الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلافة مروان بن الحكم
ثم قام بالأمر بعده مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. بويع له بالخلافة بالجابية، ثم دخل الشام فأذعن أهلها له بالطاعة، ثم دخل مصر بعد حروب كثيرة فبايعه أهلها. وكان يقال له ابن الطريد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان قد طرد أباه إلى الطائف، فرده عثمان رضي الله تعالى عنه حين ولي كما تقدم قريبا. وتوفي مروان سنة خمس وستين، وثبت عليه زوجته، لكونه شتمها فوضعت على وجهه مخدة كبيرة، وهو نائم، وقعدت هي وجواريها فوقها حتى مات.
وكان قد لحق النبي صلى الله عليه وسلم وهو صبي وولي نيابة المدينة مرات، وهو قاتل طلحة أحد العشرة رضي الله تعالى عنهم. وكان كاتب السر لعثمان رضي الله تعالى عنه، وبسببه جرى عليه ما جرى.
وكانت خلافته عشرة أشهر وكان عمره ثلاثا وثمانين سنة. روى الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من المستدرك، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه. قال:«كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدعو له فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال «1» : «هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون» . ثم قال صحيح الإسناد.
ثم روي أيضا عن عمرو بن مرة الجهني، وكانت له صحبة، أن الحكم بن أبي العاص، استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف صوته فقال «2» :«ائذنوا له عليه وعلى من يخرج من صلبه لعنة الله إلا المؤمن منهم وقليل ما هم يترفهون في الدنيا، ويضيعون في الآخرة ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق» . وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في باب الواو في لفظ الوزغ.
خلافة عبد الملك بن مروان
ثم قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه مروان، وهو أول من سمي بعبد الملك في الإسلام، وأوّل من ضرب الدراهم والدنانير بسكة الإسلام. وكان على الدنانير نقش بالرومية، وعلى الدراهم نقش بالفارسية. قلت: ولهذا سبب وهو أني رأيت في كتاب المحاسن والمساوي، للإمام أبراهيم بن محمد البيهقي ما نصه قال الكسائي: دخلت على الرشيد ذات يوم، وهو في ديوانه، وبين يديه مال كثير، قد شق عنه البدر شقا. وأمر بتفريقه في خدمه الخاصة، وبيده درهم تلوح كتابته، وهو يتأمله وكان كثيرا ما يحدثني، فقال: هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ قلت: يا سيدي هو عبد الملك بن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا علم لي، غير أنه أوّل من أحدث هذه الكتابة. فقال: سأخبرك كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك الروم، وكانت تطرز بالرومية، وكان طرازها أبا وابنا وروحا، فلم يزل ذلك كذلك صدر الإسلام كله، يمضي على ما كان عليه، إلى
أن ملك عبد الملك بن مروان فتنبه له، وكان فطنا فبينما هو ذات يوم، إذ مر به قرطاس، فنظر إلى طرازه، فأمر أن يترجم بالعربية، ففعل ذلك فأنكره، وقال: ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام، أن يكون طراز القراطيس، وهي تحمل في الأواني والثياب، وهما يعملان بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد، على سعته وكثرة ماله، والبلد يخرج منه هذه القراطيس تدور في الآفاق والبلاد، وقد طرزت بسطر مثبت عليها، فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز ابن مروان، وكان عامله بمصر، بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك، وأن يأمر صناع القراطيس، أن يطرزوها بصورة التوحيد: شهد الله أن لا إله إلا هو، وهذا طراز القراطيس خاصة، إلى هذا الوقت، لم ينقص ولم يزد ولم يتغير، وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم، ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع، والحبس الطويل. فلما ثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد، وحمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم وترجم له ذلك الطراز، فأنكره وغلظ عليه واستشاط غيظا، فكتب إلى عبد الملك:
أن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يزل يطرز بطراز الروم، إلى أن أبطلته فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطؤا، فاختر من هاتين الحالتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك، وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه، في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق، حاجة أشكرك عليها، وتأمر بقبض الهدية، وكانت عظيمة القدر.
فلام قرأ عبد الملك كتابه، رد الرسول وأعلمه أنه لا جواب له، ورد الهدية فانصرف بها إلى صاحبه، فلما وافاه أضعف الهدية ررد الرسول إلى عبد الملك، وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي، فأضعفت الهدية وإني أرغب إليك إلى مثل ما رغبت فيه، من رد الطراز إلى ما كان عليه أولا. فقرأ عبد الملك الكتاب، ولم يجبه ورد الهدية فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول:
إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي، فتوهمتك استقللت الهدية، فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول، وقد أضعفتها ثالثة وأنا أحلف بالمسيح، لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه، أو لأمرن بنقش الدنانير والدراهم، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام، فينقش عليها شتم نبيك فإذا قرأته أرفض جبينك عرقا فأحب أن تقبل هديتي، وترد الطراز إلى ما كان عليه، ويكون فعل ذلك هدية تودني بها، ونبقى على الحال بيني وبينك.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب، صعب عليه الأمر وغلظ، وضاقت به الأرض، وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام، لأني جنيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر، ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذا كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم، فجمع أهل الإسلام واستشارهم، فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به، فقال له
روح «1» بن زنباع: إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه، فقال: ويحك من؟
فقال: عليك بالباقر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم! قال: صدقت، ولكنه ارتج علي الرأي فيه فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إلى محمد بن علي بن الحسين مكرما ومتعه بمائة ألف درهم لجهازه، وبثلاثمائة ألف لنفقته، وارح عليه في جهازه وجهاز من يخرج معه، من أصحابه، وحبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي فلما وافاه، أخبره الخبر، فقال له محمد رحمه الله تعالى: لا يعظم هذا عليك، فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله عز وجل، لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم، في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى وجود الحيلة فيه. قال: وما هي؟ قال: تدعو في هذه الساعة بصناع، فيضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها صورة التوحيد، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما في وجه الدرهم والدينار، والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه، والسنة التي يضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الأصناف الثلاثة، التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعا إحدى وعشرين مثقالا، فتجزئها من الثلاثين، فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل، وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل. وكانت الدراهم، في ذلك الوقت، إنما هي الكسروية «2» ، التي يقال لها اليوم البغلية، لأن رأس البغل ضربها لعمر رضي الله تعالى عنه، بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليها صورة الملك وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية «نوش خور» أي كل هنيئا. وكان وزن الدرهم منها، قبل الإسلام، مثقالا والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل، والعشرة وزن خمسة مثاقيل، هي السمرية والخفاف والثقال، ونقشها نقش فارس ففعل ذلك عبد الملك، وأمره محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها. وأن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن تبطل وترد إلى مواضع العمل، حتى تعاد إلى السكك الإسلامية ففعل عبد الملك ذلك.
ورد رسول ملك الروم إليه بذلك بقوله: إن الله عز وجل مانعك مما قد أردت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا وكذا، وبإبطال السكك والطروز الرومية. فقيل لملك الروم إفعل ما كنت تهددت به ملك العرب، فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأني كنت قادرا عليه، والمال وغيره برسوم الروم، فأما الأن فلا أفعل، لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام، وامتنع من الذي قال. وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه إلى اليوم.
ثم رمى، يعني الرشيد، بالدرهم إلى بعض الخدم، وتمكن عبد الله بن الزبير، فبايعه أهل الحرمين واليمن والعراق، واستناب على العراق وما يليه أخاه مصعب بن الزبير، وتفرقت الكلمة
فبقي في الوقت خليفتان: أكبرهما ابن الزبير رضي الله تعالى عنه، ثم لم يزل عبد الملك إلى أن ظفر به وقتله بعد حروب عظيمة. وذلك أنه سار من دمشق إلى العراق، فبرز إليه نائبها مصعب بن الزبير، وكان عبد الملك قد كاتب جيشه بأمور، فخذلوه وتسللوا عنه، فصار مصعب في نفر يسير، والتحم بينهما القتال، فظهرت من مصعب شجاعة عظيمة، ولم يزل كذلك حتى قتل، فاستولى عبد الملك حينئذ على العراق وخراسان، واستناب عليها أخاه بشر بن مروان، وكر راجعا إلى دمشق، ثم جهز الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش لحرب ابن الزبير، فحاصروه وضايقوه ونصبوا المنجنيق على جبل أبي قبيس، فكان يضرب بشجاعته المثل. كان رضي الله تعالى عنه، يحمل عليهم وحده فيهزمهم ويخرجهم، من أبواب المسجد واستمر يقاتلهم أربعة أشهر، ففي آخرها حمل عليهم فسقطت على رأسه شرافة من شراريف المسجد، فخر منها، فبادروا إليه واحتزوا رأسه، رضي الله تعالى عنه. فأمر اللعين الحجاج، أخزاه الله وقبحه، بصلب جسده.
وكان عبد الملك، قبل الخلافة متعبدا ناسكا عالما فقيها واسع العلم، وكان طويل العنق رقيق الوجه مشدود الأسنان بالذهب، حازما لا يكل أمره إلى سواه شديد البخل، يلقب برشح الحجر لبخله، ويلقب أيضا بأبي ذباب لبخره محبا للفخر، ومقداما على سفك الدماء، وكذلك كان عماله: الحجاج بالعراق، والمهلب بن أبي صفرة بخراسان، وهشام بن إسماعيل وعبد الله ابنه بمصر، وموسى بن نصير بالمغرب، ومحمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، ومحمد بن مروان بالجزيرة. وكل من هؤلاء ظلوم غشوم جبار. قاله ابن خلكان.
ومن غريب ما سمع، فيما حكاه ابن خلكان، أن علي بن عبد الله بن عباس ومحمد ابنه، دخلا على عبد الملك بن مروان، وعنده قائف «1» فأجلسهما، ثم قال للقائف: أتعرف هذا؟ قال: لا ولكن أعرف من أمره، إن هذا الفتى الذي معه ابنه، وأنه يخرج من عقبه فراعنة يملكون الأرض، لا يناويهم مناو إلا وقتلوه. فتغير لون عبد الملك. ثم قال: زعم راهب إيليا، وكان قد رآه عنده، أنه يخرج من صلبه ثلاثة عشر ملكا، ووصفهم بصفاتهم. وذكر أبو حنيفة في الأخبار الطوال أن عبد الملك بن مروان، أوصى ابنه الوليد، لما ثقل في مرضه، فقال: يا وليد لا ألفينك إذا وضعتني في حفرتي، تعصر عينيك كالأمة الولهاء، بل اتزر وشمر والبس جلد النمر، وادع الناس إلى البيعة فمن قال برأسه كذا أي لا، فقل بالسيف كذا أي أضرب عنقه.
وكان عبد الملك يلقب بحمامة المسجد، لقبه به ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وجاءته الخلافة وهو يقرأ في المصحف، فطبقه وقال: سلام عليك، هذا فراق بيني وبينك. وقيل إنه قيل لابن عمر رضي الله تعالى عنه: أرأيت لو نفاني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمن نسأل بعدهم؟
فقال: سلوا هذا الفتى، يعني عبد الملك، توفي عبد الملك بن مروان في شوال سنة ست وثمانين، وله ثلاث وستون سنة، وقيل ستون. وخلف سبعة عشر ولدا ولي الخلافة منهم أربعة. وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة عشر يوما، منها ثمان سنين مزاحما لابن الزبير. ثم انفرد بمملكة الدنيا إلى أن مات رحمة الله عليه.