الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأنه كان يصنع الأرحاء، فلقي عمر يوما فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل على غلتي فكلمه لي ليخفف عني، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه اتق الله وأحسن إلى مولاك.
فغضب أبو لؤلؤة وقال: يا عجباه قد وسع الناس عدله غيري، وأضمر على قتله واصطنع له خنجرا له رأسان، وسمه وتحين به عمر رضي الله تعالى عنه، فجاء عمر إلى صلاة الغداة، قال عمرو بن ميمون: إني لقائم في الصلاة، وما بيني وبين عمر إلا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني الكلب، حين طعنه، وطار العلج «1» بسكين كان ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا أو شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات سبعة، وقيل تسعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما علم أنه مأخوذ نحر نفسه. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قاتله الله لقد أمرت به معروفا. ثم قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام. وكان أبو لؤلؤة مجوسيا ويقال كان نصرانيا توفي في ذي الحجة لأربع عشرة ليلة مضت منه في السنة المذكورة بعد طعنه بيوم وليلة عن ثلاث وستين سنة، ودفن مع صاحبه في الحجرة النبوية. ولما توفي عمر رضي الله تعالى عنه، أظلمت الأرض فجعل الصبي يقول: يا أماه أقامت القيامة؟ فتقول لا يا بني، ولكن قتل عمر رضي الله تعالى عنه. وسيأتي طرف من هذا، وذكر الشورى في لفظ الديك أيضا قال ابن إسحاق: وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال وقال غيره وثلاثة عشر يوما والله أعلم.
خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
ثم قام بعده بالأمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. اشتور أهل الحل والعقد بعد دفن عمر بثلاثة أيام واتفقوا على مبايعته. وهو ابن عم المصطفى صلى الله عليه وسلم الأعلى، بويع له بالخلافة في أول يوم من سنة أربع وعشرين، قال أهل التاريخ إنه لم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام عثمان ويكنى أبا عمرو وأبا عبد الله، والأول أشهر، وينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي، يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، ويدعى بذي النورين، قيل لأنه تزوج بابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقية وأم كلثوم رضي الله تعالى عنهما، ولم يعلم أحد تزوج بابنتي نبي غيره رضي الله تعالى عنه، وقيل لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، وقيل لأنه يختم القرآن في الوتر، والقرآن نور وقيام الليل نور، وقيل غير ذلك.
وهو رضي الله تعالى عنه، من السابقين وصلّى إلى القبلتين وهاجر الهجرتين، وهو أول من هاجر إلى الحبشة فارا بدينه، ومعه زوجته رقية رضي الله تعالى عنهما. وعد من البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ولم يحضرهما، وكان سبب غيبته عن بدر أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت تحته وهي مريضة، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجلوس عندها ليمرضها، وقال له: لك أجر رجل ممن شهد بدرا، وسهمه. وأما غيبته عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزّ منه ببطن مكة، لبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بيده اليمنى هذه يد عثمان. وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو عنه راض، وبشره بالجنة ودعا له بالخصوصية، غير مرة فأثرى وكثر ماله، وكانت له شفقة ورأفة، فلما ولي زاد تواضعه وشفقته ورأفته برعيته، وكان يطعم الناس طعام الإمارة ويأكل الخل والزيت، وجهز جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا بأحلاسها وأقتابها «1» ، وأتم الألف بخمسين فرسا، وقال قتادة: حمل عثمان رضي الله تعالى عنه على ألف بعير، وسبعين فرسا، وقال الزهري:
حمل على تسعمائة وأربعين بعيرا وستين فرسا.
وعن حذيفة بن اليمان، قال «2» :«بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان رضي الله تعالى عنه في تجهيز جيش العسرة، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فصبت بين يديه فجعل صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده، ويقول غفر الله لك يا عثمان، ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة» . وفي رواية: «ما يضر عثمان ما فعل بعد اليوم واشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألفا وسبلها» .
وله رضي الله تعالى عنه من الخيرات وأفعال البر ما يطول ذكره. قال ابن قتيبة وافتتح في أيامه الإسكندرية وسابور وإفريقية، وقبرس وسواحل الروم، واصطخر الأخرى وفارس الأولى وخوزستان، وفارس الأخرى وطبرستان، وكرمان وسجستان، والأساورة وإفريقية، من حصون قبرص وساحل الأردن ومرو. ولما عمرت المدينة وصارت وافرة الأنام وقبة الإسلام، وكثرت فيها الخيرات والأموال وجبى إليها الخراج، من الممالك وبطرت الرعية من كثرة الأموال والخيل، والنعم، وفتحوا أقاليم الدنيا واطمأنوا وتفرغوا، أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان رضي الله تعالى عنه، لأنه كان له أموال عظيمة، وكان له ألف مملوك ولكونه يعطي المال لأقاربه ويوليهم الولايات الجليلة، فتكلموا فيه إلى أن قالوا: هذا لا يصلح للخلافة وهموا بعزله وثاروا لمحاصرته وجرت أمور يطول ذكرها فحاصروه في داره أياما وكانوا أهل جفاء، ورؤوس شر، فوثب عليه ثلاثة فذبحوه في بيته، والمصحف بين يديه، وهو شيخ كبير، وكان ذلك أول وهن وبلاء على هذه الأمة بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم فإنا لله وإنا إليه راجعون. قتلوه قاتلهم الله، يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة الحرام سنة خمس وثلاثين.
ومناقبه رضي الله تعالى عنه كثيرة جدا. شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وقال: ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة وأخبر صلى الله عليه وسلم، بأنه شهيد وأنه يبتلى، وتفرقت الكلمة بعد قتله رضي الله تعالى عنه، وماج الناس واقتتلوا للأخذ بثاره حتى قتل من المسلمين تسعون ألفا، وقال ابن خلكان وغيره: لما بويع عثمان رضي الله تعالى عنه، نفى أباذر الغفاري «3» رضي الله تعالى عنه إلى الربذة «4» لأنه كان يزهد الناس في الدنيا ورد الحكم بن أبي العاص «5» وكان قد نفاه
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الربذة ولم يرده أبو بكر ولا عمر فرده عثمان رضي الله تعالى عنهم. قيل: إنما رده بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم، قاله غير واحد. ولى مصر عبد الله بن أبي «1» سرح، وأعطى أقاربه الأموال فكان ذلك مما نقم عليه الناس، فلما كانت سنة خمس وثلاثين، قدم المدينة مالك الأشتر «2» النخعي في مائتي رجل من أهل الكوفة، ومائة وخمسين من أهل البصرة وستمائة من أهل مصر، كلهم مجمعون على خلع عثمان رضي الله تعالى عنه من الخلافة، فلما اجتمعوا في المدينة سير إليهم عثمان رضي الله تعالى عنه المغيرة بن شعبة «3» وعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردوهما أقبح رد، ولم يسمعوا كلامهما. فبعث إليهم عليا رضي الله تعالى عنه فردهم إلى ذلك، وضمن لهم ما يعدهم به عثمان رضي الله تعالى عنه، وكتبوا على عثمان كتابا بإزاحة عللهم، والسير فيهم بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وأخذوا عليه عهدا بذلك، وأشهدوا على علي رضي الله تعالى عنه أنه ضمن ذلك، واقترح المصريون على عثمان رضي الله تعالى عنه عزل عبد الله بن أبي سرح، وتولية محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك وولاه وافترق الجمع كل إلى بلده، فلما وصل المصريون إلى إيلة وجدوا رجلا على نجيب لعثمان رضي الله تعالى عنه ومعه كتاب مختوم بخاتم عثمان، مصطنع على لسانه، وعنوانه من عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح وفيه إذا قدم محمد بن أبي بكر ومعه فلان وفلان فاقطع أيديهم وأرجلهم وارفعهم على جذوع النخل، فرجع المصريون ورجع البصريون والكوفيون لما بلغهم ذلك وأخبروه الخبر فحلف عثمان رضي الله تعالى عنه أنه ما فعل ذلك، ولا أمر به، فقالوا: هذا أشد عليك يؤخذ خاتمك ونجيب من إبلك وأنت لا تعلم. ما أنت إلا مغلوب على أمرك! ثم سألوه أن يعتزل فأبى، فأجمعوا على حصاره فحاصروه في داره، وكان من أكبر المؤلبين عليه محمد بن أبي بكر. وكان الحصار في سلخ شوال، واشتد الحصار، ومنع من أن يصل إليه الماء قال أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه: كنا مع عثمان وهو محصور في الدار، فقال:«وبم يقتلوني؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «4» لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفسا بغير حق فيقتل بها، فو الله ما أحببت بديني بدلا، منذ هداني الله تعالى، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت نفسا بغير حق فبم يقتلوني» ؟ رواه الإمام أحمد.
وعن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه أنه قال «لما اشتد الحصار بعثمان رضي الله تعالى عنه، يوم الدار رأيت عليا رضي الله تعالى عنه خارجا من منزله معتما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متقلدا بسيفه وأمامه ابنه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار، رضي الله تعالى