الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لك أن تدخل داري بغير إذني؟ فقال: أذن لي رب هذه الدار. فقال له إبراهيم: صدقت. وعرف أنه ملك فقال له: من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت، جئت أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلا، فحمد الله تعالى، ثم قال: ما علامة ذلك؟ قال: إجابة الله دعاءك وإحياء الموتى بسؤالك. فحينئذ قال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
«1» إنك قد اتخذتني خليلا وأجبتني إذا دعوتك وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «2» : «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
» ورحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» . وقد «3» أخرجه مسلم عن ابن وهب أيضا.
وقوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم قال المزني: لم يشك النبي، ولا إبراهيم صلى الله عليه وسلم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكا في أنه تعالى هل يجيبهما إلى ما سألاه أم لا. وقال الخطابي: ليس في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما. يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك.
وإنما قال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس. وكذلك قوله: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» وفيه إعلام أن المسألة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبيل زيادة العلم بالعيان. فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. وقيل: لما نزلت هذه الآية. قال قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول تواضعا منه وتقديما لإبراهيم صلى الله عليه وسلم. وسيأتي الكلام على تمام الآية، في باب الطاء المهملة في الكلام على لفظ الطير.
فائدة أخرى:
قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ
«4» الآية. هذه الآية منسوقة على الآية التي قبلها تقديره ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه وإلى الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقيل: تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه «وهل رأيت كالذي مر على قرية؟ قاله البغوي. وقد اختلف المفسرون وأهل السير، في ذلك المار. فقال وهب بن منبه: هو أرمياء بن حلقيا، وكان من سبط هارون وهو الخضر. وقال قتادة وعكرمة والضحاك: وهو عزير بن شرخيا، وهو الأصح. وقال مجاهد هو كافر شك في البعث واختلفوا في تلك القرية، فقال وهب وعكرمة وقتادة. هي بيت المقدس. وقال الضحاك: هي الأرض
المقدسة. وقال الكلبي: هي دير سابر آياد. وقال السدي: سلماياد. وقيل: دير هرقل. وقيل الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوف. وقيل: هي قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس، وهي خاوية ساقطة. يقال: خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى، مقصورا، إذا سقط. وخوى البيت بالفتح يخوي خواء، ممدودا، إذا خلا. على عروشها سقوفها، واحدها عرش. وكل بناء عرش. وكان السبب في ذلك على ما ذكره محمد بن إسحاق صاحب السيرة. أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أنوص، ملك بني إسرائيل، ليسدده ويأتيه بالخبر من الله وكان قوام أمر بني إسرائيل، بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم. فكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي يقيم له أمره، ويشير عليه برشده، ويأتيه بالخبر من ربه عز وجل. فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي، فأوحى الله إلى أرمياء أن ذكر قومك نعمي، وعرفهم أحداثهم. فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه في الوقت خطبة طويلة بليغة، بين لهم فيها ثواب الطاعة، وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله عز وجل: وإني أحلف بعزتي لأقيضن لكم فتنة يتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليكم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة، وأنزع من قلبه الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى الله إلى أرمياء إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، وهم ولد يافث بن نوح، فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى ومزق ثيابه ونبذ التراب على رأسه. فأوحى الله إليه: يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم، يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به. فأوحى الله إليه:
وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح بذلك أرمياء، وقال: لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل أبدا، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكا صالحا فاستبشر وفرح، وقال: أن يعذبنا ربنا، فبذنوب كثيرة، وإن يعف عنا فبرحمته. ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا وإلا معصية تماديا في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم.
فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما قصد سائرا أتى الخبر للملك فقال لإرمياء: أين ما زعمت أن الله عز وجل أوحى إليك؟ فقال أرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق، فلما قرب الأجل بعث الله إلى أرمياء ملكا متمثلا في صورة رجل من بني إسرائيل فقال له أرمياء: من أنت؟ فقال أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهلي ورحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولم يزدهم إكرامي إياهم إلا سخطا، فأفتني فيهم فقال: أحسن فيما بينك وبين الله، وصلهم وابشر بخير فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فجلس بين يديه، فقال له ارمياء: من أنت؟ قال: أنا الذي أتيتك أستفتيك في أهلي ورحمي فقال له أرمياء: أما ظهرت أخلاقهم لك بعد؟ قال: يا نبي الله ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمه إلا أتيتها إليهم وأفضل قاله له أرمياء: ارجع فأحسن إليهم اسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم لك. فانصرف الملك ومكث أياما، ونزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس، أكثر من الجراد المنتشر. ففزع منهم بنو إسرائيل، وقال ملكهم لارمياء: أين ما وعدك ربك؟ فقال أرمياء:
إني واثق بوعد ربي. ثم أقبل الملك على أرمياء، وهو جالس على جدار بيت المقدس يضحك
ويستبشر بنصر ربه. فجلس بين يديه فقال له أرمياء: من أنت؟ قال: أنا الذي أتيتك مرتين أستفتيك في شأن أهلي ورحمي. فقال له أرمياء: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال له الملك: يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم، كنت أصبر عليه، واليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله تعالى. فقال أرمياء: على أي عمل رأيتهم؟ قال على عمل عظيم من سخط الله عز وجل، فغضبت لله، وأتيتك وأنا أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم. فقال أرمياء: يا مالك السموات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا نرضاه فأهلكهم فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابه، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه وقال: يا مالك السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم، إلا بفتياك ودعائك. فعلم أنها فتياه وإن ذلك السائل كان رسولا من الله إليه فطار أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس. ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس ففعلوا حتى ملؤوه. ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده كبيرهم وصغيرهم من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل واحد منهم أربعة أغلمة. وكان من أولئك الأغلمة دانيال وحنانيا. وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق: فثلثا قتلهم، وثلثا سباهم، وثلثا أقرهم بالشأم. فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله تعالى ببني إسرائيل يظلمهم. فلما ولي بختنصر راجعا عنهم إلى بابل، ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرمياء على حمار له، معه عصير عنب في ركوة وسلة تين، حتى غشي إيلياء فلما وقف عليها ورأى خرابها، قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
«1» ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام، وأمات حماره وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون، فلم يره أحد وذلك ضحى. ومنع الله السباع والطير عن أكل لحمه، فلما مضى من موته سبعون سنة، أرسل الله تعالى ملكا من ملوك فارس، يقال له نوشك إلى بيت المقدس ليعمره، فانتدب في ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، وجعلوا يعمرونه. وأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت في دماغه، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت أحد منهم ببابل، وردهم الله إلى بيت المقدس ونواحيه، وعمروه ثلاثين سنة وكثروا، حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه. فلما مضت المائة سنة أحيا الله تعالى من أرمياء عينيه، وسائر جسده ميت ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتا من السماء أيها العظام البالية إن الله تعالى يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض، ثم نودي إن الله عز وجل يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا فكان كذلك ثم نودي إن شاء الله عز وجل يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله عز وجل ونهق، وعمر الله تعالى أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى:
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
«1» الآية وقوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ
«2» أي لم يتغير وكان التين كأنه قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ساعته. نقله عن وهب بن منبه انتهى. وسيأتي الكلام على الخضر واختلاف العلماء في اسمه ونبوته في لفظ الحوت من هذا الباب.
وقال قتادة وعكرمة والضحاك إن بختنصر لما خرب بيت المقدس، وأقدم سبي بني إسرائيل بابل، كان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود عليه الصلاة والسلام، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حماره حتى نزل بدير هرقل، على شط دجلة فطاف في القرية فلم يرفيها أحدا، ورأى عامة شجرها حاملا فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل الفاكهة في سلة، والعصير في زق. فلما رأى خراب القرية، قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
«3» قالها تعجبا لا شكا في البعث. وقال السدي: إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهب بها الطير والسباع فاجتمعت وركب بعضها في بعض. وهو ينظر فصار حمارا من عظم ليس فيه لحم ولا دم، ثم كسيت العظام لحما ودما فصار حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى. وقال قوم: أراد به عظام هذا الرجل، وذلك إن الله عز وجل لم يمت حماره فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فإذا حماره قائم، كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام. وتقدير الآية:
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ،
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها
«4» هذا قول قتادة والضحاك وغيرهما.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما أحيا الله عز وجل عزيرا بعد ما أماته مائة سنة، ركب حماره وقصد بيت المقدس حتى أتى محلته، فأنكره الناس وأنكروا منزلته فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها من العمر مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم، وكان عزير قد خرج عنهم وهي ابنة عشرين سنة وكانت قد عرفته وعقلته، فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ قالت: نعم. هذا منزل عزير، وبكت وقالت: ما رأيت أحدا منذ كذا وكذا سنة يذكر عزيرا. قال: أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإن عزيرا كان مجاب الدعوة، يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية. فادع الله تعالى أن يرد على بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك. فدعا ربه سبحانه وتعالى، ومسح بيده على عينيها فأبصرت، ثم أخذ بيدها وقال:
قومي بإذن الله تعالى. فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة فنظرت إليه وقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم، وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادت: هذا عزير قد أتاكم الله به، فكذبوها فقالت:
أنا فلانة مولاتكم دعا لي عزير به فردّ علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله سبحانه كان أماته مائة سنة، ثم بعثه. قال: فأقبل الناس إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو كما قال انتهى. وقال السدّي والكلبي: لما رجع إلى قريته، وقد أحرق بختنصر التوراة، ولم يكن عهد بين الخلائق، بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء من الله تعالى، فيه ماء، فشرب منه، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله