الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبعة عشر عاما، وهي مدة سلطنته، مجاهدا مقاتلا ضد الصليبيين والمغول، واستطاع أن يحرر الكثير من المواقع التي احتلها الفرنجة على سواحل الشام. والواقع إن هذه الفترة من حكم المماليك قد انقذت ما تبقى من بلاد الإسلام، وتصدت بشجاعة للغزوين المغولي والصليبي. وقد أعاد السلطان الظاهر بيبرس الخلافة العباسية إلى سابق مجدها وجعل القاهرة مقر الخلافة بعد سنة 656 هـ حيث سقطت بغداد بأيدي المغول، واستمر الوضع العسكري على هذا المنوال في الدولة الثانية، حيث كان الفرنجة يحاولون النزول على سواحل الشام أو مصر بين وقت وآخر، فكانوا يتصدون لهم، وببسالة، حتى إن برسباي تعدى ذلك إلى أن غزا قبرس وأسر ملكها وغنم الغنائم العظيمة.
أما الحجاز، أيام الدولة الثانية، فكان يخضع للسلطة المركزية، في القاهرة، وكان السلاطين، يتدخلون عند الضرورة، لفض النزاعات على الحكم في مكة وما يليها. كما امتدت سلطة الدولة المملوكية إلى اليمن والسواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية.
الحال الاجتماعية:
إن التنافس على السلطة، والمعارك الجانبية التي كانت تشب هنا وهنالك في مصر والشام، بالإضافة إلى المواجهات العنيفة ضد المغول ومن بعدهم الفرنجة الصليبيين، كانت تستنزف الطاقات المالية والاقتصادية في مصر، مما دفع الكثير من الملوك لفرض ضرائب جديدة كلما دعت الحاجة، مما أثقل كاهل الناس، خصوصا في مصر. ولم يقتصر الأمر، على الإنفاق الحربي، لكن اشتركت عوامل أخرى في تعقيد الأحوال المعيشية، من ذلك: الطاعون «1» والأوبئة الأخرى التى كانت تتفشى من وقت لآخر فيذهب آلاف الناس ضحية لذلك، وبالتالي ينعكس الأمر سلبا على البلاد لفقدان الأيدي العاملة في الزراعة وفي الحرف الأخرى، وأكثر ما يلاحظ ذلك في الدولة الثانية، حيث تفاقمت الضرائب «2» ، وازدادت المصادرات، وتغلب الجند على مقدّرات البلاد والعباد، وكثرت ثورات الأعراب، خصوصا في صعيد مصر. ويضاف على ذلك، ما كان يسببه انخفاض النيل من أزمة في ري المزروعات فتقل المواسم وترتفع الأسعار، ويكثر السلب والنهب والمصادرات.
أما طبقات الشعب، فكانت الطبقة الحاكمة، طبقة المماليك السلاطين، والأمراء، والجنود ومعظمهم كانوا يتحدرون من أصول غير عربية، وبعضهم لم يكن يتكلم العربية. وعامة الشعب، وتنقسم إلى تجار متوسطي الحال، والسواد الأعظم من الناس من المزارعين والفقراء.
الحال الثقافية:
إن الأوضاع السياسية، غير المستقرة، والأحوال الاقتصادية المتدهورة، والحروب التي لا
تكاد تتوقف، حتى تشتعل في غير مكان، كل ذلك كان عائقا في وجه أي نهضة علمية شاملة، ولم يكن من السهل تخطي ذلك الواقع، خصوصا وأن بغداد عاصمة العلم والحضارة في المنطقة كلها قد سقطت وضاع بسقوطها تراث أجيال، في العلوم المختلفة، وتشتت أهل العلم، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من هام على وجهه ينشد الأمن والنجاة، وكان لحسن حظ بعضهم أن يمموا شطر مصر، فأفادوا منها وأعطوها من غزير علومهم، وبذلك تحوّلت الحركة العلمية إلى القاهرة فتوافد أهل العلم من جميع الأقطار الإسلامية، والعربية، إلى عاصمة الخلافة، نظرا لما تحتله هذه العاصمة من مكانة في قلوب أهل الإسلام باعتبارها ترفع راية الجهاد ضد قوى الطغيان والغزو، فضلا عن الرعاية التي لقيها أهل العلم في العهود المختلفة وفي الدولتين.
ورعاية المماليك للعلم والعلماء، تتمثل بإقامتهم للمدارس، وقد اوقفوا لها الأوقاف، واجروا الرواتب على المعلمين والمتعلمين، واهتموا بالمساجد، فعينوا لها الخطباء والأئمة حتى غدت هي أيضا مراكز علمية مشعة، فمن المساجد التي لعبت دورا بارزا في النهضة، الجامع الأزهر وقد ساهم في إحياء العلوم المختلفة، علوم اللغة والطب والرياضيات والموسيقى والحديث النبوي وعلوم القرآن وغير ذلك من علوم العصر، ومن المساجد التي لعبت الدور نفسه، جامع العطارين بالاسكندرية، وجامع دمياط، وجامع اسيوط، وقوص، وقفط. كما رعى السلاطين المدارس الدينية التي كانت تدرس الفقه على المذاهب الأربعة، وجامع عمرو بن العاص الذي كان يضم أربعين حلقة.
ومن الجدير بالذكر، أن ديوان الإنشاء كان من المؤسسات التي ساهمت في الإبقاء على العربية كلغة للتأليف والكتابة، باعتبار أن هذا الديون، هو الأكثر نشاطا في حقل الكتابة، فهو السجل الرسمي للدولة وفيه تدون كافة الوثائق الصادرة، والواردة، وكان يقوم بذلك كتاب أدباء بلغاء عملوا على إغناء العربية بأساليبهم الرفيعة، ولو طغى عليها بعض التصنع في بعض الأحيان.
ولا يفوتنا أن ننوه بما كان للقضاء من دور مميز، هو الآخر، حمل عبئا غير قليل في التّمكين للعربية ولأساليب التعبير من خلال ما يدونه القضاة من عهود ومواثيق وأحكام. ونظرا لما تقدم، فباستطاعتنا أن نرصد مئات الأعلام، علماء وأدباء، فمن المؤرخين أبو المحاسن، يوسف بن تغري بردي المتوفى سنة 874 هـ، وشمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902 هـ، وتقي الدين المقريزي المتوفى سنة 845 هـ. وابن إياس المتوفى سنة 930 هـ. وفي اللغة والأدب: جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 هـ والذي تعد مؤلفاته بالعشرات في كل علم وفن: في التفسير والحديث والفقه واللغة والنحو، وابن تيميه المتوفى سنة 728 هـ.
ومن الجدير بالذكر أن أهل السلطة كانوا يقربون أهل المعرفة والأدب، ولكنهم تشددوا مع المنحرفين عن الدين، ومع أهل الفلسفة، ومن أهل الفلسفة التفتازاني سعد الدين، وعبد الرحمن الإيجي ونصير الدين الطوسي، وغيرهم.