الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب الجلالة «1» » . وروى الحاكم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحم الجلالة» ، وشرب لبنها وأن لا يحمل عليها ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» وروى البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن الشرب من في السقاء عن ركوب الجلالة وعن المجثمة» «2» وهي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل إلا أنها تكثر في الطيور والأرانب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض أي يلزمها ويلتصق بها وجثم الطائر جثوما وهو بمنزلة البروك للابل وسيأتي الكلام على الجلالة في فرع في الكلام على السخلة.
الجلم:
اليؤيؤ وهو نوع من الصقور وسيأتي ذكره فيها إن شاء الله تعالى وفي باب الياء أيضا.
الجمل:
الذكر من الإبل قال الفراء هو زوج الناقة. وكذا قال ابن مسعود لما سئل عن الجمل كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا وجمع الجمل جمال وأجمال وجمائل وجمالات.
قال الله تعالى: كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ
«3» قال أكثر المفسرين: هي جمع جمال على تصحيح البناء، كرجال ورجالات وقال ابن عباس وابن جبير لجمالات قلوس السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام وقال ابن عباس أيضا: الجمالات قطع النحاس العظام وإنما يسمى البعير جملا إذا أربع.
فائدة:
كان اسم الجمل الذي ركبته عائشة رضي الله تعالى عنها يوم وقعته عسكر اشتراه لها يعلى بن أمية بأربعمائة درهم، وقيل بمائتي درهم، وهو الصحيح. قال ابن الأثير: مر مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي، وكان من الأبطال المشهورة، وكان من أصحاب علي يوم الجمل، بعبد الله بن الزبير، وكان مع عائشة رضي الله تعالى عنها وكان من الأبطال فتماسكا فصار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه، جعله تحته وركب على صدره فعلا ذلك مرارا، وابن الزبير يصيح «4» بأعلى صوته:
اقتلوني ومالكا
…
واقتلوا مالكا معي
يريد بذلك الاشتر النخعي قال ابن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفيّ سبع وثلاثون جراحة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم قال: ولا ينهزم من الفريقين أحد وما أخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل فأخذت الخطام فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من أنت؟ قلت: ابن
الزبير. فقالت: واثكل أسماء ومر بي الأشتر فعرفته فاقتتلنا فو الله ما ضربته ضربة إلا ضربني بها ستا أو سبعا فجعلت أنادي:
اقتلوني ومالكا
…
واقتلوا مالكا معي
وضاع الخطام مني ثم أخذ مالك برجلي فرماني في الخندق، وقال: لولا قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدا. وفي رواية فجاء أناس منا ومنهم، وتقاتلوا حتى تحاجزنا، وضاع مني الخطام وسمعت عليا رضي الله عنه يقول: اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرقوا فضربه رجل فسقط. فما سمعت قط أشد من عجيج الجمل، ثم أمر علي بحمل الهودج من بين القتلى، فاحتمله محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، فأدخل محمد بن أبي بكر يده في الهودج.
فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من هذا الذي يتعرض لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أحرقه الله بالنار! فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. وقتل طلحة رضي الله تعالى عنه في الوقعة، وكان من حزب عائشة. ورجع الزبير فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو نائم، وعاد بسيفه إلى علي، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحيط بعائشة ودخل علي البصرة فبايعه أهلها، وأطلق عثمان بن حنيف وجهز عائشة وأخرج أخاها محمدا معها وشيعها علي بنفسه أميالا وسرح بنيه معها يوما وقيل: إن عدة المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف وقيل سبعة عشر ألفا. ومن أصحاب علي نحو ألف وقطع علي خطام الجمل يومئذ نحو ثمانين كفا معظمهم من بني ضبة كلما قطعت يد رجل أخذ الخطام آخر وفي ذلك يقول الضبي «1» :
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
…
ننازل الموت إذا الموت نزل
والموت أحلى عندنا من العسل «2»
وكانوا قد ألبسوه الأدراع إلى أن عقر. ونصب نبي، عند النحويين على المدح والتخصيص، وكانت وقعة الجمل يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى أو الآخرة وقيل في خامس عشرة سنة ست وثلاثين من ارتفاع الشمس إلى قريب العصر. ويروى أن عائشة أعطت الذي بشرها بسلامة ابن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم.
وذكر: ابن خلكان وغيره أن الأشتر دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها، بعد وقعة الجمل، فقالت له: يا أشتر أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الجمل؟ فأنشدها:
أعائش لولا أنني كنت طاويا
…
ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه
…
بآخر صوت اقتلوني ومالكا
فنجاه مني أكله وشبابه
…
وخلوة جوف لم يكن متماسكا
ونقل أنه كان في رأس ابن الزبير رضي الله عنه ضربة عظيمة من الأشتر لو صب فيها قارورة دهن لاستقر. وروى الحاكم من حديث قيس بن أبي حازم وابن أبي شيبة، من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه:«أيتكن صاحبة الجمل الأديب تسير، أو تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب؟» والحوأب نهر بقرب البصرة والأديب الأزب وهو الكثير شعر الوجه. قال ابن دحية والعجب من ابن العربي كيف أنكر هذا الحديث في كتاب الغوامض والعواصم له! وذكر أنه لا يوجد له أصل وهو أشهر من فلق الصبح. وروي أن عائشة لما خرجت، مرت بماء يقال له الحوأب فنبحتها الكلاب، فقالت: ردوني ردوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب» «1» . وهذا الحديث مما أنكر على قيس بن أبي حازم. وأما قول الشاعر:
شكا إلى جملي طول السرى
…
يا جملي ليس إلى المشتكى
صبرا جميلا فكلانا مبتلى
فمعلوم أن الجمل لا ينطق، وإنما أراد التجوز ومقابلة الكلام بمثله كقوله «2» تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
وكقول عمرو بن كلثوم «3» :
ألا لا يجهلن أحد علينا
…
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وكقول الآخر:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم
…
ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوم
…
ومن رام تعويجي فإني معوج
يريد: أكافىء الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. وأما قوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
«4» فأراد به الحيوان المعروف لأنه أعظم الحيوانات المتداولة للإنسان جثة فلا يلج إلا في باب واسع كأنه قال لا يدخلون الجنة أبدا قال الشاعر:
لقد عظم البعير بغير لب
…
فلم يستغن بالعظم البعير
وقرأ ابن عباس ومجاهد الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وفسر بحبل السفينة الغليظ. وسم الخياط هو بخش الإبرة أي ثقبها وقد ألغز فيها الشاعر فقال:
سعت ذات سم في قميصي فغادرت
…
به أثرا والله يشفي من السم
كست قيصرا ثوب الجمال وتبعا
…
وكسرى وعادت وهي عارية الجسم
وكنية الجمل أبو أيوب وأبو صفوان. وفي حديث أم زرع زوجي «لحم جمل غث على رأس جبل وعر» . وفي سنن أبي داود عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم «أهدى عام
الحديبية في هداياه جملا كان لأبي جهل بن هشام في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين» «1» .
قال الخطابي وفيه من الفقه أن الذكران في الهدي جائزة. وقد روي عن ابن عمر أنه كان يكره ذلك في الإبل ويرى أن تهدى الإناث منها. وفيه دليل أيضا على جواز استعمال اليسير من الفضة في لجم المراكب من الخيل وغيرها وقوله: يغيظ بذلك المشركين، معناه أن هذا الجمل كان معروفا لأبي جهل، فحازه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يغيظهم أن يروه في يده صلى الله عليه وسلم، وصاحبه قتيل سليب. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
«قد تركتكم على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، واياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد» «2» . والأنف الجمل المخزوم الأنف الذي لا يمتنع على قائده. وقيل: الأنف الذلول ويروى كالجمل الآنف بالمد وهو بمعناه: وفيه أن قيد انقاد وإن أنيخ على صخرة استناخ» والنواجذ بالذال المعجمة الأشهر أنها أقصى الأسنان أي تمسكوا بها كما يتمسك العاض بجميع أضراسه. وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «ضحك حتى بدت نواجده» «3» . والمراد ههنا الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك لأنه صلى الله عليه وسلم كان ضحكه تبسما.
وروى الإمام أحمد أبو داود النسائي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال «4» : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، وليضع يديه ثم ركبتيه» . قال الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا وهو ما رواه الأربعة عنه أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه «أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم على جمل فأعيا، فنخسه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له وقال: اركب فركب فكان أمام القوم قال فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: كيف ترى بعيرك؟ فقلت: قد أصابته بركتك قال: أفتبيعنيه؟
فاستحييت ولم يكن لي ناضح غيره، فقلت: نعم. فما زال صلى الله عليه وسلم يزيدني ويقول: والله يغفر لك حتى بعته بأوقية من ذهب، على أن لي ركوبه حتى أبلغ المدينة. فلما بلغتها، قال صلى الله عليه وسلم لبلال: اعطه الثمن وزده. ثم رد صلى الله عليه وسلم علي الجمل» «5» . وفي كتاب ابن حيان من حديث حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: «استغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلة البعير، خمسا