الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ميمون بن مهران، أنه قال: بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك، براثنه من لؤلؤة وصيصته من زبرجد أخضر، فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم القائمون، فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم المصلون، فإذا طلع الفجر ضرب بجناحيه وزقا وقال: ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم ومعنى زقا صاح.
نكتة:
كان سهل بن هارون بن راهويه، في خدمة المأمون، وكان حكيما فصيحا شاعرا فارسي الأصل شيعي المذهب، شديد التعصب على العرب، وله مصنفات عديدة في الأدب وغيره، وكان الجاحظ يصف براعته وحكمته وشجاعته في كتبه، وكان إليه النهاية في البخل وله فيه حكايات عجيبة: فمن ذلك قال دعبل: كنا عنده يوما فأطلنا القعود، حتى كاد يموت جوعا، ثم قال: ويحك يا غلام غدنا! فأتاه بقصعة فيها ديك مطبوخ، فتأمله ثم قال أين الرأس يا غلام؟
قال: رميت به. فقال: إني والله لأمقت من يرمي برجله، فكيف برأسه؟ ولو لم يكن فيما فعلت إلا الطيرة والفأل لكراهته، أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء، ومنه يصرخ الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه عرفه الذي يتبرك به، وعينه التي يضرب بها المثل في الصفاء، فيقال:«شراب كعين الديك» . ودماغه عجب لوجع الكليتين، ولم ير عظم أهش تحت الأسنان منه، وهب أنك ظننت أني لا آكله أو ليس العيال كانوا يأكلونه؟ فإن كان قد بلغ من نبلك أنك لا تأكله، فعندنا من يأكله، أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح، ومن رأس العنق؟ انظر لي أين هو؟ فقال:
والله ما أدري أين هو، ولا أين رميت به. فقال: رميته في بطنك قاتلك الله.
الحكم
: يحل أكله لما تقدم في الدجاج، ويكره سبه لما تقدم في حديث زيد بن خالد الجهني، ويجوز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلوات كما تقدم قريبا. قال أصبغ بن زيد الواسطي: كان لسعيد بن جبير ديك يقوم في الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة فشق ذلك عليه، فقال: ماله قطع الله صوته؟ فلم يسمع له صوت بعد ذلك. وفي مناقب إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى، أن رجلا سأله عن رجل خصى ديكا له، فقال: عليه أرشه. وفي الكامل. في ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم:«نهى عن خصاء الديك والغنم والخيل. وقال «1» : «إنما النماء في الخيل» . وتحرم المنافرة بالديكة. وسيأتي ما ورد في ذلك من النهي في باب الكاف، في المناطحة بالكباش، في لفظ الكبش إن شاء الله تعالى.
الأمثال:
قالوا «2» : «أشجع من ديك» «وأسفد من ديك «3» » .
فائدة:
روى «4» مسلم وغيره أن عمر رضي الله عنه خطب الناس يوما فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إني رأيت رؤيا لا أراه إلا لحضور أجلي وهي أن ديكا نقرني ثلاث نقرات، وفي لفظ رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرة أو نقرتين. فحدثتها أسماء بنث عميس رضي الله عنها فحدثتني بأن يقتلني رجل من الأعاجم. وكان هذا القول منه يوم الجمعة فطعن يوم الأربعاء
رضي الله عنه. وروى الحاكم عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال على المنبر: رأيت في المنام كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات فقلت: أعجمي يقتلني، وإني جعلت أمري إلى هؤلاء الستة، الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص. فمن استخلف فهو الخليفة. وذكر ابن خلكان وغيره، أن عمر رضي الله عنه، لما طعن، اختار من الصحابة ستة نفر، وهم المتقدم ذكرهم. وكان سعد بن أبي وقاص غائبا، وجعل عبد الله ابنه مشيرا، وليس له من الأمر شيء وأقام المسور بن مخرمة، وثلاثين نفسا من الأنصار، وقال: إن اتفقوا على واحد إلى ثلاثة أيام، وإلا فاضربوا رقاب الكل فلا خير للمسلمين فيهم، وإن افترقوا فرقتين، فالفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف. وأوصي أن يصلي صهيب بالناس ثلاثة أيام، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الشورى، واختار عثمان فبايعه الناس. ونقل أن العباس بن عبد المطلب قال لعلي:
يا ابن أخي لا تدخل نفسك في الشورى مع القوم، فإني أخاف أن يخرجوك منها فتبقى وصمة فيك فلم يقبل منه.
وكان عمر قد بويع له بالخلافة يوم مات الصديق بعهد منه له في ذلك كما سبق في باب الهمزة في لفظ الأوز. وضربه أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسيا، وقيل: كان نصرانيا، ثلاث ضربات أحداهن تحت سرته، فقال: قتلني الكلب. وخرج من المحراب ودخل عبد الرحمن بن عوف، فأتم الصلاة بالناس. ومر أبو لؤلؤة هاربا في يده خنجر يضرب به يمينا وشمالا فطرح عليه رجل من الأنصار رداءه، فلما علم أنه مأخوذ، نحر نفسه.
وكان بعض الذين في المسجد لم يشعروا بذلك لشغلهم بالصلاة إلا أنهم فقدوا صوت عمر ولم يعلموا ما سببه. وإنه لما طعن، قيل له: ما أحب الأشربة إليك يا أمير المؤمنين؟ قال: النبيذ فسقوه نبيذا، فخرج من جرحه، فقال قوم: نبيذ وقال قوم: دم فسقوه لبنا فخرج من جرحه.
فقيل له: أوص يا أمير المؤمنين، فأوصى بالشورى كما تقدم. وكان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وبقي ثلاثة أيام، وتوفي لأربع بقين من ذي الحجة. وقيل لليلتين وقد تقدم بعض ذلك في الأوز.
ويقال إن عبيد الله بن عمر وثب على الهرمزان فقتله، وقتل معه رجلا نصرانيا، يعرف بحفنة من أهل نجران، كانا قد اتهما بإغراء أبي لؤلؤة بعمر رضي الله عنه. وقتل بنتا لأبي لؤلؤة طفلة. ووداهم عثمان رضي الله عنه. ولحق عبيد الله بمعاوية في خلافة علي رضي الله عنه.
وكان في أيام عمر الفتوحات العظام، وهو الذي سمى الغزوات الشواتي والصوائف، وهو أول من أرخ التاريخ بعام الهجرة، وأول من دعي بأمير المؤمنين وأول من ختم الكتب، وكان في يده خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر. وأول من ضرب بالدرة وحملها. وأول من قال: أطال الله بقاءك، قالها لعلي رضي الله عنهما، وهو الذي أخر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت، وهو أول من جمع الناس على إمام واحد في التراويح. وحج بالناس عشر سنين متوالية آخرها سنة ثلاث وعشرين، ومعه نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهوادج ورجع إلى المدينة فرأى الرؤيا المتقدم
ذكرها، وتزوّج عمر أم كلثوم بنت علي رضي الله عنه، وأصدقها أربعين ألف درهم، وكان أي عمر رضي الله عنه قد حد ابنه عبيد الله على الشراب، فقال له وهو يحده: قتلتني يا أبتاه. فقال له: يا بني إذا لقيت ربك فأخبره أن أباك يقيم الحدود. والذي في السير أن المحدود في الشراب ابنه الأوسط أبو شحمة، وإسمه عبد الرحمن، وأمه أم ولد يقال لها الهيبة. وقتل عبيد الله الرجلين مشكل وقتله الطفلة أشكل والله أعلم. وذكر غير واحد من الثقات، أنه كان لرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عثمان، ولد يقال له عبد الله، وبه كان يكنى، بلغ سبع سنين نقره ديك في وجهه فمات بعد أمه في جمادى سنة أربع. ولم يولد له غيره من بنات النبي صلى الله عليه وسلم. ولما هاجرت رقية إلى الحبشة كان فتيان الحبشة يتعرضون لرؤيتها ويتعجبون من جمالها، فآذاها ذلك فدعت عليهم فهلكوا جميعا. وقالوا:«ما كلمته إلا كحسو الديك» «1» يريدون السرعة قال الشاعر:
ويوما كحسو الديك قد بات صحبتي
…
ينالونه فوق القلاص العياهل «2»
يريد قتله وسرعته وضربوا المثل بصفاء عينه فقالوا: «أصفى من عين الديك» «3» .
ومن المشهور في ذلك قصيدة عدي بن زيد العبادي التي يقول «4» فيها:
بكر العاذلون في وضح الصب
…
بح يقولون لي أما تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد الله
…
والقلب عندكم موهوق «5»
لست أدري إذا أكثروا العذل فيها
…
أعدّو يلومني أم صديق
ودعوا بالصبوح يوما فجاءت
…
قينة في يمينها إبريق
قدمته على عقار كعين ال
…
ديك صفيّ سلافها الراووق «6»
ولهذه الأبيات حكاية حسنة مشهورة مذكورة في درة الغواص. وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة حماد الراوية قال: كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك، وكان أخوه هشام يجفوني لذلك في أيامه، فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام، خفتة فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به، من إخواني سرا، فلما لم أسمع أحدا ذكرني في السنة، أمنت فخرجت يوما، وصليت الجمعة بالرصافة، وإذا شرطيان قد وقفا عليّ وقالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر، وكان واليا على العراق، فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف. ثم قلت للشرطين: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي، فاودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبدا، ثم أسير معكما إليه؟ فقالا: ما إلى ذلك سبيل. فاستسلمت في أيديهما، ثم صرت إلى يوسف بن عمر، وهو في الايوان الأحمر، فسلمت
فرد علي السلام، ورم إلي كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر الثقفي، أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به، من غير ترويع، وادفع له خمسمائة دينار وجملا مهريا، يسير عليه لإثنتي عشرة ليلة إلى دمشق. قال:
فأخذت الدنانير ونظرت فإذا جمل مرحول فجعلت رحلي في الغرز وسرت إثنتي عشرة ليلة حتى وافيت دمشق، فنزلت على باب هشام، فاستأذنت فأذن لي فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب من ذهب، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من الخز، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه فرد علي السلام، واستدناني فدنوت إليه حتى قبلت رجله فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط في أذن كل واحدة منهما حلقتان، فيهما لؤلؤتان تتقدان، فقال لي: كيف أنت يا حماد وكيف حالك؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين. فقال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا. قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر قائله! قلت: وما هو؟ قال:
ودعوا بالصبوح يوما فجاءت
…
قينة في يمينها ابريق «1»
فقلت: يقوله عدي بن زيد العبادي في قصيدة له فقال: أنشدنيها فانشدته:
بكر العاذلون في وضح الصب
…
ح يقولون لي أما تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد الله
…
والقلب عندكم موهوق
لست أدري إذا أكثروا العذل فيها
…
أعدوّ يلومني أم صديق
قال حماد فانتهيت فيها إلى قوله:
ودعوا بالصبوح يوما فجاءت
…
قينة في يمينها ابريق «2»
قدمته على عقار كعين ال
…
ديك صفيّ سلافها الراووق
مرة قبل مزجها فإذا ما
…
مزجت لذ طعمها من يذوق
وطفا فوقها فقاقيع كاليا
…
قوت حمر يزينها التصفيق
ثم كان المزاج ماء سحاب
…
لاصرى آجن ولا مطروق «3»
قال: فطرب هشام، ثم قال لي: أحسنت يا حماد والله، يا جارية اسقيه فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي، فقال: أعده فاعدته فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه فسقتني، شربة ذهبت بثلث آخر من عقلي، ثم قال: سل حاجتك يا حماد.
فقلت: كائنة ما كانت؟ قال: نعم. قلت: إحدى هاتين الجاريتين، فقال: هما لك بما عليهما، ثم قال للجارية الأولى: اسقيه فسقتني شربة، فسقطت منها فلم أعقل حتى أصبحت، والجاريتان عند رأسي، فإذا عشرة من الخدم، ومع كل واحد منهم بدرة فيها عشرة آلاف درهم. فقال أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هذه وانتفع بها في سفرك فأخذتها والجاريتين وعدت إلى أهلي انتهى. هكذا ساقها الحريري في كتابه درة الغواص، وفيه