الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نطقها وفهمها، وعدم تمييزها وعقلها. ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم. قال «1» الله تعالى:
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
فأضاف الجنس إلى ما هو أخص منه، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وما أضيف إليها من سائر الحيوان. يقال له أنعام مجموعة معها وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع.
وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات، فهي تؤكل من غير ذكاة. ونقل عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما أيضا، وفيه بعد: لأن الله تعالى قال «2» : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ*
وليس في الأجنة ما يستثنى.
وحل بهيمة الأنعام من حكم الله تعالى، إذ لولا الليل ما عرف قدر النهار، ولولا المرض لم يتنعم الأصحاء بالصحة، ولولا النار ما عرف أهل الجنة قدر النعمة. كما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم، وتسليطهم على ذبحها ليس بظلم، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل. وكذلك تفخيم النعم على سكان الجنان، بتعظيم العقوبة على أهل النيران، فداء لأهل الإيمان بأهل الكفر هو عين العدل. وما لم يخلق الناقص لم يعرف الكامل، فلولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنسان.
روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه دخل دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، فقال أنس:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم وهو أن يمسك من ذوات الروح شيء حي ثم يرمي بشيء حتى يموت» .
وفي الصحيحين «3» وغيرهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعل ذلك» . ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته، إن كان يذكى. وفي الحديث «4» أنه صلى الله عليه وسلم «نهى عن المجثمة» وهي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل. إلا أنها تكثر في الطير والأرانب ونحو ذلك مما يجثم في الأرض أي يلزمها ويلتصق بها. وجثم الطائر جثوما، وهو بمنزلة البروك للإبل. وروى أبو داود والترمذي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن التحريش بين البهائم «5» » . وفي شفاء الصدور، لابن سبع، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أجل البهائم وخشاش الأرض والقمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب والبقر وما سوى ذلك في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله عز وجل أرواحها» .
فائدة
: قال ابن دحية، في كتاب الآيات البينات: اختلف الناس في حشر البهائم، وفي جريان القصاص بينها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا يجري القصاص بين البهائم لأنها غير مكلفة وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قوله صلى الله عليه وسلم: «يقتص للجماء من القرناء ويسأل العود لم
خدش العود «1» » فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدة التقصي في الحساب. وأنه لا بد من أن يقتص للمظلوم من الظالم وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: يجري القصاص بينها، ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا. قال ابن دحية وهذا جار على مقتضى العقل والنقل لأن البهيمة تعرف النفع والضر، فتنفر من العصا وتقبل للعلف، وينزجر الكلب إذا انزجر وإذا أشلى استشلى. والطير والوحش تفر من الجوارح، استدفاعا لشرها. فإن قيل: القصاص انتقام والبهائم ليست بمكلفة فالجواب أنها غير مكلفة، إلا أن الله يفعل في ملكه، ما أراد كما سلط عليها في الدنيا التسخير لبني آدم، والذبح لما يؤكل منها فلا اعتراض عليه سبحانه وتعالى. وأيضا فإن البهائم إنما يقتص منها لبعضها من بعض إلا أنها لا تطالب بارتكاب نهي ولا بمخالفة أمر لأن هذا مما خص الله به العقلاء، ولما كثر التنازع رجعنا لما أمرنا به ربنا بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
«2» ووجدنا القرآن العظيم يدل على الإعادة في الجملة:
قال «3» الله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
إلى قوله:
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
وقال «4» وقال تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
والحشر في اللغة الجمع. وفي الصحيحين. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين، وراهبين، وإثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا.
فهذا يدل على حشر الإبل مع الناس. وروى الإمام أحمد بسند صحيح إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يقتص للخلق بعضهم من بعض، حتى للجماء من القرناء، حتى للذرة من «5» الذرة» فإذا كانت البهائم والذر يقتص منها فكيف يغفل من هو مكلف مأمور؟
ونسأل الله السلامة من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أيضا أن رسول صلى الله عليه وسلم قال:«لتؤدين الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» . وفيه أيضا وفي غيره:
«ما من صاحب إبل لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر. ثم يؤتى بها أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيل واحد تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها» . الحديث «6» بطوله.
وفي صحيح البخاري: «ليأتين أحدكم يوم القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها ثغاء، فيقول: يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت» . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال «7» : «ما