الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مناف بن قصي، وينسب إلى أمية بن عبد شمس، فيقال: الأموي. وخرج عليه مرة بن نوفل الأشجعي الحروري وورد الكوفة، وهو أول الخوارج، فكتب معاوية إلى أهل الكوفة ألا لا ذمة لكم عندي حتى تكفوني أمره فقاتلوه وقتلوه. وهو أول من اتخذ المقاصير وأقام الحرسي والحجاب. وأول من مشى بين يديه صاحب الشرطة بالحربة، وأول من تنعم في مأكله وملبسه ومشربه. وكان رضي الله عنه حليما، وله في الحلم أخبار كثيرة، ولما حضرته الوفاة جمع أهله فقال: ألتسم أهلي؟ قلوا بلى فداك الله بنا. فقال: وعليكم حزني ولكم كدي وكسبي، قالوا:
بلى، فداك الله بنا، قال فهذه نفسي قد خرجت من قدمي، فردوها علي إن استطعتم، فبكوا وقالوا ما لنا إلى هذا من سبيل. فرفع صوته بالبكاء، ثم قال: فمن تغره الدنيا بعدي؟ وذكر غير واحد أنه لما ثقل في الضعف وتحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني اثمدا واسبغوا رأسي دهنا ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهدوا له مجلسا وأسندوه، وأذنوا للناس فدخلوا وسلموا عليه قياما، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلا:
وتجلدي للشامتين أريهم
…
أني لريب الدهر لا أتضعضع «1»
فسمعه رجل من العلويين فأجابه:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع «2»
ثم أنه أوصى أن تدق قلامة أظفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجعل من منافذ وجهه، وأن يكفن بثوب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتوفي في دمشق في نصف رجب وقيل في مستهل رجب سنة ستين.
وصلى عليه الضحاك الفهري لغيبة ابنه يزيد ببيت المقدس. واخلف في عمره فقيل ثمانون وقيل خمس وسبعون سنة وقيل خمس وثمانون سنة وقيل ثمان وثمانون سنة وقيل تسعون. وكانت خلافتة منذ خلص له الأمر تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام. وكان أميرا وخليفة أربعين سنة. منها أربع سنين في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه والله تعالى أعلم.
خلافة يزيد بن معاوية
ثو قام بالأمر بعده إبنه يزيد. بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وذلك أن أباه كان قد جعله ولي العهد من بعده وكان بحمص، فقدم منها وبادر إلى قبر أبيه، ثم دخل دمشق إلى الخضراء، وكانت دار السلطنة فخطب الناس بها وبايعوه بالخلافة. وكتب إلى الأقاليم بذلك فبايعوه، ولم يبايعه الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما ولا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه، واختفيا من عامله، الوليد بن عقبة بن أبي سفيان. وأقاما مصرين على الامتناع إلى أن قتل الحسين رضي الله تعالى عنه بكربلاء، وكان الذي باشر قتله الشمر بن ذي الجوشن، وقيل سنان بن أنس النخعي وقيل أن الشمر ضربه على وجهه، وأدركه سنان فطعنه فألقاه عن فرسه، ونزل خولي بن يزيد
الأصبحي ليحز رأسه، فارتعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد فاحتز رأسه، ودفعه إلى أخيه خولي وكان أمير الجيش عبيد الله بن زياد ابن أبيه، من قبل يزيد بن معاوية. قالوا: ثم إن عبيد الله بن زياد جهز علي بن الحسين، ومن كان مع الحسين من حرمه، بعد أن اعتمدوا ما اعتمدوه، من سبي الحريم وقتل الزراري مما تقشعر من ذكره الأبدان، وترتعد منه الفرائص إلى البغيض يزيد بن معاوية، وهو يومئذ بدمشق مع الشمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق، فنزلوا ليلقوا به فوجدوا مكتوبا على بعض جدرانه:
أترجو أمة قتلت حسينا
…
شفاعة جده يوم الحساب
فسألوا الراهب عن السطر ومن كتبه؟ فقال إنه مكتوب هنا من قبل أن يبعث نبيكم بخمسمائة عام. وقيل إن الجدار انشق فظهر منه كف مكتوب فيه بالدم هذا السطر. ثم ساروا حتى قدموا دمشق، ودخلوا على يزيد بن معاوية، ومعهم رأس الحسين رضي الله تعالى عنه، فرمي به بين يدي يزيد، ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: يا أمير المؤمنين ورد علينا هذا يعني الحسين في ثمانية عشر رجلا من أهل بيته، وستين رجلا من شيعته، فسرنا إليهم وسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد أو القتال فاختاروا القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس وأحطنا بهم من كل جانب، فلما أخذت السيوف مأخذها جعلوا يلوذون لوذان الحمام من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر جزور أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مزملة وخدودهم معفرة، تسفي عليهم الرياح، زوّارهم العقبان ووفودهم الرخم.
فلما سمع يزيد بذلك، دمعت عيناه، وقال: ويحكم قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه ثم قال: يرحم الله أبا عبد الله ثم تمثل بقول «1» الشاعر:
يفلقن هاما من رجال أعزة
…
علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بالذرية فأدخلوا دار نسائه، وكان يزيد إذا حضر غداؤه، دعا علي بن الحسين وأخاه عمر بن الحسين، فأكلا معه ثم وجه الذرية صحبة علي بن الحسين، إلى المدينة ووجه معه رجلا في ثلاثين فارسا، يسير أمامهم حتى انتهوا إلى المدينة، وكان بين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله تعالى عنه خمسون عاما. وقيل: إن الحسين رضي الله عنه لما وصل إلى كربلاء سأل عن اسم المكان؟ فقيل له: كربلاء فقال ذات كرب وبلاء، لقد مر أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين، وأنا معه، فوقف وسأل عنه فأخبروه بإسمه، فقال:«ههنا محط رحالهم وههنا مهراق «2» دمائهم» . فسئل عن ذلك فقال نفر من آل محمد ينزلون ههنا، ثم أمر باثقاله فحطت في ذلك المكان. وكان قتله رضي الله تعالى عنه يوم عاشوراء في سنة ستين. ذكره أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، في الأخبار الطوال. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الكاف في