الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقا من قيام الساعة إلا الجن والإنس» . وإصاختها بإلهام الله إياها في ذلك اليوم، محمول على ما جبلها الله تعالى عليه من توقيها لما يضرها، وانقيادها إلى ما ينفعها جبلة لا عقلا وإحساسا حيوانيا، لا إدراكا فهميا. وإذا جبل الله النملة على حمل قوتها وإدّخاره لزمن الشتاء فجبله البهيمة على الإصاخة محاذرة يوم القيامة أولى. ومن استقرى أحوال الحيوانات، رأى حكمة الله فيها لما سلبها العقل جعل لها حسا تفرق به بين الضار لها والنافع، وجبلها على أشاء وألهمها إياها لا توجد في الإنسان إلا بعد التعلم وتدقيق النظر فمنها النحلة المحكمة لتسديس مخزن قوتها، حين يتعجب منه أهل الهندسة. والعنكبوت المتقنة لخيوط بيوتها وتناسب دوائرها. وكذلك السرفة في إحكام بيتها مربعا من عيدان وقد ظهرت من البهائم الصنائع العجيبة، والأفاعيل الغريبة، ولم يسلبها رب العالمين سوى العبارة عن ذلك، والنطق به ولو شاء أنطقها كما أنطق النملة في عهد سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. والبهيم من الخيل الذي لا شية فيه الذكر والأنثى فيه سواء. والبهم من النعاج السود التي لا بياض فيها وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث «1» :«يحشر الناس يوم القيامة بهما» فمعناه أنه ليس بهم شيء مما كان في الدنيا نحو البرص والعرج والعمى والعور وغير ذلك. وإنما هي أجساد مصححة لخلود الأبد في الجنة أو النار. وقيل: بل عراة ليس عليهم من متاع الدنيا شيء وهذا يخالف الأول من حيث المعنى ومن شعر مسعر بن «2» كدام أحد الأعلام:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة
…
وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبه
…
كذلك في الدنيا تعيش البهائم
فرع:
اختلف أصحابنا في نقض الوضوء بمس فرج البهيمة على وجهين: أحدهما ينقض لعموم النقض بمس الفرج. والأصح أنه لا ينقض، إذ لا حرمة لها ولا تعبد عليها. وأما دبرها فلا ينقض قطعا، قال الدارمي: ولا فرق في الخلاف بين البهائم والطير.
الأمثال:
قالوا: «ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة» يضرب في مدح القدرة على الكلام.
البوم والبومة
: بضم الباء طائر يقع على الذكر والأنثى حتى تقول: صدى أو فياد فيختص بالذكر وكنية الأنثى أم الخراب وأم الصبيان ويقال لها أيضا غراب الليل. قال «3» الجاحظ:
وأنواعها الهامة والصدى والضوع والخفاش وغراب الليل والبومة. وهذه الأسماء كلها مشتركة أي تقع على كل طائر من طير الليل يخرج من بيته ليلا قال وبعض هذه الطيور يصيد الفأر وسام أبرص والعصافير وصغار الحشرات وبعضها يصيد البعوض. ومن طبعها أن تدخل على كل طائر
في وكره وتخرجه منه وتأكل فراخه وبيضه. وهي قوية السلطان بالليل لا يحتملها شيء من الطير ولا تنام بالليل، فإذا رآها الطير بالنهار قتلنها ونتفن ريشها، للعداوة التي بينهن، وبينها ومن أجل ذلك صار الصيادون يجعلونها تحت شباكهم ليقع لهم الطير. ونقل المسعودي عن الجاحظ أن البومة لا تظهر بالنهار، خوفا من أن تصاب بالعين لحسنها وجمالها ولما تصور في نفسها أنها أحسن الحيوان لم تظهر إلا بالليل. وتزعم العرب في أكاذيبهم أن الإنسان إذا مات أو قتل، تتصور نفسه في صورة طائر، تصرخ على قبره، مستوحشة لجسدها، والطائر ذكر البوم وهو الصدى. وفي ذلك يقول توبة الحميري «1» أحد عشاق العرب:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
…
علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا
…
إليها صدى من جانب القبر صائح
فيقال: إنها مرت بقبره فأنشدت ذلك فارتفع شيء من القبر كالطائر، نفرت منه ناقتها فسقطت ميتة ودفنت إلى جانبه. والبوم أصناف وكلها تحب الخلوة بأنفسها والتفرد وفي أصل طبعها عداوة الغربان. وفي تاريخ ابن النجار أن كسرى قال لعامل له: صد لي شر الطير، واشوه بشر الوقود، وأطعمه شر الناس، فصاد بومة وشواها بحطب الدفلى وأطعمها ساعيا. وفي سراج الملوك للإمام أبي بكر الطرطوشي، في الباب السابع والأربعين أن عبد الملك بن مروان، أرق ليلة فاستدعى سميرا له يحدثه، فكان فيما حدثه به أن قال: يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها، فقالت بومة البصرة: لا أفعل إلا أن تجعلي لي صداقها مائة ضيعة خراب. فقالت بومة الموصل: لا أقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا، سلمه الله علينا، سنة واحدة فعلت لك ذلك. قال: فاستيقظ لها عبد الملك، وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض، وتفقد أمور الولاة. ورأيت في بعض المجاميع، بخط بعض العلماء الأكابر، أن المأمون أشرف يوما من قصره فرأى رجلا قائما وبيده فحمة وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، وانظر ما يكتب وائتني به. فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا وقبض عليه وتأمل ما كتبه فإذا هو:
يا قصر جمع فيك الشوم واللوم
…
متى يعشش في أركانك البوم
يوم يعشش فيك البوم من فرحي
…
يكون أول من ينعيك مرغوم
ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين: فقال له الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه.
فقال الخادم: لا بد من ذلك. ثم ذهب به فلما مثل بين يدي المأمون، أعلمه الخادم بما كتب.
فقال المأمون: ويلك ما حملك على هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لن يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلى والحلل والطعام والشراب والفراش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك، مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي، وإني يا أمير المؤمنين قد مررت الآن