الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يوم حنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، على بغلته الشهباء، التي يقال لها الدلدل، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«دلدل أسدى فألصقت بطنها بالأرض حتى أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب، فرمى بها وجوههم وقال: حم*
«1» لا ينصرون قال: فانهزم القوم وما رميناهم بسهم، ولا طعناهم برمح، ولا ضربناهم بسيف» . وفيه من حديث شيبة بن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين لعمه العباس:
«ناولني من البطحاء» ، فأفقه الله تعالى البغلة كلامه فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحصباء، فنفخ في وجوههم، وقال:«شاهت الوجوه حم لا ينصرون» .
تتمة:
روى الطبراني وأبو نعيم من طرق صحيحه عن خزيمة بن أوس، قال: هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقدمت عليه عند منصرفه من تبوك فأسلمت، فسمعته يقول «2» :«هذه الحيرة قد رفعت لي وإنكم ستفتحونها، وهذه الشيماء بنت نفيل الأزدية، على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» . فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة، فوجدناها على هذه الصفة، فهي لي. قال عليه الصلاة والسلام:«هي لك» فأقبلنا مع خالد بن الوليد نريد الحيرة، فلما دخلناها كان أول من تلقانا الشيماء بنت نفيل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود» فتعلقت بها، وقلت هذه وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فطلب مني خالد عليها البينة فأتيته بها، فسلمها لي، ونزل إلينا أخوها عبد المسيح فقال لي: أتبيعينها؟ فقلت: نعم، فقال: احتكم ما شئت فقلت: والله لا أنقصها عن ألف درهم. فدفع لي ألف درهم. فقيل لي: لو قلت مائة ألف درهم لدفعها إليك فقلت: لا أحسب مالا أكثر من ألف درهم. قال الطبراني: وبلغني أن الشاهدين كانا محمد ابن مسلمة وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم.
الحكم:
يحرم أكل المتولد منها بين الحمار الأهلي والفرس، لما روى جابر قال:«ذبحنا يوم حنين البغال والحمير والخيل فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمير والبغال، ولم ينهنا عن الخيل ولأنه متولد بين ما يحل وما يحرم» «3» . فغلب جانب التحريم، فإن تولد بين حمار وحشي وفرس حل.
وأما الحديث الذي رواه البزار، بإسناد صحيح، عن أبي واقد «أن قوما لهم بغل، ولم يكن لهم شيء غيره، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، «فرخص لهم فيه» فهذا محمول على أنهم كانوا مضطرين، يحل لهم أكل الميتة.
فرع:
وإذا أوصى لزيد ببغلة، لا تتناول الذكر على الأصح. كما لا تتناول البقرة الثور والثاني تتناوله والهاء للوحدة كبقرة وزبيبة.
الأمثال:
«قيل للبغل: من أبوك؟ قال الفرس خالي «4» » . يضرب للمخلط في أمره. وقالوا:
«أعقر من بغل وأعقم من «1» بغلة» . وقالوا: «أعيب من بغلة أبي دلامة» ، واسمه زند بن الجون كوفي أسود، كان مولى لبني أسد، وكان صاحب نوادر: فمنها أنه مرض له ولد، فاستدعى طبيبا ليداويه وشرط له جعلا معلوما، فلما برىء ولده، قال له: والله ما عندنا شيء نعطيك إياه، ولكن إدّع على فلان اليهودي بمقدار الجعل، وكان ذا مال كثير، وأنا وولدي نشهد لك بذلك. فمضى الطبيب إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وحمل إليه اليهودي وادعى عليه بذلك المبلغ، فأنكر.
فقيل: ألك بينة؟ قال: نعم، قال: أحضرها، فدخل أبو دلامة وهو ينشد والقاضي يسمع شعره «2» :
إن الناس غطوني تغطيت عنهم
…
وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
وإن نبئوا بئري نبئت بئارهم
…
ليعلم قوم كيف تلك النبائث
فلما شهدا عند القاضي، قال لهما: شهادتكما مقبولة وكلامكما مسموع. ثم غرم المبلغ من عنده وجمع بين المصلحتين. ومنها أنه خاصم رجلا إلى عافية بن يزيد القاضي فقال:
لقد خاصمتني غواة الرجال
…
وخاصمتهم سنة وافية
فما أدحض الله لي حجة
…
وما خيّب الله لي قافية
فمن كنت من جوره خائفا
…
فلست أخافك يا عافية
فقال له عافية: لأشكونك لأمير المؤمنين، قال ولم؟ قال: لأنك هجوتني. قال: أبو دلامة إن شكوتني ليعزلنك قال: ولم؟ قال: لأنك لا تعرف الهجاء من المدح. ومنها ما قاله الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: روي أن أبا دلامة دخل على المهدي، فأنشده قصيدة فقال له: سلني حاجتك، فقال:
يا أمير المؤمنين هب لي كلبا، فغضب المهدي وقال: أقول لك سلني حاجتك، فتقول: هب ليي كلبا!. فقال: يا أمير المؤمنين الحاجة لي أم لك؟ قال: بل لك قال: فإني أسألك أن تهب لي كلب صيد، فأمر له بكلب. فقال: يا أمير المؤمنين هبني خرجت إلى الصيد، أفأعدو على رجلي؟ فأمر له بدابة. فقال: يا أمير المؤمنين فمن يقوم عليها؟ فأمر له بغلام. فقال يا أمير المؤمنين هبني صدت صيدا فأتيت به المنزل فمن يطبخه لي؟ فأمر له بجارية. فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء أين يبيتون؟
فأمر له بدار. فقال: يا أمير المؤمنين قد صار في عنقي جماعة من العيال، فمن أين لي ما يقوت هؤلاء؟ قال: فإن أمير المؤمنين قد أقطعك ألف جريب عامرا وألف جريب غامرا. فقال: أما العامر فقد عرفت. فما الغامر؟ قال: الخراب الذي لا شيء فيه. فقال: أنا أقطع أمير المؤمنين مائة ألف جريب غامرة بالبدو، ولكني أسأل أمير المؤمنين من ألف جريب جريبا واحدا عامرا.
قال: من أين؟ قال: من بيت المال. فقال المهدي حوّلوا المال وأعطوه جريبا. فقال: يا أمير المؤمنين إذا حوّلوا منه المال صار غامرا فضحك المهدي منه وأرضاه.
قلت: وقد أذكرتني هذه الحكاية ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الأذكياء، بسنده عن محمد بن إسحاق السراج، قال: أنبأنا داود بن رشيد قال: قلت للهيثم بن عدي: بأي شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء وأنزله منه تلك المنزلة الرفيعة؟ قال: إن
خبره لظريف، فإن أحببت شرحته لك؟ قلت: قد والله أحببت ذلك. قال: اعلم أنه وافى الربيع «1» الحاجب حين أفضت الخلافة إلى المهدي، فقال: استأذن لي علي أمير المؤمنين فقال له الربيع: من أنت؟ وما حاجتك؟ قال: أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين رؤيا صالحة، وقد أحببت أن تذكرني له. فقال له الربيع: يا هذا إن القوم لا يصدقون ما يرونه لأنفسهم، فكيف ما يراه لهم غيرهم؟ فاحتل بحيلة غير هذه، تكون أدر عليك من هذه. فقال: إن لم تخبره بمكاني وإلا سألت من يوصلني إليه وأخبره إني سألتك الإذن عليه فلم تفعل. فدخل الربيع على المهدي وقال له: يا أمير المؤمنين إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم وقد احتالوا لكم بكل ضرب. فقال له المهدي: هكذا صنع الملوك فماذا؟ قال: رجل بالباب يزعم أنه رأى لأمير المؤمنين رؤيا صالحة، وقد أحب أن يقصها على أمير المؤمنين، فقال له المهدي: ويحك يا ربيع إني والله قد أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي، فكيف إذا ادعاها لي من لعله افتعلها؟ قال: قد قلت له والله مثل هذا فلم يقبل: قال فهات الرجل. فأدخل عليه سعيد بن عبد الرحمن، وكان له رواء وجمال وثروة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان طلق، فقال له المهدي: هات بارك الله عليك ما رأيت قال: يا أمير المؤمنين، رأيت كأن آتيا أتاني في منامي، فقال لي أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أن يرى في ليلته هذه في منامه، كأنه يقلب ياقوتا فيعده فيجده ثلاثين ياقوتة، كأنها قد وهبت له. فقال له المهدي: ما أحسن ما رأيت! ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة، على ما أخبرتنا به، فإن كان الأمر كما ذكرته أعطيناك ما تريد، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا ربما صدقت وربما اختلقت. فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين فماذا أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي، وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين ثم رجعت صفر اليدين. فقال له المهدي:
فكيف نصنع؟ فقال: تعجل لي يا أمير المؤمنين ما أحب، وأحلف لك بالطلاق أني صادق في رؤياي فأمر له بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يؤخذ منه كفيل فمد عينيه فرأى خادما واقفا على رأس المهدي، حسن الوجه والزي، فقال: هذا يكفلني. فقال له المهدي: أتتكفل به؟ فاحمر وجهه وخجل، وقال: نعم أتكفله. وانصرف سعيد بالمال. فلما كان في تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفا بحرف. وأصبح سعيد فوافى الباب قائما واستأذن فأذن له، فلما وقعت عين المهدي عليه، قال له: أين مصداق ما قلت؟ فقال له سعيد: أو ما رأى أمير المؤمنين شيئا؟ فتلجلج في جوابه فقال له سعيد امرأته طالق أن لم تكن رأيت شيئا، فقال له المهدي: ويحك ما أجرأك على الحلف بالطلاق، قال لأني أحلف على صدق. فقال المهدي: قد والله رأيت ذلك بينا. فقال سعيد: الله أكبر أنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني. فقال له: حبا وكرامة ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار، وعشرة تخوت ثياب، وثلاثة مراكب من أنفس دوابه. وقال غيره: ثلاث بغال شهب. فأخذ ذلك وانصرف، فلحقه الخادم الذي كان تكفل به، وقال له: سألتك بالله الذي لا إله إلا هو هل كان لتلك الرؤيا التي ذكرت حقيقة؟ فقال له سعيد: لا والله. فقال له: وكيف ذلك وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته؟ فقال: هذه من المخاريق الكبار التي لا يأبه لها أمثالكم، وذلك أني لما
ألقيت إليه هذا الكلام، خطر بباله وحدث به نفسه واشرأب به قلبه، واشتغل به فكره، فساعة ما نام خيل له ما كان في قلبه، مما شغل به فكره، فرآه في منامه. فقال له الخادم: فقد حلفت بالطلاق قال: طلقت واحدة وبقيت معي على اثنتين فأزيد في المهر عشرة دراهم وأحصل على عشرة آلاف درهم وثلاثة آلاف دينار وعشرة تخوت من أصناف الثياب وثلاثة مراكب. فبهت الخادم في وجهه وتعجب من أمره فقال له سعيد: قد والله صدقتك، وجعلت صدقي لك مكافأتك على كفالتك لي، فاستر ذلك علي ففعل. ثم إن المهدي طلبه لمنادمته، فجعل ينادمه وحظي عنده وقلده القضاء على عسكره، فلم يزل كذلك حتى مات المهدي ثم قال ابن الجوزي: هكذا رويت لنا هذه الحكاية وإني لمرتاب من صحتها وما أبعد هذا أن يحكى عن قاض من القضاة.
قلت: وقد سئل الإمام أحمد عن سعيد بن عبد الرحمن هذا فقال: ليس به بأس. وقال يحيى بن معين: هو ثقة، وإنما اتهم بهذا الهيثم بن عدي، فقد قال يحيى بن معين: الهيثم ليس بثقة، كان يكذب. وقال علي بن المديني: لا أرضاه في شيء. وقال أبو داود العجلي: الهيثم كذاب. وقال إبراهيم بن يعقوب الجرجاني:
الهيثم ساقط قد كشف قناعه. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وفي كتاب الفرج بعد الشدة، عن رجل من الجند قال: خرجت من بعض بلدان الشأم، أريد قرية من قراها، فلما صرت في بعض الطريق، وقد سرت عدة فراسخ، لحقني التعب وكان معي بغلة عليها خرجي وقماشي، وكان قد قرب المساء، فإذا بدير عظيم، وفيه راهب في صومعة، فنزل إلي واستقبلني وسألني المبيت عنده، وأن يضيفني ففعلت فلما دخلت الدير لم أجد فيه غيره، فأخذ بغلتي وطرح لها شعيرا، وعزل رحلي في بيت، وجاءني بماء حار، وكان الزمان شديد البرد والثلج يسقط، وأوقد بين يدي نارا عظيمة، وجاء بطعام طيب فأكلت ومضت قطعة من الليل، فأردت النوم، فسألته عن طريق المستراح، فدلني عليه، وكنا في غرفة، فنزلت ومشيت، فلما صرت على باب المستراح، إذا بارية عظيمة، فلما صارت رجلاي عليها، سقطت فإذا أنا بالصحراء، وإذا البارية كانت مطروحة على غير سقف، وكان الثلج يسقط سقوطا عظيما، فصحت بالراهب، فلم يكلمني.
فقمت وقد تجرح بدني إلا أني سالم، فجئت فاستظللت بطق باب الدير من الثلج. فإذا حجارة قد أتتني لو تمكنت من دماغي لطحنته. فخرجت أعدو وأصيح فشتمني. فعلمت أني أتيت من جانبه، وأنه طمع في رحلي فلما خرجت من ظل الدير، وقع الثلج عليّ وبل ثيابي، فنظرت فإذا أنا تالف من البرد والثلج، فولد لي الفكر أن أخذت حجرا قريبا من الثلاثين رطلا، فوضعته على عاتقي وجعلت أعدو به في الصحراء شوطا طويلا، حتى يأخذني التعب، فإذا تعبت وحميت وعرقت طرحت الحجر، وجلست أستريح، فإذا سكنت وأخذني البرد تناولت الحجر وعدوت به فلم أزل على تلك الحالة إلى الصبح. فلما كان قبل طلوع الشمس، وأنا خلف الدير، إذ سمعت حس باب الدير وقد فتح وإذا بالراهب قد خرج وجاء إلى الموضع الذي سقطت منه فلم يرني، فقال: يا قوم ما فعل؟ وأنا أسمعه، ثم مشى فخالفته إلى باب الدير، ودخلت الدير وهو دائر يطلبني حول الدير، ووقفت خلف الباب، وكان في وسطي خنجر لم يشعر به الراهب، فطاف حول الدير فلما لم يقف لي على علم ولا خبر، ولا عرف لي أثرا، عاد ودخل الدير وأغلق الباب،