الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحق جل جلاله إلى الجور، والتصرف الذي ليس بمرضي، وظهر ذلك فحوى قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*
«1» ومراده على ما قاله الأئمة المحققون، من المفسرين وغيرهم، أن الزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم فهذا وجه كفره لعنه الله. وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى كان كافرا. واختلف هل كان قبل ابليس كافر أو لا فقيل: لا وإنه أول من كفر. وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض إنتهى وقد اختلف أيضا في كفر ابليس، هل كان جهلا أو عنادا؟ على قولين لأهل السنة والجماعة ولا خلاف، أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال: انه كفر جهلا، قال: انه سلب العلم الذي كان عنده عند كفره ومن قال: إنه كفر عنادا قال: إنه كفر ومعه علمه. قال ابن عطية:
والكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء وروى البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله تعالى: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
«2» عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق ابليس. وقد بين ذلك في آية من كتابه وفصلها، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وهي قوله «3» تعالى: ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ
ثم روى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: يا أبا بكر لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق ابليس إنتهى وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام ابليس؟ فقال: لو نام لوجدنا راحة فلا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى الله تعالى. وقال في الإحياء قبيل بيان دواء الصبر: من غفل عن ذكر الله تعالى، ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان. قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
«4» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ» لأن الشاب إذا لم يشغل ظاهره بمباح يستعين به على دينه عشش الشيطان في قلبه وباض وفرخ، ثم تزدوج أفراخه أيضا ويبيض ويفرخ مرة أخرى وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار والنار، إذا وجدت الحلفاء اليابسة، كثر توالدها فلا تزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة، فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار ولذلك قال الحسين الحلاج: هي نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
فائدة:
ذكر بعض العلماء العاملين أن الله تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة، والخلق عنها غافلون فقيل له: وما هي؟ فقال: قال الجليل جل جلاله إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
«5» فهذا أمر منه سبحانه لنا بأن نتخذه عدوا فقيل له: كيف نتخذه عدوا ونتخلص منه؟ فقال: اعلم ان الله تعالى جعل لكل مؤمن سبعة حصون. فالحصن الأول من ذهب، وهو معرفة الله تعالى، وحوله حصن من فضة وهو الايمان به تعالى وحوله حصن من حديد وهو التوكل عليه جل وعلا، وحوله حصن من حجارة، وهو الشكر والرضا عنه عز شأنه، وحوله حصن من
فخار وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهما، وحوله حصن من زمرذ، وهو الصدق والاخلاص له تعالى، وحوله حصن من لؤلؤ رطب، وهو أدب النفس. فالمؤمن من داخل هذه الحصون، وابليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون. فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في جميع أحواله ويتهاون به في كل ما يأتي، فإن من ترك أدب النفس وتهاون به، فإنه يأتيه الخذلان لتركه حسن الأدب مع الله تعالى، ولا يزال ابليس يعالجه، ويطمع فيه ويأتيه حتى يأخذ منه جميع الحصون، ويرده إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك. انتهى وما ذكره من الفريضتين في الآية قد يشكل، فيقال: ليس فيها إلا فريضة واحدة، وهي قوله تعالى: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
«1» إذ الأمر يقتضي الوجوب عند عدم قرينة تدل على خلافه.
وقد سألت شيخنا الإمام اليافعي رحمه الله عن الفريضة الثانية، أين هي من الآية؟ فأجاب قدّس الله روحه، بأن فيها فريضة علمية وفريضة عملية، فالأولى العلم بكونه عدوّا والثانية العمل في اتخاذ العداوة له انتهى وأما ما تقدم من ذكر الحصون فهو في نهاية الحسن والتحقيق، لكن قد يستولي الشيطان على بعض الحصون المذكورة دون بعض فيرد العبد إلى الفسق دون الكفر، فيستحق النار من غير تخليد، وقد لا يرده إلى الفسق، ولكن يردّه إلى ضعف الايمان، فلا يستحق النار ولكن يستحق النزول عن رتبة أهل الايمان الكامل، وكل هذا التفاوت بسبب تفاوت الحصون المذكورة، إذ ليس أخذ حصن المعرفة والإيمان كأخذ بقية الحصون المذكورة، وبقية الحصون تتفاوت أيضا، فليس أخذ حصن الصدق والإخلاص، كأخذ حصن الأمر والنهي وكذلك سائر الحصون، والكلام في ذلك يطول ولكن مهما بقي حصن الايمان وحصن التوكل كاملين للعبد لم يقدر عليه الشيطان، لقوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
«2» وهؤلاء المتصفون بالعبودية الكاملة لقوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ*
«3» وهم المؤمنون حقا لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
«4» ثم قال في آخر وصفهم: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا*
«5» وقد يكون أخذ حصن واحد مؤدّيا إلى الكفر، وموجبا للتخليد في النار، كحصن الإيمان بالله. ونعوذ بالله من ذلك، ولكن لا يقدر على أخذ حصن الايمان، حتى يأخذ الحصون التي حوله نسأل الله الكريم الهدى والسلامة من الزيغ والردى. واعلم أن أوّل الواجبات المعرفة، وقال الاستاذ: النظر وقال ابن فورك وإمام الحرمين: القصد إلى النظر وقد بسطنا الكلام على ذلك، في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، وما قاله في ذلك علماء الشريعة ومشايخ الصوفية رحمهم الله تعالى. فليراجع ذلك في الجزء السابع من الكتاب المذكور، وبالله التوفيق. واختلفوا هل بعث الله تعالى من الجن إليهم رسلا قبل بعثه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«6» وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط وإنما الرسل من الإنس خاصة، وهذا هو الصحيح