هذه الأبيات وعوجل بقوله غلاب القدر، ولما مات عضد الدولة قام بتدبير المملكة بعده ولده بهاء الدولة فخلع عليه الطائع لله وقلده ما كان بيد أبيه.
ثم إن بهاء الدولة أمسك الطائع لله واعتقله، ونهب دار الخلافة ثم أشهد على الطائع بخلع نفسه من الخلافة. وذلك في شهر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وأقام مخلوعا معتقلا إلى أن